ابتلع زوريان ألمه وفتحت عيناه بغتة على وخز حاد في بطنه. تشنّج جسده كلّه وارتطم بالشيء الذي هوى عليه واستيقظ في الحال دون أثر لنعاس في ذهنه. "صباح الخير يا أخي!" دوت نبرة مبتهجة على نحو مزعج فوقه مباشرة. "صباح الخير، صباح الخير، صبااااح الخير!!!" حدق زوريان في كيريلي بذهول وهو يحاول فهم ما جرى. آخر ما تذكره كان ذلك الكائن الميت الحي يلقي عليه وعلى زاك تعويذة ثم حلّ الظلام. تجولت عيناه يمنة ويسرة متفحصاً محيطه ليؤكد شكوكه، فهو في غرفته داخل سيرين. لكن ذلك لم يكن معقولاً بتاتاً. لقد سرّه نجوه من التجربة بأسرها، غير أنه توقع على الأقل الاستيقاظ في مشفى أو ما شابه. وما كان لكيريلي أن تتعامل معه بمثل هذا الاستهتار بعد مروره بتجربة قاسية كهذه، فحتى هي لم تكن طائشة إلى هذا الحد. علاوة على ذلك، بدا هذا المشهد بأسره مألوفاً بشكل مخيف. "كيري؟" "أم، نعم؟" "أي يوم هذا؟" سأل زوريان وهو يستبق الإجابة بخوف. "الخميس." قطب حاجبيه. "أقصد التاريخ يا كيري." "الأول من تشاريوت. ستذهب إلى الأكاديمية اليوم. لا تقل لي إنك نسيت" هكذا دفعتْه كيريلي. حرفياً، إذ صحبت كلماتها بوخزة دقيقة في خاصرته مغرزة إصبع سبابتها النحيل بين أضلاعه. دفع زوريان يدها بعيداً وهو يئن متألماً. "لم أنس!" ردّ زوريان بحنق. "أنا فقط..." وتوقف هنا. ماذا كان مفترضاً أن يخبرها؟ صراحة، لمש يكن لديه أدنى فكرة عما يدور! "تعلمين ماذا؟" قال بعد صمت قصير. "دعينا من هذا، أعتقد أن الوقت قد حان لتنزلي عني." وقبل أن تستطيع كيريلي الردّ، قلبها زوريان بلا مبالاة متجاوزاً حافة السرير وقفز هو الآخر. خطف نظارته من خزانة الأدراج المجاورة لسريره وجالت عيناه في الغرفة بعناية أكبر هذه المرة باحثاً عن أي شيء في غير مكانه، عن أي شيء قد يكشف هذه المزحة الضخمة (وإن كانت سمجة). ورغم أن ذاكرته لم تكن خالية من العيوب، فقد دأب على ترتيب ممتعته بطرق محددة للغاية ليتبيّن إن كان أفراد أسرته الفضوليون يعبثون بأغراضه. لم يجد شيئاً في غير مكانه البتة، لذا ما لم يكن مقلده الغامض عارفا لنظامه عن ظهر قلب (وهو أمر مستبعد) أو قررت كيريلي أخيراً احترام حرمة غرفته في غيابه (ليتجمد الجحيم عما قريب)، فهذه حقاً غرفته كما تركها حين ذهب إلى سيوريا. أكان كل ذلك حلماً إذن؟ بدا واقعياً للغاية بالنسبة إلى حلام. فمن ديدن أحلامه أنها دائماً غامضة وعبثية وسريعة التبخر من ذاكرته فور استيقاظه. أما هذه فبدت كذكرياتها العادية تماماً، بلا طيور متكلمة ولا أهرامات عائمة ولا ذئاب ثلاثية العيون وغيرها من المشاهد السريالية التي تعج بها أحلامه عادة. وكان فيها الكثير أيضاً، فحتماً إن تجارب شهر كامل لكثيرة جداً على مجرد حلم؟ "تريد أمي التحدث معك" أخبرته كيريلي من على الأرض دون أن تبدو في عجلة كبيرة للنهوض. "لكن هي، أيمكنك أن تريني بعض السحر قبل أن تنزل؟ أرجوك؟ أرجوك أرجوك؟" عقد زوريان حاجبيه. السحر هاه؟ على ذِكر الأمر، فقد تعلم قدراً لا بأس به من السحر. حتماً إن كان كل هذا حلماً مُعقداً، فسيغدو كل السحر الذي تعلمه هناك باطلاً تماماً، أليس كذلك؟ أتى ببضع إيماءات واسعة وتمتم بكلمات قبل أن يقبض كفيه أمامه. وتجسدت فوراً كرة ضوء عائمة فوق كفيه. هاه. ليس مجرد حلم معقد إذن. "هذا مذهل!" هتفت كيريلي دافعة الكرة بإصبعها لتخترقها مستقيمة. ولم يكن الأمر مفاجئاً حقاً، إذ لم تكن سوى ضوء. سحبت إصبعها وحدقت فيه بفضول كأنها ترجو أن تجده متغيراً بطريقة ما. وجّه زوريان الكرة عقلياً لتطير في أنحاء الغرفة وتدور حول كيريلي بضع مرات. أجل، إنه يعرف التعويذة حقاً؛ فهو لم يحتفظ فحسب بذكرى طريقة إلقائها، بل وأيضاً بالتحكم الدقيق الذي طوّره مع الممارسة المتكررة لها. لا يكتسب المرء أموراً كهذه من مجرد رؤيا، حتى لو كانت نبوئية. "المزيد! المزيد!" طلبت كيريلي. "أرجوك كيري، كفي" تنهد زوريان. لم يكن بمزاج يسمح بنزواتها في هذه اللحظة. "لقد لبيت رغبتك، أليس كذلك؟ ابحثي عن شيء آخر تلهين به نفسك الآن." أشرت بوجهها عابسة، لكنه كان منيعاً تماماً ضد أمور كهذه الآن. ثم قطبت حاجبيها للحظة واعتدلت بغتة كأنها تذكرت شيئاً. انتظر... "لا!" صرخ زوريان، لكنه فات الأوان سلفاً. كانت كيريلي قد ركضت إلى الحمام وأطبقت الباب خلفها. "اللعنة عليك يا كيري، لماذا الآن؟ لماذا ليس قبل أن أستيقظ؟" أجابت: "سوء طالعك". مال زوريان للأمام حتى اصطدم جبينه بالباب. "كان لدي إنذار مسبق ومع ذلك وقعت في الفخ". قطب حاجبيه. إنذار مسبق حقاً. أياً ما تكن "ذكرياته المستقبلية"، فقد بدت موثوقة إلى حد ما. أكانت سيوريا ستتعرض للغزو حقاً خلال مهرجان الصيف إذن؟ ماذا عليه أن يفعل حيال ذلك؟ ماذا بوسعه أن يفعل حيال ذلك؟ هز رأسه وعاد بخطوات حثيثة إلى غرفته. لن يفكر حتى في مثل هذا التساؤل إلا بعد أن يتبين المزيد عما حلّ به. أغلق الباب بالمفتاح ليحظى ببعض الخصوصية وجلس على سريره. احتاج إلى التفكير. حسن. إذن فقد عاش شهراً كاملاً من الدراسة قبل أن... يحدث شيء ما... ثم استيقظ في غرفته بسيرين كأن الشهر برمته لم يكن. وحتى مع احتساب السحر، كان ذلك هراء مطبقاً. السفر عبر الزمن مستحيل. لم تكن لديه كتب في غرفته تناقش الموضوع بقدر يُذكر من الاهتمام، لكن كل المقتطفات التي تطرقت للسفر عبر الزمن اتفقت على استحالة تحقيقه. حتى السحر البعدي كان غايته تحريف الزمن وتسريعه أو إبطائه. لقد كانت واحدة من القلائل التي أجمع السحرة على وقوعها خارج قدرة السحر. فكيف إذن كان يعيشه؟ كان لتوه في صدد مراجعة الكتب بغرفته بحثاً عن أي صنف سحر يمكنه "تزييف" السفر عبر الزمن بطريقة ما حين قاطع طرٌقٌ على بابه أفكاره، وأدرك فجأة أنه ما زال يرتدي ثياب نومه وأن أمه رغبت في الحديث معه قبل وقت ليس بالقصير. تبدلت ملابسه سريعاً وفتحه، ليجد نفسه تحت فحص امرأتين إحداهما أمه فحسب. وشك أن يحيي إيلسا باسمها، لكنه تدارك نفسه في الوقت المناسب. "جاءت معلمة من الأكاديمية لتتحدث معك" قالت أمه بنظرة استنكار تنبئه بأنها ستوبخه مطولاً بمجرد مغادرة إيلسا. "تحياتي" قالت إيلسا. "أنا إيلسا زيليتي من أكاديمية سيوريا الملكية للفنون السحرية. كنت أطمع في الحديث معك بشأن بعض الأمور قبل أن تغادر. لن يستغرق الأمر طويلاً." "بالطبع" قال زوريان. "أم، أين تتفضلين..." "غرفتك ستفي بالغرض" قالت إيلسا. "سأجلب لك شيئاً تشربينه" قالت أمه مستأذنة بالانصراف. راقب زوريان إيلسا وهي تفض أوراقاً مختلفة وتضعها على مكتبه (ما الذي كانت تفعله بتلك الأوراق على أي حال؟)، محاولاً حسم كيفية المضي في هذا الأمر. إن كانت ذكرياته المستقبلية صحيحة، فعليها مناولته اللفافة في حدود... نعم، ها هي ذا. معرفة ما سحدث مسبقاً أمر غريب. نزولاً عند المظاهر، منح زوريان اللفافة فحصاً عابراً قبل أن يمرر المانا فيها. كانت تماماً كما يتذكرها، الخط وزخرفته والعبارات الرسمية الطنانة والشعار المعقد في أسفل الوثيقة، وشعر زوريان بمدّ من الخوف يجتاح كيانه. بأي شيء لع اللعنة أقحم نفسه؟ لم يكن يملك أدنى فكرة عما يجري له، لكن الأمر كان ضخماً. ضخماً للغاية. راوده إلحاح لإخبار إيلسا بمرضه وطلب نصيحتها، لكنه كبح جماح نفسه. بدا الأمر أعقل الخطوات، فحتماً ساحرة متمرسة مثلها مؤهلة بكثير لمعالجة هذا مقارنة به، ولكن ماذا علسيه أن يخبرها حقاً؟ بأنه يتذكر أشياء لم تحدث بعد؟ أجل، سيجدي ذلك نفعاً عظيماً. علاوة على ذلك، وبالنظر إلى طبيعة ذكرياته المستقبلية، كان يرى بسهولة أنه قد يُعتقل لو كُشفت مؤامرة غزو سيوريا بالفعل بفضل تحذيراته. فبعد كل شيء، الأرجح بكثير أن تعود معرفته الصادمة لكونه فاراً من المؤامرة لا لكونه مسافراً غريباً عبر الزمن. ومضت في ذهنه لفترة قصيرة صورة لعميلي حكومة يعذبانه لانتزاع المعلومات فارتجف. لا، الأفضل حفظ كل هذا لنفسه في الوقت الحالي. وعليه، وطوال الدقائق العشر التالية، أعاد زوريان تمثيل ذكرياته عن تفاعله الأولي مع إيلسا حرفياً، إذ لم يجد مغزى في اختيار مغاير هذه المرة؛ فكل خياراته اتخذت لأسباب كانت صحيحة في تلك اللحظة تماماً كما كانت في ذكرياته المستقبلية. لم يجادل إيلسا بشأن كسفيم هذه المرة مع ذلك، لأنه بات يعلم أن الجدال حول هذا الموضوع عقيم، ولم يطلب استراحة للحمام لأنه عرف مسبقاً الصفوف الاختيارية التي يود الالتحاق بها. بدت إيلسا غير مبالية بتاتاً بحزمه الغريب، مستعجلة على ما يبدو كاستعجاله للانتهاء من هذا الأمر بأسره. ثم مجدداً، لمَ قد تتفاجأ بحزمه؟ فهي لا تملك ذكريات مستقبلية تقارن بها هذا اللقاء بأكمله على عكسه. بل ولم تكن تعرفه حتى هذه اللحظة. تنهد زوريان وهز رأسه. لقد شعرا وكأنهما ذكريات عادية حقاً، وكان تجاهلهما صعباً. سيبدو هذا شهراً طويلاً بحق. "أأنت بخير يا سيد كازنسكي؟" ألقى زوريان نظرة فضولية على إيلسا محاولاً استنباط سبب طرحها لهذا السؤال. أدارت بصرها نحو يديه للحظة فقط، لكن زوريان التقطها. كانت يداه ترتجفان. قبضهما في شكل قبضتين وأخذ نفساً عميقاً. "أنا بخير" قال. وأعقب ذلك ثانية أو نحوها من الصمت المزعج، حيث بدت إيلسا غير راغبة في مواصلة خطابها الختامي بينما واصلت تأمله. "أيمكنني أن أطرح عليك سؤالاً؟" "بالطبع" قالت إيلسا. "لهذا أنا هنا." "ما رأيك في السفر عبر الزمن؟" باغتها السؤال بوضوح، فربما كان آخر شيء توقعت طرحه، أو قريباً من أسفل القائمة. غير أنها تمالكت نفسها بسرعة بالغة. "السفر عبر الزمن مستحيل" قالت إيلسا بحزم. "كل ما يمكن فعله هو تمديد الزمن أو ضغطه، لا تفاديه أبداً ولا عكْسه." "لماذا؟" سأل زوريان بدافع فضول صادق. لم يشهد قط تفسيراً لاستحالة السفر عبر الزمن، وإن كان مردّ ذلك لعدم اهتمامه المفرط بالموضوع حتى الآن. تنهدت إيلسا. "أقرّ بأنني لست واسعة الإحاطة بالتفاصيل، لكن نظرياتنا الفضلى تبين أن السير عكس التيارات الزمنية مستحيل تماماً. كاستحالة 'رسم دائرة مربعة' لا كاستحالة 'القفز فوق المحيط'. نهر الزمن يجري في اتجاه واحد فحسب. وفضلاً عن ذلك، بُذلت محاولات لا تحصى في الماضي المُدَوَّن وانتهت جميعها بالفشل." ورمقته بنظرة حادة. "آمل مخلصاً ألا تبدد مواهبك في هكذا مسعى أحمق." "كنت فضولياً فحسب" دافع زوريان عن نفسه. "كنت أقرأ فصلاً يناقش حدود السحر وتساءلت عن سبب يقين المؤلف المطلق باستحالة السفر عبر الزمن." "حسن، ها أنت ذا تعلم" قالت إيلسا وهي تنهض. "والآن إن كان هذا كل شيء، فينبغي لي الذهاب فعلاً. سأسر بالإجابة عن أي أسئلة أخرى يوم الإثنين بعد الحصة. طاب يومك." راقبها زوريان وهي تغادر وأغلق الباب خلفه قبل أن يرتمي مجدداً على سريره. شهر طويل بحق. - فاصل - لم يُغرق رحيل القطار زوريان في النوم هذه المرة ولأول مرة. فقد واجه أمه بلطف ببعض المواضيع الحساسة عندما حاولت توبيخه، وبات متأكداً تماماً من أن هذا ليس نوعاً من الوهم المتقن، ما لم يكن الوهمي على دراية ببعض أسرار العائلة المحفوظة بعناية شديدة. وبدا في حالة صحو أكبر من أن يُعد هذا هلاوس مُفتعلة. وحسبما استطاع تقديره في تلك اللحظة، فقد سافر عبر الزمن حقاً. وقضى معظم رحلة القطار مسجلاً كل ما يهمه تذكره في أحد دفاتره. لم يظن حقاً أن الذكريات ستتلاشى قريباً، لكن ذلك ساعده على تنظيم أفكاره وملاحظة تفاصيل كان ليفوتها لولا ذلك. ولاحظ أنه نسي استعادة كتبه من تحت سرير كيري وسط كل تلك الفوضى، لكنه قرر أن الأمر لا يهم. فلو كانت الحصص شبيهة بما كانت عليه في المرة السابقة، فلن يحتاجها طوال الشهر الأول. لقد كان ذلك السحر الأخير الذي ألقاه الميت الحي عليه وعلى زاك، وتأكد زوريان من ذلك. والمشكلة هي أن زوريان لم تكن لديه فكرة عن ماهية السحر. حتى الكلمات لم تكن مألوفة. تعاويذ القياسية تستخدم كلمات إيكوسية كقاعدة، وكان زوريان يعرف ما يكفي من الإيكوسية ليلمّ إلمامة عامة بتعويذة لمجرد الاستماع إلى ترنيمات الملقي، لكن الميت الحي استخدم لغة مختلفة في ترتيله. لحسن الحظ، كانت لدى زوريان ذاكرة جيدة حقاً وتذكر معظم الترنيمة، فدونها في دفتره الموثوق بحروف صوتية. وكان واثقاً تماماً من عدم عثوره على التعويذة ذاتها في أي مكان ضمن نطاق تصريحه الأمني، إذ يُرجح أن التعويذة محظورة للغاية ومحفوظة بعيداً عن متناول سحرة الدائرة الأولى مثله، لكنه سينظر في أمر تحديد اللغة والعثور على معجم ملائم في مكتبة الأكاديمية. الدليل الآخر على مجمل هذا الأمر هو زاك نفسه. لقد كان الفتى قادراً على قتال ميت حي - ميت حي لعين! - لعدة دقائق قبل الاستسلام له. وعلى الرغم من أن الميت الحي كان يلهو معه، إلا أن ذلك ظل مثيراً للإعجاب حقاً. سيضع زوريان زاك في كفة واحدة مع ساحر من الدائرة الثالثة، وربما أكثر. ما الذي كان يفعله ذلك الرجل مع طلاب الأكاديمية إذن؟ كان ثمة أمر غريب بحق بخصوص زاك، رغم أن زوريان لم ينوِ مواجهة الفتى مباشرة إلى أن يتبين المزيد عما يدور. فعلى حد علم، قد يكون هذا من نوعية أمور «أنت تعلم بشأننا، لذا ينبغي علينا قتلك الآن». كان عليه السير بحذر شديد حول وريث نوفيدا. أغلق زوريان الدفتر بقوة ومرر يده في شعره. مهما نظر إلى الأمر، بدا الموقف بأسره مجنوناً تماماً. أكان يحمل ذكريات من المستقبل حقاً أم إنه يفقد صوابه ببساطة؟ كاثنا الاحتمالين مخيفان. لم يكن مؤهلاً بأي شكل للتعامل مع أمر مماثل بمفرده، لكنه لم يدر كيف يجعل الآخرين يساعدونه دون أن يُزج به إما إلى مصحة عقلية أو غرفة استقيق. وقرّر التفكير في الأمر لاحقاً. بمعنى، لاحقاً الغد. كان الأمر بأسره اغرب من أن يُحتمل، واحتاج إلى النوم عليه قبل اتخاذ أي قرار. "عذراً، أهذا المقعد شاغر؟" نظر زوريان إلى المتحدثة، متعرفاً عليها بعد ثانية من التذكر. الفتاة المجهولة ذات الياقة العالية الخضراء التي انضمت إلى مقصورته عندما توقفوا في كورسا. بالطبع، لم تكلف نفسها عناء الاستئذان في المرة السابقة قبل أن تجلس. ما الذي تغير؟ آه، لا يهم، ما يهم هو أن تلك الفتاة تلتها بسرعة المرة السابقة أربع فتيات أخريات. فتيات صاخبات ومزعجات للغاية. لن يقضي ما تبقى من رحلة القطار متمعناً في أحاديثهم العبثية... مجدداً. "نجل" أومأ برأسه. "في الواقع، كنت أغادر للتو. سنقف في كورسا، أليس كذلك؟ طاب يومك يا آنسة." ثم سرعان ما خطف أمتعته وانطلق باحثاً عن مقصورة أخرى، تاركاً الفتاة لمصيرها. ربما كانت هذه الذكريات المستقبلية نافعة لشيء ما، بعد كل شيء. - فاصل - بانغ! "يا صرصور!" بانغ! بانغ! بانغ! "يا صرصور، افتح الباب الملعون ثلاثاً! أعلم أنك هنا!" استدار زوريان في سريره وأطلق أنات. ماذا كانت تفعله تايفين هنا بهذه البكرة؟ لا انتظر... خطف الساعة من خزانته وجلبها أمام وجهه... لم تكن مبكرة، بل نام حتى ما بعد الظهر. هاه. تذكر بوضوح ذهابه مباشرة من محطة القطار إلى الأكاديمية والنوم بعد دقائق من الوصول إلى غرفته، ومع ذلك فقد استغرق في النوم هكذا. يبدو أن الموت ثم الاستيقاظ في الماضي عمل شاق حقاً. بانغ! بانغ! بانغ! بانغ! بانغ! "قادم، أنا قادم!" صاح زوريان. "كفي عن الطرق على بابي، بحق الجحيم!" بطبيعة الحال، واصلت الطرق بحماسة أكبر. هرع زوريان ليجعل نفسه بمظهر لائق وخطا بخطوات ثقيلة نحو الباب. فتح الباب بعنف، رامياً تايفين بنظرة مقفرة... ...وهي بدورها تجاهلتها فوراً. "أخيراً!" قالت. "أي لعنة استغرقت كل هذا الوقت!؟" "كنت نائماً" قال زوريان مقتضباً من بين أسنانه. "حقا؟" "نعم" أجاب بغضب مقتضب. "لكن-" "كنت متعباً" انبرى زوريان بحدة. "متعباً للغاية. وما الذي تنتظرينه بحق الجحيم؟ ادخلي." اندفعت للداخل وأخذ زوريان لحظة ليجمع شتات نفسه قبل مواجهتها. في ذكرياته المستقبلية، لم تزره قط بعد رفضه مرافقتها في مهمتها إلى المجاري، وهو ما أفصح بالكثير عن حقيقة مشاعرها إزاء «صداقتهما» هذه. ثم مجدداً، لم يفكر فيها هو نفسه بالكاد حتى الآن، لذا ربما ما كان عليه الحكم. وفي كل الأحوال، كان أقل ميلاً للانضمام إليها في هذه المهمة الآن مما كان عليه في ذكرياته المستقبلية، فقد بات لديه أمور أكثر إلحاحاً لمعالجتها هذه المرة، إضافة إلى الخوف العام الذي ما زال صحيحاً الآن كما كان حينها. وعليه، شعر بقدر أقل بكثير من التردد في طردها ببساطة، ولم يستغرق الأمر سوى ساعة لإقناعها بترك وشأنه. وبعد الفراغ من ذلك، انطلق فوراً نحو المكتبة، متوقفاً في طريق قصير عند مخبز مجاور لالقمة سريعة تعينه. وما إن بلغ المكتبة حتى شرع في البحث عن كتب تتناول موضوع السفر عبر الزمن محاولاً تحديد اللغة التي استخدمها الميت الحي في تعويذته. كان وصف ذلك بالمخيب للآمال مجرد تبسيط. فعلى صعيد أول، لم تكن هناك كتب حول السفر عبر الزمن. ولم يُنظر للموضوع كحقل دراسي جاد نظراً لاستحالته وما شابه. وما كُتِب عنه كان نزراً يسيراً متناثراً في مجلدات لا تحصى، ومختبئاً في أقسام وفقرات غير مسماة من كتب غير مرتبطة ببعضها أصلاً. وكان تجميع تلك الإشارات المبعثرة عملاً شاقاً للغاية، ولم يكن مجزياً بالقدر الكافي أيضاً؛ فلم يكن أي منها مفيداً في حل لغز ذكرياته المستقبلية. وكان العثور على لغة الميت الحي في تعويذته أشد إحباطاً، إذ فشل حتى في تحديد اللغة، ناهيك عن ترجمة الترنيمة. قضى عطلة نهاية الأسبوع برمتها يقلب نصوص المكتبة بلا جدوى، متخلياً أخيراً عن ذلك الاتجاه من البحث عندما بات جلياً عدم إتيانه بأي نتائج. فضلاً عن أن عمال المكتبة شرعوا في إلقاء نظرات غريبة عليه جراء خياراته من المؤلفات، ولم يرد خلق إشاعات غير محبذة. نأمل أن يتمكن من خداع زاك لكشف ما يدور بحق الجحيم حين تبدأ المدرسة. - فاصل - "لقد تأخرت." حدق زوريان في وجه أكوجا الصارم بتأمل هادئ. سرّه أنه لن يضطر للتعامل مع أي دراما بسبب أمسيته الكارثية معها - مسروراً بذلك القدر القريب من سروره بعدم موته - لكنه لم يستطع منع نفسه من التساؤل عن مغزى ثورتها تلك. لم تبدُ كمن تحبه، فلماذا أثر تعليقه فيها بهذا العمق؟ "ماذا؟" سألت، وأدرك زوريان أنه طال التحديق بها أكثر من اللازم. عفوًا. "أكو، لما تقولين هذا لي بينما أكثر من نصف الصف لم يصل بعد؟" سأل. "لأن ثمة فرصة على الأقل لتستمع، على عكسهم" اعترفت أكوجا. "وأيضاً، ينبغي لمن مثلك أن يكون قدوة للطلاب الآخرين، لا أن ينحدر إلى مستواهم." "من مثلي؟" استفسر زوريان. "ادخل وفقط" قطبت بحنق. تنهد ودخل. ربما كان الأفضل ترك الأمور تسير على عهنها؛ فلديه مشكلات أخرى عليه معالجتها، وهي مقيدة بالقوانين أكثر مما ينبغي لذوقه في كل الأحوال. لم يدر ما كان يتوقع حدوثه حين ولج الصف. أيقف الجميع عما يفعلون ويحدقون به، ربما؟ على الأقل كان سيجد سبباً لشعوره بهذا التوتر حيال حضور حصته الأولى في العام للمرة الثانية. لكنهم بطبيعة الحال لم يفعلوا شيئاً كهذا. لم تكن المرة الثانية بالنسبة إليهم، ولم يكن ثمة ما هو غير عظمي بوضوح كي يلتفتوا إليه. قمع توتره وجلس في مؤخرة الصف، ماسحاً بعينيه القادمين الجدد خفية بحثاً عن بوادر لزاك. كان متأكداً من ارتباط الفتى الآخر بالأمر بطريقة ما، وبدا الفتى الغامض فرصة زوريان المثلى لفهم ما يحدث له. حدث اضطراب قصير عندما أصدر أليف درام النار الخاص بريام أزيزاً هائلاً وشرع في مطاردة جار بريام المرتعب عبر حجرة الدرس قبل أن يهدئه بريام. يبدو أن الزواحف السحرية أحبت ذلك الفتى المسكين بقدر أقل حتى مما أحبت زوريان. على أي حال، دخلت إيلسا بعد فترة قصيرة وبدأت الدرس. ولم يظهر زاك أبداً. أمضى زوريان الحصة برمتها في حالة ذهول، مصدوماً من هذا التحول في الأحداث. أين اختفى زاك بحق الجحيم؟ كل شيء جرى حرفياً تماماً كما حدث في ذكرياته المستقبلية حتى الآن، وكان غياب زاك الانحراف الرئيسي الأول. رسّخ هذا بصلابة ارتباط زاك بطريقة ما بهذا الجنون، لكنه أبعد الفتى في الوقت ذاته عن متناول زوريان. بدت المحاضرة أزعج الآن مما كانت عليه حين استمع إليها للمرة الأولى، إذ مرّ عبر جلسات المراجعة هذه من منظور أقل من شهر مضى. ويبدو أن إيلسا عملت وفق نص ما، لأن المحاضرة كانت مطابقة تقريباً لتلك المأخوذة من ذاكرته، والفارق الوحيد تمثل في غياب زاك عن منافسة أكوجا في الإجابة عن أسئلة إيلسا للصف. يا لطرافة الأمور حين تبدو أوضح بأثر رجعي. كان زاك يتصرف بغرابة منذ البداية، في تلك المحاضرة الأولى تماماً، لكن زوريان لم يعر الأمر اهتماماً. صحيح أن تطوع زاك للإجابة عن أسئلة المعلمة كان خارجاً عن طبعه، لكنه لم يكن مستحيلاً كلياً. فقد كانت مجرد حصة مراجعة على أي حال، وكان عليهم معرفة هذه الأمور لاجتياز الشهادة. واستغرق الأمر أسبوعين قبل أن يبدأ الناس حقاً في ملاحظة مدى التحسن المفاجئ لزاك. كثير من الأسئلة، والقليل جداً من الأجوبة. لم يسعه سوى الأمل في ظهور زاك قريباً. - فاصل - لم يحضر زاك إلى الصف في ذلك اليوم، ولا في الذي تلاه، ولا في اليوم الذي يليه. وبحلول يوم الجمعة، كان زوريان متأكداً تماماً من أن الفتى الآخر لن يظهر بتاتاً. ووفقاً لبينيسيك، اختفى زاك ببساطة من قصر عائلته في نفس اليوم الذي ركب فيه زوريان القطار إلى سيوريا، ولم يره أحد بأي شكل منذ ذلك الحين. لم يعتقد زوريان بقدرته على تدبير أمر لم يفكر المحققون الذين استأجرهم وصي الفتى في فعله، ولم يرغب في استجلاب الانتباه لنفسه عبر السؤال، لذا وضع لغز زاك جانباً على مضض في الوقت الحالي. كان أداؤه الدراسي يسير بشكل جيد، على الأقل. وبفضل معرفته المسبقة، اجتاز اختبارات نورا بول المفاجئة بتفوق ولم يكن بحاجة حقاً للدراسة لأي مادة؛ فجلسة إنعاش صغيرة كانت كفيلة بإبحاره بيسر عبر أي شيء تقريباً. وما إن تبدأ حصة حواجزه الفعلية فستتغير الأمور غالباً، لكنه امتلك الآن كل وقت الفراغ الذي يبتغيه للتفكير فيما ينبغي فعله حيال مهرجان الصيف المقترب بسرعة والهجوم المرافق له. ومع غياب زاك، للأسف، وصل زوريان إلى طريق مسدود في كل الأدلة التي بحوزته، وبات تائهاً في كيفية المضي قدماً. "ادخل." فتح زوريان باب مكتب كسفيم وواجه نظرات الرجل بتحدٍ. كان واثقاً تماماً من دقة ذكرياته «المستقبلية» الآن، بغياب زاك الغامض جانباً، لذا علم أن هذا سيكون تمريناً آخر في الإحباط. راودته رغبة في مقاطعة الاجتماعات، لكنه ظن أن مثابرته الصامتة في وجه عداء الرجل هي ما دفع إيلسا في النهاية لضمه تحت جناحها. وفضلاً عن ذلك، شعر بأنه سيقدم لكسفيم خدمة إن انسحب – إذ راود زوريان إحساس جلي بأن الرجل كان يحاول حمله على الانسحاب في المرة السابقة – وكان أشرس من أن يفعل ذلك. جلس دون أن يُطلب منه، محبطاً بعض الشيء لعدم تعقيب الرجل على لفتته الوقحة عمداً. "زوريان كازنسكي؟" سأل كسفيم. أومأ زوريان برأسه وخطف بخبرة القلم الذي ألقاه الرجل من الهواء، متوقعاً إياه هذه المرة. "أرني الثلاث الأساسية" أمر الرجل، غير متفاجئ البتة بإنجاز التنسيق. فوراً، وددون حتى نفس عميق إضافي، فتح زوريان كفه، وكأن القلم وثب من راحة يده إلى الهواء. "اجعله يدور" قال كسفيم. اتسعت عيناه زوريان. ماذا حدث لـ"البدء من جديد"؟ لم تكن محاولته الحالية أسوأ بأي حال مما أظهره خلال جلسته الأخيرة قبل ذلك الرقص المصيري، وكانت استجابة كسفيم الوحيدة تلك الليلة هي "ابدأ من جديد"، تماماً كأي وقت آخر. ما الذي تغير الآن؟ "أتعاني من مشكلات في السمع؟" سأل كسفيم. "اجعله يدور!" رمش زوريان، مدركاً أخيرًا ضرورة تركيزه على الجلسة الحالية لا على ذكرياته. "ماذا؟ ماذا تعني بـ'اجعله يدور'؟ هذا ليس جزءاً من الثلاث الأساسية..." تنهد كسفيم درامياً وأخذ ببطء قلماً آخر ليرفعه فوق كفه الخاصة. وبدلاً من مجرد التعليق في الهواء كقلم زوريان، كان قلم كسفيم يدور كمروحة. "أنا... لا أملك أدنى فكرة عما أفعله حيال ذلك" اعترف زوريان. "لم نُعَلَّم كيف نقوم بهذا في الصفوف." "نعم، إنه لأمر إجرامي مدى فشل الصفوف في إعداد طلابنا" قال كسفيم. "مثل هذا التغيير البسيط لتمرين الرفع ينبغي ألا يكون خارج متناول ساحر معتمد. لا بأس، سنصحح هذا القصور قبل الانتقال إلى أمور أخرى." تنهد زوريان. عظيم. لا عجب في ألا يتقن أحد أبداً الثلاث الأساسية بالقدر الذي يرضي كسفيم إذا ظل الرجل يعيد تعريف ما تعنيه "الإتقان". فربما كان هناك المئات من "التغييرات الصغيرة" لكل من الثلاث الأساسية، بما يكفي لقضاء عقود في تعلمها كلها، لذا لا عجب في ألا يتمكن أحد من استنفادها كلها في عامين هزيلين. وخصوصاً بالنظر إلى معايير كسفيم لتسمية المهارة بـ"المتقنة". "امضِ قدماً" حثه كسفيم. "ابدأ." ركّز زوريان بحدة على القلم المعلق فوق كفه، محاولاً معرفة كيفية القيام بذلك. ينبغي أن يكون الأمر بسيطاً نسبياً. عليه فقط تثبيت نقطة استقرار في منتصف القلم وتسليط الضغط على الطرفين، أليس كذلك؟ على الأقل، كان هذا أول ما تراءى في ذهنه. وما إن نجح في جعل القلم يتحرك قليلاً حتى شعر باصطدام شيء مألوف بجبينه. حدق زوريان في كسفيم، لاعناً نفسه على نسيانه لكرات الزجاج اللعينة للرجل. ألقى كسفيم نظرة على القلم الذي ما زال يحوم فوق راحة زوريان. "لم تفقد تركيزك" علق كسفيم. "جيد." "لقد رميتني بكرة زجاجية" اتهمه زوريان. "كنت أعجلك" قال كسفيم بلا ندم. "أنت بطيء للغاية. يجب أن تكون أسرع. أسرع، أسرع، أسرع! ابدأ من جديد." تنهد زوريان وعاد إلى مهمته. أجل، إنه تمرين في الإحباط حقاً. - فاصل - بين عدم ألوفته للتمرين ومقاطعات كسفيم المستمرة، لم يفلح زوريان سوى في جعل القلم يهتز بنهاية الجلسة، وهو ما بدا... مهيناً بعض الشيء في الواقع. فمهاراته في التشكيل فوق المتوسطة كانت إحدى الأمور القليلة التي تميزه عن زملائه السحرة، وشعر بأنه كان ينبغي أن يبلي بلاء أحسن بكثير، بغض النظر عن محاولات التخريب المتكررة لكسفيم. لحسن الحظ، كان كتاب يصف التمرين بالتفصيل سهل المنال في مكتبة الأكاديمية، لذا نأمل أن يتقنه بحلول الأسبوع القادم. حسناً، ليس إتقانه - ليس بالمعنى الذي أراده كسفيم - بل أراد معرفة ما يفعله على الأقل قبل مواجهة جلسته القادمة مع كسفيم. بطبيعة الحال، لم يكن مستعداً في الأحوال العادية لصب كل ذلك الجهد في تمرين تشكيل بائس، لكنه احتاج إلى إلهاء. في البداية، بدا وضع السفر عبر الزمن بأسره سخيفاً بوضوح لدرجة جعلت الحفاظ على هدوئه ورباطة جأشه أمراً يسيراً. وظل جزء منه يتوقع أن الأمر برمته حلم مزدوج أو ما شابه، وأنه سيستيقظ ذات يوم دون تذكر شيء. وأصبح ذلك الجزء مذعوراً ومنزعجاً الآن بعد اتضاح حقيقة الموقف الذي يواجهه. ما الذي كان مفترضاً به فعله؟ لقد أثقل غياب زاك الغامض كاهله، مما أجج جنون العبارة لديه وجعله متردداً في إخبار أي شخص بشأن الغزو. لم يكن زوريان شخصاً غير أناني بطبعه ولم يرد إنقاذ الناس ليورط نفسه في النهاية. وأياً ما تكون ذكرياته المستقبلية حقاً، فقد كانت في جوهرها فرصته الثانية في الحياة - وتأكد تماماً من موته بنهاية ذكرياته المستقبلية - ولم تكن لديه نية لإهدارها. لقد اعتبر واجباً أخلاقياً عليه تحذير الناس من الخطر المحدق بالمدينة، لكن لا بد أن تكون هناك طريقة لفعل ذلك دون تدمير حياته أو سمعته. الفكرة الأبسط هي تحذير أكبر عدد ممكن من الناس (لضمان أخذ بعضهم على الأقل للتحذيرات بجدية) وفعل ذلك وجهاً لوجه، نظراً لإمكانية تجاهل الاتصالات المكتوبة بطريقة تتعذر في التفاعلات الشخصية حقاً. وللأسف، سيصوره ذلك حتماً كمجنون حتى يُبرأ لاحقاً بالهجوم الفعلي. هذا إن وُجد هجوم، فماذا لو قرر المتآمرون التواري فور انکشاف خططهم ولم يحدث الغزو؟ وماذا لو لم يأخذه أحد بجدية حتى فوات الأوان ثم يقررون جعله كبش فداء لتحويل المسؤولية عن أنفسهم؟ وماذا لو كان أحد الأشخاص الذين يحاول تحذيرهم جزءاً من المؤامرة فيقتله قبل أن يتمكن من إخبار أي شخص آخر؟ ماذا لو، ماذا لو... عدد كبير جداً من "ماذا لو". وراوده ظن خفي بأن إحدى تلك الاحتمالات مسؤولة عن اختفاء زاك. ونتيجة لهذه التأملات، راقت له فكرة البقاء مجهول الهوية أكثر فأكثر مع كل يوم مضى. والمشكلة هي أن إرسال رسالة إلى مجموعة من الناس دون تتبعها إليك لم يكن بالأمر البسيط إطلاقاً عندما يتدخل السحر. فالاستبصارات لم تكن كليّة القدرة، لكن زوريان لم يملك سوى فهم أكاديمياً لحدودها، ولن تصمد احتياطاته على الأرجح في وجه بحث مدفوع من مستبصر ماهر. تنهد زوريان وشرع في تخطيط خطة مبدئية في دفتره، متجاهلاً تماماً محاضرة معلم التاريخ الحماسية. كان عليه معرفة من يتصل به، وما الذي يضعه في الرسائل، وكيف يضمن عدم تعقبها إليه. وقد شك بطريقة ما في سماح الحكومة للمؤلفين بنشر إرشادات حول كيفية تفادي الكشف من قِبل إنفاذ القانون، لكنه سيتحقق مع ذلك من المكتبة ليرى ما لديهم حول الموضوع. كان منغمساً جداً في مهمته الموكلة ذاتياً لدرجة أنه بالكاد لاحظ انتهاء الصف، مستمراً في الكتابة المحمومة بينما غادر الجميع وخرجوا من الصف. وبالتأكيد لم يلاحظ بينيسيك وهو يتلصص من فوق كتفه. "ماذا تفعل؟" أغلق زوريان دفتره بقوة في مناورة انعكاسية فور بدء بينيسيك في الكلام رامياً الفتى الآخر بنظرة بغيضة. "من غير اللائق التطلع فوق أكتاف الآخرين" علق زوريان. "مرتجفون، ألسنا كذلك؟" ابتسم بينيسيك، جارا كرسيًا بصوت عالٍ من الطاولة المجاورة ليجلس في الجانب الآخر من طاولة زوريان. "استرخِ، لم أرَ شيئاً." "ليس لعدم المحاولة" علق زوريان. ووسع بينيسيك ابتسامته فقط. "ماذا تريد على أي حال؟" "أردت الحديث قليلاً فحسب" هز بينيسيك كتفيه. "لقد أصبحت منعزلاً حقاً هذا العام. وتبدو بوجهك نظرة محبطة طوال الوقت، وأنت مشهول دائماً رغم أننا في بداية العام الدراسي. أردت معرفة ما يزعجك، أتعلم؟" تنهد زوريان. "هذا ليس أمراً يمكنك مساعدتي فيه يا بين..." أصدر بينيسيك صوتاً مختنقاً، مستاءً فيما يبدو من تعليقه. "ماذا تقصد أنني لا أستطيع مساعدتك!؟ أخبرك أنني خبير في مشكلات الفتيات." وحان دور زوريان لإصدار صوت مختنق. "مشكلات الفتيات!؟" "أوه هيا" ضحك بينيسيك. "مشتت باستمرار؟ شارداً في منتصف الحصة؟ تضع خططاً لإرسال رسائل مجهولة؟ الأمر واضح يا رجل! من هي الفتاة المحظوظة؟" "لا توجد 'فتاة محظوظة'" زمجر زوريان. "واعتقدت أنك لم ترَ شيئاً؟" "اسمع، لا أعتقد أن إرسال رسائل مجهولة فكرة سديدة" قال بينيسيك، متجاهلاً تماماً تعليقاته. "هذا في غاية... السنة الأولى، أتعلم؟ يجب عليك المشي إليها ببساطة وإخبارها بما تشعر به." "ليس لدي وقت لهذا" تنهد زوريان، ناهضاً من مقعده. "هي، هيا..." احتج بينيسيك، متتبعاً إياه. "يا رجل، أنت شخص حساس للغاية، هل أخبرك أحد بذلك؟ كنت فقط..." تجاهله زوريان. لم يكن بحاجة حقاً لهذا الآن. - فاصل - باسترجاع ما حدث، كان ينبغي لزوريان معرفة أن مجرد تجاهل بينيسيك لم يكن فكرة سديدة إلى هذا الحد. فلم يستغرق الأمر سوى يومين حتى "علم" معظم الصف بأن زوريان مغرم بشخص ما، وكانت تخميناتهم الصاخبة مزعجة للغاية. ناهيك عن تشتيتها. ومع ذلك، تبخر استياؤه من الإشاعات عندما اقتربت منه نيولو ذات يوم ومنحته قائمة قصيرة من "الكتب التي قد يجدها مفيدة". راودته ومضة لرمي القائمة بالنار، وخصوصاً أنها زُينت بعشرات القلوب الصغيرة، لكن فضوله الطبيعي انتصر في النهاية فذهب إلى المكتبة لاستعارتها. وظن أنه سيحظى بضحكة جيدة منها على الأقل. لكنه نال أكثر من مجرد ضحكة جيدة؛ فبدلاً من نصائح الحب السخيفة التي توقعها، كانت الكتب التي رشحتها نيولو بأكملها حول ضمان عدم تتبع رسائلك وهداياك وما شابه عبر الاستبصارات والسحر الآخر. ويبدو أنه إذا أسميت نصيحة كهذه الحب المحظوع: كشف أسرار الرسائل الحمراء وصغتها كنصيحة علاقات فيمكنك تجاوز الرقابة المعتادة التي تخضع لها مثل هذه المواضيع عادة. وبالطبع، لم تكن لديه فكرة عن مدى موثوقية النصيحة في تلك الكتب حقاً، ونظر إليه أمين المكتبة بنظرة غريبة حين استعار كتباً كهذه، لكنه ظل مسروراً بالعثور عليها. وإن سارت الأمور بأسره على ما يرام في النهاية فسيتعين عليه فعل شيء لطيف لنيولو. ولذا ومع اقتراب المهرجان الصيفي، خطط زوريان وجهّز. اشترى حزمة كاملة من الأوراق العامة والأقلام والأظرف في أحد المتاجر التي بدت أفقر وأكثر فوضى من أن تتتبع مشتريات زبائنها. صاغ الرسائل بعناية لتجنب كشف أي تفاصيل شخصية. وحرص على عدم لمس الورق بيديه العاريتين في أي مرحلة، وألا ينتهي المطاف بأي من عرقه أو شعره أو دمه في الظرف. وكتب عمداً بخط رسمي مكعب لا يشبه خط يده العادي بأي شكل. ودمر الأقلام والورق الزائد والأظرف التي لم يستخدمها في النهاية. ثم، وقبل أسبوع من المهرجان، وضع الرسائل في صناديق بريد عامة مختلفة في جميع أنحاء سيوريا وانتظر. كان الأمر... مثيراً للأعصاب، قلّ أن يقال. ومع ذلك لم يحدث شيء؛ فلم يأتِ أحد لمواجهته بشأن الرسائل، وهو أمر جيد، لكنه بدا وكأن لا شيء غير عادي يحدث أيضاً. ألم يصدقه أحد؟ أخطأ في شيء ما وانتهت الرسائل بعدم وصولها إلى المستهدفين؟ أكانوا بالغين في الدقة في رد فعلهم لدرجة عدم حدوث أي ضجة؟ كان الانتظار يقتله. وأخيراً، اكتفى. وفي الأمسية التي سبقت الرقص قرر إنجازه لكل ما بوسعه وركب القطار الأول مغادراً المدينة. ربما نجحت رسائله أو لم تنجح، لكنه سيكون بخير بهذه الطريقة بغض النظر عما يحدث. وإن سأل أحد (رغم شكوكه في ذلك)، سيستخدم عذره الموثوق "حادثة الخيمياء". لقد أفسد جرعة ما واستنشق بعض أبخرة الهلوسة، ولم يفق إلا عندما كان خارج سيوريا بالفعل. نعم، هذا بالضبط ما حدث. وبينما تسارع القطار مغادراً سيوريا في جنح الظلام، قمع زوريان توتره ومشاعر الذنب لفعله القليل جداً في تحذير أي شخص من الهجوم المقترب. وماذا كان بوسعه أن يفعل غير ذلك؟ لا شيء، هذا ما في الأمر. لا شيء على الإطلاق. وبعد فترة استغرق في نوم مضطرب، بينما كان نبض القطار الإيقاعي تهويدته، ورؤى النجوم المتساقطة والهياكل العظمية المتشحة بضياء أخضر تطارد أحلامه. - فاصل - ابتلع زوريان ألمه وفتحت عيناه بغتة على وخز حاد في بطنه. تشنّج جسده كلّه وارتطم بالشيء الذي هوى عليه واستيقظ في الحال دون أثر لنعاس في ذهنه. "صباح الخير يا أخي!" دوت نبرة مبتهجة على نحو مزعج فوقه مباشرة. "صباح الخير، صباح الخير، صبااااح الخير!!!" حدق زوريان في أخته الصغرى بريبة وفاهه يفتح ويغلق بشكل دوري. ماذا، مجدداً؟ "أوه، لابد أنك تمزحين!" زمجر زوريان، وسرعان ما ابتعدت عنه كيريلي بخوف. ظنت على ما يبدو أن غضبه موجّه إليها. "ليس أنت يا كيري، أنا... لقد راودني كابوس فحسب، هذا كل ما في الأمر." لم يستطع تصديق الأمر، أحدث ذلك مجدداً! أي جحيم هذا؟ لقد سُّر بحدوثه في المرة السابقة، إذ يعني ذلك أنه لم... أنت تعلم، ميت. لكن الآن؟ أصبح الأمر غريباً للغاية الآن. لماذا يحدث له هذا؟ أوه، وبينما كان يرثي مصيره داخلياً، حصنت كيريلي نفسها في الحمام مجدداً. لتبتئس السماء برمتها!
أم التعلّم الفصل 5 — ابدأ من جديد
اقرأ أم التعلّم الفصل 5 — ابدأ من جديد باللغة العربية على مانجا تايم.