الفصل 46: الجانب الآخر قال زوريان: "أنا مستعد. يمكنك بدء الإلقاء متى شئت". منحه إستين، شريكه الحالي في التمارين، إيماءة جادة وبدأ بإطلاق مقذوفات سحرية نحوه بتتابع سريع. اعترضها زوريان بهدوء كلها بدرعه، موزعا انتباهه بين مراقبة طريقة إيستين في إلقاء التعويذة ليتمكن من مساعدته في تحسينها لاحقا، ومحاولة تحديد أدنى قوة درع مطلوبة لتلقي الهجمات بأمان. فكرة سيئة عادة - لو كانت هذه مناظرة حقيقية، كتلك التي خاضها مع تايوين مؤخرا، لكان التقشف لأقصى حد في الصد وصفة لكارثة. لكن حسن الحظ أن مجموعته التدريبية كانت قد تخلت تماما عن ذلك عندما يتدخل. كان ماهرا جدا ولا يعرف كيف يكبح نفسه بالشكل المناسب، لذا فهو يخدم هذه الأيام في الغالب كهدف حي وناشر للنصائح. ليس وكأن هذا جعله عديم الفائدة للمجموعة، بعيدا عن ذلك، لكنه كان يعني أنه بحاجة إلى الإبداع ليحصل على بعض الفائدة الشخصية من حضور جلسات التمرين هذه. بعد أربعة عشر مقذوفا سحريا، توقف إيستين عن الإلقاء وتبادلا المواقع، بحيث يدافع إيستين عن نفسه ويهاجم زوريان. كان الإباساني السابق الشخص الوحيد في مجموعة التدريب القادر حقا على تلقي أحد مقذوفاته السحرية بأقصى قوة، لذا لم تكن هناك حاجة لكي يكبح زوريان نفسه. كانت كرات الأرض العائمة التي استخدمها إيستين كدروع أقوى بكثير مما منحها من فضل في البداية، فامتصت مقذوفاته السحرية بسهولة. مهما حاول، لم يستطع حتى تحطيم واحد منها، ناهيك عن اختراقها. كان تحديا ممتعا. لقد بلغ إلى حد كبير هضبة من حيث قوة المقذوف السحرية. مثل كل التعويذات، للمقذوف السحري كمية محدودة من المانا يمكن شحنه بها، وكان زوريان في نقطة يستحيل عليه فيها حشر المزيد من المانا دون زعزعة استقرار حدود التعويذة بلا هوادة. كانت تلك خسارة، إذ كان المقذوف السحري تعويذته القتالية الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، بفضل مقدار التمرين الذي بذله فيه. في الواقع، بلغت التعويذة درجة من كفاءة المانا جعلتها تعبث تماما بقدرته على تقدير مدى نمو احتياطياته من المانا. كان بإمكانه إلقاء حوالي 35 منها بتتابع سريع، وهو أكثر بخمسة وأربعين بالمائة من الكمية التي استطاع إلقاءها قبل حلقة الزمن - وهذا لا ينبغي أن يكون ممكنا، خاصة أنه متأكد من أن احتياطياته من المانا لم تبلغ ذروتها بعد، لذا فإن الاستنتاج الأكثر منطقية هو أن مقذوفاته السحرية تتطلب الآن مانا أقل بكثير مما كانت عليه في الماضي. ربما لم يُصمم نظام المقادير مع وضع أمثاله في الاعتبار. وهو يشك في أن الكثير من الناس يمارسون المقذوف السحري بعناد مثلما فعل. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل التعديلات التي اكتسبها مقذوفه السحري الآن، فهو يعلم من كايرون أنه لم يبلغ قمة التعويذة بعد. المقذوف السحري المنفذ بالشكل الصحيح يكون غير مرئي تماما. بينما لم تكن مقذوفاته كذلك. كانت لديه فكرة حيال ذلك، مع ذلك. لم يكن أحد في مجموعة التمرين سوى إيستين قادرا على تلقي أحد مقذوفاته السحرية بثقة دون أن تتداعى دروعهم. حتى مقذوفاته العادية أثبتت غالبا أنها أكبر من طاقتهم، ناهيك عما إذا كان سيقويها حقا. ونتيجة لذلك، أجبر على تعلم كيفية تعديل هجوماته نزولا إلى ما يمكنهم التعامل معه. وجد سريعا أن محاولة إضعاف مقذوفاته عمدا أمر صعب للغاية. التخريب الاستراتيجي لحدود التعويذة لجعلها أقل كفاءة في استهلاك المانا كان غير أنيق وأهان كبرياءه المهني، لكن محاولة جعل المقذوف السحري مثاليا تقنيا لكن أضعف وظيفيا لم تكن بالسهولة التي تبدو عليها للوهلة الأولى. إن ردود أفعاله، التي صقلتها السنوات المقضاة في حلقة الزمن، وحتى بناء التعويذة ذاته يميلان بطبيعتهما نحو أثر أمثل معين. ومخالفة ذلك كفاح مستمر. مع ذلك، فقد أتقن القدرة على خفض قوة المقذوف بعد أيام قليلة، واكتشف أنه عندما يخفض القوة بما يكفي، يمكنه جعل اللمعان والتعتيم يتهاويان كحجر. في أدنى نقطة، استطاع إنتاج مقذوفات ليست سوى التواء خفيف في الهواء - ومؤسف، بنفس فعالية أي شيء تصيبه. مع ذلك، فإن ممارسة التعويذة في مستويات القوة المنخفضة هذه تسهل رؤية العيوب والنقائص التي يصنعها في حد التعويذة، وإصلاح تلك يؤدي فورا إلى زيادة صغيرة لكن ملحوظة في كفاءة المانا لديه عند إلقاء النسخة العادية من المقذوف السحري. كان لديه شعور بأن هذا هو سر تطوير تعويذات القوة غير المرئية بشكل صحيح - لا تبدأ بجعل النسخ العادية غير مرئية، بل خفض القوة واعمل على جعل النسخة الأضعف أكثر مثالية من الناحية التقنية وأكثر كفاءة في المانا. ثم اعمل تدريجيا في طريقك صعودا حتى تنتهي بنخة منفذة بلا عيوب ومكتملة القوة. لم يحدد أي من الكتب التي عثر عليها هذه الطريقة كبرنامج تدريبي محتمل، بل اقترح تكرار التعويذة بلا نهاية كطريقة، لكن زوريان شعرت أن فكرته ذات جدارة. لم يكن لديه ما يخسره بتجربتها، إذ إن طريقة التدريب المقترحة رسميا تتكون من ممارسة النسخة العادية بغباء لسنوات وحتى لعقود في كل مرة. نعم، هو عالق في حلقة زمنية، لكن لا بد أن تكون هناك طريقة أفضل من ذلك. بعد أن فشل في اختراق دفاع إيستين الأرضي، طلب توقفاً موجزاً ليجدد الجميع احتياطياتهم من المانا. لم يكن بحاجة شخصيا للراحة - فهو يتعمد استخدام جزء ضئيل فقط من احتياطياته خلال جلسات التدريب هذه، وقد صقل قدرته على استيعاب المانا المحيطة إلى أقصى حد ممكن، لذا يستغرق عموما بضع دقائق فقط للعودة إلى أعلى مستوياته. ومع ذلك، احتاج الآخرون لالتقاط أنفاسهم، وكان عليه مراعاة ذلك. إن لم يكن لشيء آخر، فهو يتعلم قيود الأشخاص في مثل سنه. لقد نسي بصدق شكل التواجد في مستواهم، وواجه صعوبة في تقدير ما يجد الأشخاص في سنه متحديا أو حتى مستحيلا تماما. نأمل أن تجعله هذه التجربة مجهزا بشكل أفضل للتظاهر بأنه طالب عادي في المستقبل، أو على الأقل أكثر وعيا بما سيجذب انتباه الناس وإلى أي مدى. قاطعت الاستراحة أخيرا عندما اقتحم إدوين التجمع، متبوعا بأحدث غولم صنعاه. حيّا نعيم: "أهلاً إدوين. ما الذي أتى بك إلى هنا؟ قررت الانضمام إلينا أخيراً؟" قال وهو يمسك الغولم الصغير من كتفيه ويدفعه بفخر إلى الأمام لتتمكن المجموعة من إلقاء نظرة عليه: "هاه، لا. لا، أنا هنا بسبب هذا". كان التصنيع مثيرا للإعجاب جدا، حتى لو كان زوريان منحازا قليلا في التفكير في ذلك. لكونه أطول بقليل من متر، لم يبدو الغولم مخيفا بشكل خاص، لكنه شك في أن أحدا سيخطئ في اعتباره لعبة غير ضارة. صُنِع شكله النحيل الشبيه بالبشر من فولاذ معالج كيميائيا، وكان مدعوما ببطارية مانا متبلورة ضخمة نسبيا تزوده بالكثير من القوة. كانت حركاته سلسة وطبيعية، وعلى الرغم من تعامل إدوين الخشن، لم يفقد توازنه أبدا مثل غولمات زوريان السابقة. بدا الغولم وتصرف كمساعد صغير موثوق ومدافع/مشاكس ملاذ أخير. شعر زوريان بأنهما قاما بعمل جيد في صنعه. كان تجنيد إدوين للمساعدة في صناعة الغولم القرار الصحيح بالتأكيد. هز نعيم كتفيه وقال: "أنيق. هذا ما كنت أنت وزوريان تعمالن عليه طوال هذا الوقت، أليس كذلك؟ ماذا بشأنه؟" وافق زوريان: "نعم". في المرة الأخيرة التي التقيا فيها، ترك الغولم مع إدوين ليجري الفتى الآخر مجموعة من الاختبارات لمعرفة ما إذا كان يعمل بشكل صحيح. هل وجد إدوين عيبا خطيرا في التصنيع أم أنه جاء فقط ليتفاخر بنجاحهما؟ "هل هناك خطب ما فيه؟" سأل إدوين باسترعاء زائف: "فيه؟ اسمه تشيليك، وهو مثالي تماما! أعني، انظر إليه فحسب! الجميع، قابلوا تشيليك. تشيليك، قل مرحبا للرفاق اللطفاء المتجمعين هنا". أعطى الغولم تلويحة موجزة بهدوء قبل أن يدع يده المعدنية تسقط دون مراسيم مرة أخرى. نعم، أراد إدوين على ما يبدو التفاخر فحسب. ضبط زوريان إيستين وكوبريفا وهما يقلبان أعينهما أمام هذا الاستعراض، بينما بدا بريام وريني معجبين بصدق بالغولم الصغير. واصل نعيم الابتسام بهدوء، ولم يستطع زوريان معرفة ما إذا كان نعيم سعيدا حقا لصديقه أم أنه مجرد مجاملة للرجل. قال إدوين: "للأسف، كان هناك جزء واحد منه لم أستطع اختباره بشكل صحيح. لقد حصّنا هذه الجميلة الصغيرة بكل درع دفاعي استطعنا تدبيره. حسنا، فعل زوريان ذلك، وأنا شاهدت فحسب ودونت الملاحظات. لكن لا بأس بذلك، المغزى هو أن تشيليك هنا ينبغي أن يكون قادرا على تجاهل الكثير من الضرر والتعويذات المدمرة و..." استنتج إيستين: "تريد منا محاولة إتلافه". وافق إدوين بابتسامة عريضة: "نعم. سأبتعد جانبا ومن ثم يمكنكم جميعا مهاجمته معا". سألتي ريني بفضول: "كلنا؟" أومأ إدوين: "نعم. إنه صلب حقا، لذا لا تقلقوا بشأن المبالغة في القوة. لا أعتقد أن أيّا منكم يمكنه فعل أي شيء له بمفرده". عبس إيستين، متخذا ذلك كتحد بوضوح، قبل أن يضع إحدى راحتيه على الأرض أمامه. لثانية واحدة، لم يحدث شيء. وبعد ذلك، وبدون أي تحذير، فتحت الأرض تحت تشيليك مثل فكين ترابيين وسحبته إلى الفجوة الناتجة قبل أن تنطبق بقوة. تُرِك الغولم المسكين وجسده محاصر تحت التراب، بينما كان رأسه بارزاً بحرية. حدق إدوين في الغولم المدفون لثانية قبل أن يرمي نظرة مترددة نحو إيستين. مال الفتى الآخر برأسه إلى الجانب، مبتسما بضعف، وبدا مسرورا جدا لنفسه. ضحك إدوين باحراج: "حسنا. دُمِّد الادعاء. هل يمكنك من فضلك إلغاء دفنه حتى نتمكن من الانتقال إلى مزيد من الاختبارات؟" في النهاية، حاولا إسقاط الغولم الصغير بوابل من المقذوفات السحرية الجماعية وفشلا كما كان متوقعا. حتى مقذوفات زوريان لم تلحق الضرر بتشيلك بأي شكل، رغم أن ضرب الأطراف والرأس قد يختل توازنه ويسقطه على الأرض. حاول إيستين طرقه إلى خردة بإحدى كراته الأرضية، لكنه نجح فقط في إسقاطه على الأرض وجعله عاجزا عن الحركة طالما ظلت الكرة تضغط عليه. ألقت كوبريفا قارورة من الحمض الكيميائي عليه، لكن هذا لم ينجح أيضا. أخيرا، تقدم بريام واستدعى مألوفه وجعل دناور النار اليافع ينفث النار على الغولم لفترة. كان لهذا بعض التأثير على الأقل، بمعنى أن الغولم انتهى به الأمر ساخنا بشكل ملحوظ نتيجة لذلك. بدا أن دروع النار لم تكن قادرة على التعامل مع سحر النار المستمر. أنهى إدوين الاختبار عند هذه النقطة، إذ لمرغب في رؤية تشيليك مدمرا حقا. نتيجة مرضية، بكل المقاييس. لكن الضعف أمام الدفن وغيره من القيود كان ضعفا كبيرا وواضحا، وكان زوريان يفكر بالفعل فيما يمكنه فعله للتغلب على ذلك عند صنع الغولمات في المستقبل. أذن انتهاء اختبار غولم إدوين بالنهاية لجلسة التمرين الحالية أيضا، واعتذر معظم الناس وغادروا بعد ذلك. كان مهرجان الصيف على بعد أيام قليلة فقط، لذا كانت هذه أساسا آخر جلسة تدريب سيخوضها مع مجموعة التمرين. تركته هذه الحقيقة حزينا بشكل غريب - لقد امتعض في الأصل من ضياع وقت الفراغ الذي يرافق الاجتماعات، لكن الزملاء الذين علّمهم انتهى بهم الأمر إلى التسلل لقلبه قليلاً. كان من الجميل أن يحترم شخص ما مهاراته وإنجازاته للتغيير، بدلا من تذكيره باستمرار بمدى عجزه وكم المسافة التي لا يزال يتعين عليه قطعها. التفت نحو ريني، آخر شخص يبقى في ساحة التدريب معه. لم تبدو وكأنها تنوي الاعتذار، لذا افترض أنها تريد التحدث إليه. سأل: "نعم؟" سألت: "هل اكتشفت أي شيء عن أجزاء روحك الإضافية؟" كانت تماطل للوقت، ولكن لا بأس. لا سبب لعدم الإجابة عن السؤال. قال: "نوعا ما. لقد وجدت طرقا قليلة للتفاعل معها، لكني أعرف ما يفعله واحد منها فقط في الواقع. أو هكذا أظن على الأقل. سأجربه قريبا للتأكد". نعم، كان الأمر مفاجئا نوعا ما، لكن بدا أن العلامة صُممت بالفعل للتفاعل معها من قبل حاملها. كانت هناك مفاتيح متعددة... إن جاز التعبير لعدم وجود كلمة أفضل، كانت مصممة بوضوح لتقوم بشيء بمجرد تنشيطها. كان عدد كبير منها خاملا تماما، ولم يتفاعل إطلاقا مع سبره، إما لأنه لا يعرف كيف يتفاعل معها بالشكل الصحيح أو لأنها تكسرت أثناء انتقال العلامة من زاك إلى زوريان. ومع ذلك، كان الكثير منها يعمل بشكل مثالي، واستجابت باستعداد لسبره، متلهفة للانطلاق مثل الجراء الصغيرة المفعمة بالحيوية. لقد ابتعد عن تجربتها فعليا، إذ لم تُعط أي مؤشر على الإطلاق لوظيفتها. كلها ما عدا واحد. كان هناك مفتاح أمر واحد أعطاه فوراً انطباعا غامضا عما يفترض أن يفعله عندما حاول العبث به. وكان يخطط لاختبار ذلك في ختام محاولته التسلل عبر البوابة. حذرت ريني: "احرص على أن يراقبك شخص ما عندما تفعل ذلك. على الأقل يمكنهم طلب المساعدة إذا انهيارت أو ما شابه". كذب زوريان: "سأفعل". ثم تابع: "والآن لم لا تخبريني بما يزعجك حقا". تنهدت وقالت: "ليس أمرا يمكنك مساعدتي فيه حقا. أشعر فقط برغبة في الشكوى لأحدهم، على ما أظن. ليس لدي أحد هنا لأبوح له، باستثناء كيانا. خطئي، حقا. لم أجدّ في تكوين أي أصدقاء آخرين. لا أريد إزعاج كيانا بشأن هذا مرة أخرى، لذا..." أخبرها زوريان: "حسنا، خذي راحتك في الشكوى. أهذا بشأن عائلتك، ربما؟" أكدت: "نعم. أرسلت لهم رسالة الأسبوع الماضي. سألتهم إن كان بإمكاني العودة إلى المنزل لمهرجان الصيف. قالوا إنني غير مرحب بي. حسنا، ليس بهذه الكلمات تماما، لكني أستطيع القراءة بين السطور". قاسٍ. ماذا فعلت لتستحق رد فعل كهذا؟ حسنا، لقد قالت ريني إنها تريد الشكوى، لذا ستكتشف قريباً على الأرجح. اختار البقاء صامتا وتركها تتحدث. بعد لحظة من الهدوء جمعت فيها أفكارها، بدأت قصتها. قالت: "قيادة قبيلتي وراثية. الابن البكر للرئيس الحالي يرث عباءة القيادة من أبيه. يبدو الأمر بسيطا بما يكفي، لكن المشكلة كانت أن أبي لم يكن لديه ابن. عانت أمي من حمل صعب عندما وضعتني، ورفضت القبيلة جلب معالجين خارجيين للمساعدة. بعد أن ولدت، لم تستطيع الإنجاب مجددا. أو هذا ما ظننناه جميعا لفترة. بغض النظر، تقرر أنه في غياب وريث ذكر، ستكفي الابنة حتى. لم يرغب أحد في أزمة خلافة". هممم، إذن قبلت القبيلة زعيمة أنثى لكنها لم تكن سعيدة بذلك جدا. وبالنظر إلى "السيناريو الافتراضي" الذي سألته عنه في وقت سابق من إعادة التشغيل، كان لديه شعور بأنه يعرف إلى أين يذهب هذا... قالت ريني: "بينما كنت أنشأ، طالما قيل لي إنني يجب أن أكون قوية من أجل القبيلة. إن علي العمل بجد وتجسيد المثل العليا التي نمثلها، بحيث لا يكون هناك مجال للشك فيما إذا كنت استحق موقعي. لم أمتعض من ذلك قط. كنت فخورة بأبناء قبيلتي ووالدي، لوضعهما الكثير من الثقة فيّ. بذلت قصارى جهدي، وكنت بارعة في ذلك. بارعة لدرجة أنه بمرور الوقت، صمت حتى أشد منتقديني شراسة. لكن بعد ذلك حملت أمي مجددا". تألم زوريان داخليا. لقد كان ابنا، أليس كذلك؟ قالت بمرارة مؤكدة شكه: "بعد تسعة أشهر، وضعت أمي الصبي الصغير الذي طالما أراده أبي. لم يُستبعد من الخدمة فورا، بالطبع. كان عليهما التأكد من أن أخي لم يكن معيبا بطريقة ما قبل القيام بمثل هذا الفعل المتهور. راودني أمل لفترة في أن أفلح في الاحتفاظ بالعباءة بفضل المهارة والجهد المتفوقين، لكنه انتهى به المطاف بالطبع ليكون عبقريا ملعونا. كان واضحا أنه سيتفوق عليّ في نهاية المطاف. أنا... لم أتقبل الأمر بشكل جيد للغاية. لم أتخلى عن منصبي بهدوء، وحتى أن بعض أفراد القبيلة دعموني. في الغالب لأنهم شعروا أنني أثبت كفاءتي بينما كان أخي لا يزال مجهولا نسبيا، ولم يُجرّد الوريث المعين من منصبه قط بهذه الطريقة، لذا بدا الأمر برمته مشكوكا فيه بعض الشيء. لكن في النهاية، كان أسوأ أعدائي أبي نفسه - كنت أظن أنه فخور بي، بكل ما أنجزته، لكنه في النهاية كان الشخص الأكثر شراسة في الجدول بأن أتخلى عن طريقي ليأخذ أخي العباءة. كيف كان لي الممكن الفوز لتلك المعركة عندما وقف أبي ضدي؟" تحدث زوريان: "إذن هم لا يريدون عودتك لأنهم يعتقدون أنك تشكلين تهديدا لشرعية أخيك وزعيم القبيلة؟" قالت ريني: "أنا أشكل تهديدا لشرعيته. كنت. لا أعرف. لست متأكدة حقا من أي شيء بعد الآن. أشعر وكأن شيئا مما فعلته لم يكن له أهمية في النهاية. ما الذي أعيش من أجله حتى، الآن؟ طوال حياتي عُلمت أن أعيش من أجل القبيلة، لكني لست متأكدة حتى من أنني أريد العودة إلى هناك عندما يتكرمون أخيرا بالسماح لي بالعودة. ما الذي ينتظرني هناك؟ لا أعتقد أنني سأكون سعيدة أبدا بالعيش هناك مجددا". درسها زوريان لحظة، متسائلا عما إذا كان يجب أن يحاول مواساتها. لكنها بدت غاضبة أكثر من كونها حزينة، وكان لديه شعور بأنها لن تقدر هذه البادرة. الأفضل عدم المجازفة. سأل: "إذن تواجدك هنا هو نفايك، إذن؟" أجابت: "إلى حد كبير. تواجدي هنا يمكنهم من ترسيخ مكانة أخي دون تدخلي. بالإضافة إلى ذلك، فإن تلقي التعليم على يد الغرباء وتعلم سحر الغرباء يدمر ما تبقى لي من بقايا شرعية". قال زوريان: "لا يمكنني فهم سبب عدم سماحهم لك بالعودة للمنزل في مهرجان الصيف، إذن. ليس وكأنني أفهم سبب رغبتك في العودة إلى أبيك وأخيك اللذين من الواضح أنك لا تستطيعين طاقتهما، لكن هذا جانب الموضوع. النقطة هي أنه إذا تمت مناورتك بهذه الشراسة، فبالتأكيد لا ضرر من السماح لك بالعودة للمنزل لبضعة أيام. يبدو ذلك تافها جدا منهم". اعترفت: "كنت حقيرة بعض الشيء مع أخي في المرة الأخيرة التي كنت فيها في المنزل. أظن أن الحثالة الصغير ذهب باكيا إلى والدينا، لأنهما يبعدانه عني منذ ذلك الحين. يبدو أنهما يعتقدان أن هناك خطرا من أن أقتله. إنه لأمر مهين للغاية". واصلا التحدث لفترة - حسنا، واصلت ريني التحدث، وكان هو يستمع في الغالب - لكنها نفدت طاقتها في النهاية وسكتت لفترة قبل أن تعلن أن الوقت متأخر وعليها الذهاب. ومع ذلك، قبل أن تغادر، أخبرته أنها استمتعت باجتماعاتهما وسألت عما إذا كان بإمكانهما الاستمرار في الاجتماع هكذا، حتى لو كان غرضه الأصلي من الاقتراب منها قد استُوفي منذ فترة طويلة عند هذه النقطة. وافق. بالطبع فعل. ورغم سلوكها الصارم، استطاع أن يرى أنها سعيدة جدا لسماع ذلك. لكن مهرجان الصيف كان على الأيقاع مباشرة وسرعان ما ستنسى أي من هذا حدث. في المرة القادمة التي يلتقيان فيها، سيكونان غريبين تماما عن بعضهما. قرر عدم مصادقة ريني مرة أخرى في المستقبل. ليس بينما كانت الحلقة الزمنية سارية، على أي حال. مع ذلك، إذا تمكن يوما من الخروج، فقد حدث نفسه بأنه سيحاول مصادقة متغيرة الشكل ذات الشعر الأحمر حقا. لقد تذكرته بنفسه ما قبل الحلقة الزمنية أكثر من أن يتجاهل ذلك. كانت مشكلتها، كما قالت، شيئا لا يستطيع مساعدتها فيه حقا... لكن ربما يكفي مجرد الحصول على صديق إضافي. بقي في ساحة التدريب لفترة غير قهيرة بعد ذلك، غارقا في أفكاره، قبل أن يشق طريقه عائقا إلى مكان إيمايا. - استراحة - كان ذلك يوم ما قبل مهرجان الصيف وكل شيء جاهز. لقد أوقف اختطاف نوتشكا مجددا، وصنع كل المعدات التي سيستخدمها في محاولته لاختحام البوابة، وأجلى حكماء الفيلكري إلى موطنهم. كل ما تبقى الآن هو جمع النتائج التي توصل إليها كايل وتايوين من خلال بحثهما الشخصي وتخزينها داخل عقله لإعادة التشغيل المستقبلية. لحسن الحظ، كان يلتقي بهما حاليا في قبو إيمايا لنفش هذا الغرض. قالت تايوين وهي تناهضه دفتر ملاحظات صغيرا: "ها هو. لا أستصدق أنني أقول هذا، لكني سعيدة نوعا ما بأن الشهر يوشك على الانتهاء. ليس لديك أي فكرة عن مدى إزعاج ممارسة تمارين التشكيل طوال اليوم، وكل يوم". أشار زوريان: "تايوين، لقد كان لدي زفيم كمرشد طوال السنوات الأربع الماضية". لوحت بيدها باستهانة: "نعم، نعم..." أبرها قائلا: "أرني ما تعلمته". احتجت وهي تشير إلى دفتر المنات في يديه: "ماذا؟ لكن كل شيء مدون هناك". أصر: "لا يهم، أريد رؤيته شخصيا. بعض الأشياء لا يمكن تدوينها حقا". قرر بعد خمس عشرة دقائق أنها تقدمت بشكل جميل. بعض الأشياء التي اعتبرها تافها لم تنجح حقا، مما يعني إما أنه لم يكن يعلمها بالشكل الصحيح أو أن تايوين كانت غير مناسبة بشكل مذهل لها، لكن كانت هناك أيضا بعض التمارين التي جاءت إليها بشكل طبيعي تقريبا. كانت بداية جيدة، إن لم يكن لشيء آخر. قال: "كان ذلك بطيئا جدا. ولقد تخبطت قليلا نحو النهاية. ابدأ ا-" حذرته تايوين: "لو قلت «ابدأ من جديد» مرة أخرى، زوريان..." ضحك وقال: "حسنا، حسنا، سأتوقف عن توجيه زفيم الكامن داخلي. سنتوقف هنا. لقد حصلت على ما احتجت إليه، على ما أعتقد. كايل، ماذا عنك؟ أتعشاني عيناي أم أن كمية الدفاتر التي جلبتها لي قد تقلصت فعلا عما كانت عليه في البداية؟" قال كايل: "قلت إنك تحفظ كيف يصنع الكتاب بأكمله بتلك التعويذة الخاصة بك، وليس النص فحسب، لذا ظننت أنني سأكتب بأقصى كثافة وتوفير المساحة بهذه الطريقة. يأخذ الكتاب الواحد نفس المساحة في ذاكرتك بغض النظر عن مقدار ما هو مكتوب فيه، إذا فهمتك بشكل صحيح". "هذا صحيح، لكن نمط التعديل الذي أخزنه لا يخلو أبدا من العيوب، لذا لا بد أن تتسلل بعض العيوب في النسخ. أمل ألا تكون قد جعلت الحروف صغيرة جدا..." أثبت اختبار سريع أن كتابة كايل المكثفة نجت من عملية الحفظ والنسخ بشكل جيد للغاية، لذا مضى زوريان قدما وحفظ الكومة بأكملها. قالت تايوين باحراج: "حسنا، هذا كل ما في الأمر، على ما أظن. أظن أننا سنرى بعضنا البعض في إعادة التشغيل القادمة. ليس وكأنني سأتذكر أيا من ذلك..." اعترف زوريان: "في الواقع، سأتخطي الذهاب إلى سيوريا لبضع عمليات إعادة تشغيل. أحتاج إلى إيجاد طريقة لوقف، أو على الأقل تأخير تدهور حزمة ذاكرة الملكة الأم. وأيضا تطوير مهارات قراءة الذاكرة الخاصة بي لأتمكن من الخروج بشيء منها إذا فشلت. لا يمكنني إهدار الوقت في الفصول قبل حل هذه المشكلة". قال كايل: "معقول. سألاحظ أنني استنفدت إلى حد كبير جميع الثمار الدانية عندما يتعلق الأمر ببحثي. سأحتاج إلى التواصل مع خبراء آخرين وربما الحصول على بعض المواد المقيدة من خلال قنوات أقل قانونية في المرة القادمة التي نفعل فيها هذا. أعلم أنك حذر بحق من إحداث الكثير من الصخب، لذا سيتعين عليك مناقشة هذا مع نفسي الأخرى". من الجيد إذن أنه يضع روتينه في سيوريا قيد التعليق المؤقت. فهو لا يحتاج إلى تشتيت انتباه كهذا الآن. انفصلت المجموعة بعد فترة، وغادر زوريان للبحث عن كيرييل. كان هناك أمر أخيرة يريد فعله قبل النهاية. سأل: "كيري، أتظنين أنه بإمكانك إطلاعنا على رسوماتك؟" لم تكن بحاجة للكثير من الإقناع. ركضت خارج الغرفة وعادت قريبا بكومة سميكة من الأوراق التي تمثل مساعيها الفنية على مدار الشهر الماضي. بدت وكأنها ترسم أي شيء يعلق في ذهنها - العصافير التي تحب التجمع في الشارع أمام منزل إيمايا، المنزل الذي يعيشون فيه وسكانه، الأشجار في الحديقة القريبة حيث تلعب مع نوتشكا، وما إلى ذلك. لقد أُعجب بشكل خاص بحفنة الصور التي صورت محطة القطار الرئيسية في سيوريا - لم تتذكر فقط شكل واجهات المتاجر المختلفة التي زاروها، بل حفظت حتى العديد من العناصر الفردية التي كانت معروضة للبيع. لقد نسى زوريان معظم تلك الأشياء بعد خمس دقائق تقريباً من مغادرتهم محطة القطار، لكن كيرييل تذكرتها جيدا بما يكفي لرسم صورة واقعية لها طوال اليوم بعد ذلك. إذا وجد بعض الوقت للقتل، فيجب أن يطلب من كيرييل أن تعلمه كيفية الرسم. وهو يشك في أنه سيكون بارعا في ذلك، لكن الصورة الذهنية لأخته الصغرى وهي تحاول تعليمه شيئا كانت مسلية. "...وهذه هي قطة نوتشكا لـ- اااه"، تخبطت كيرييل، ممسكة نفسها بالكاد في الوقت المناسب. ألقت عليه نظرة ذعر ثم حاولت دس رسمة القطة السوداء الصغيرة أسفل بعض الرسومات التي تم فحصها مسبقا. هيه. سأل زوريان ببراءة: "شكل قطتها، ربما؟" لاهثت كيرييل: "كنت تعلم!" أكد: "كنت أعلم. إذن هل يمكنك معرفة أنها متغيرة الشكل بمفردك أم أنها سيئة في حفظ الأسرار مثلك تماما؟" احتجت: "أنا لست سيئة في حفظ الأسرار! وأم، لقد أفصحت بطريقة ما عن أنها تستطيع ممارسة السحر وأزعجتها حتى أرتني ما يمكنها فعله". أه نعم، الميل الأبدي للناس للتفاخر بمهاراتهم. حسنا، هذا إلى جانب قدرة كيرييل المذهلة على الاستمرار في إثارة الموضوع حتى تقرر الضحية أن الاستسلام ومجاراتها أسهل. لم يلم نوتشكا على الاستسلام، بالنظر إلى عدد المرات التي انتهى به الأمر فيها بفعل الشيء نفسه. بغض النظر عن طيش نوتشكا، لم تكن هناك مفاجآت أخرى تنتظره بين رسومات كيرييل. ثم حاول إلقاء تعويذة الحفظ لترسيخ الكومة بأكملها في ذاكرته، لكنه وجد أن كيرييل كانت حامية للغاية لعملها وشكاكة بشكل غريب تجاه أفعاله. استغرق الأمر بعض الوقت لكي يقنع زوريان كيرييل بأن التعويذة التي يريد إلقاءها غير مدمرة تماما وأنه لن يحلم حتى بحرق أعمالها الفنية أو أي شيء مشابه. حقا، من أين حصلت على هذه الفكرة أصلا؟ اعترفت: "حرق فورتوف مرة مجموعة من رسوماتي عندما طلب منه أن يريني بعض السحر. قال إنها مزحة". قلب زوريان عينيه. نعم، بدا ذلك مناسبا لفورتوف. بمعرفته لكيرييل، ربما كانت مزعجة ومخربة للغاية... لكنه ظل أمرا مقرفا للغاية. قال زوريان: "أنا مهان نوعا ما لأنك قارنتني بفورتوف، ولكن لا بأس". حفظ الكومة سريعا وسلمها إياها مجددا. "ها هو. انتهى كل شيء". تصفحت كيرييل الأوراق سريعا للتأكد من أنه لم يلحق أي ضرر ثم غادرت لتضع الرسومات في غرفتها. لكنها عادت قريبا بما يكفي، يبدو عليها القلق. سألت: "زوريان، لماذا أردت حفظ رسوماتي؟ كان بإمكانك فقط أن تطلب مني أن أريك إياها وقتما تشاء إلقاء نظرة. أذاهب أنت إلى مكان ما؟" رمقها زوريان بنظرة جانبية، متسائلا عما يجب أن يخبرها به. سيتركها خلفه خلال عمليات إعادة التشغيل القليلة القادمة، وشعر بالذنب حيال ذلك نوعا ما، لكن لا مفر من ذلك. لهذا السبب كان «يهدر» بعض مساحته العقلية على رسوماتها بدلاً من ملئها بشيء أكثر عملية. لكنها كانت دقيقة الملاحظة جدا لتتوصل إلى هذا الاستنتاج. ربما لاحظت بعض استعداداته الأخرى. أقر: "نعم. أنا ذاهب. بعد مهرجان الصيف". قالت: "أه. أليس عليك حضور الفصول الدراسية؟" قال: "حسنا، نعم. لكن هذا أهم. لا تقلقي، لن أغيب طويلا. لن تلاحظي حتى أنني غبت". بشكل مذهل، قبلت هذا التفسير دون شكاوى. جيد. آخر ما كان يحتاج إليه هو أن تصاب بالذعر قريبا جدا من النهاية. قررت: "لكن، عليك أن تحضر لي هدية عندما تعود. وإلا سأخبر أمي أنك تركتني وحدي مع مجموعة من الغرباء". قال زوريان وهو يقلب عينيه: "بالتأكيد". تساءل عما إذا كان إهداؤها الرسومات التي رسمتها بنفسها في عمليات إعادة التشغيل السابقة يعد غشا. على الأرجح. لكنه كان سيحعل ذلك على أي حال، فقط لرؤية رد فعلها. - استراحة - كانت البوابة البعدية تحت سيوريا هدفا صعبا للاقتراب منه. كان على المرء تجنب العديد من مجموعات الدوريات الإباسانية لمجرد الاقتراب منها، ومن ثم كان على المهاجم المحتمل التعامل مع قاعدة دفاعية كاملة مبنية حول البوابة إذا أراد المرور بالفعل. كان اقتحام مكان كهذا مهمة لمجموعة معركة، وليس ساحرا واحدا، وسيمنح المدافعين وقتا وفيرا لإغلاق البوابة إذا شعروا أن القاعدة على وشك السقوط. ناهيك عن أن كواتاتش-إيكل استطاع ومن المرجح أن يأتي لمساعدتهم إذا شُنّ هجوم كبير كهذا على المكان. كلا، الطريقة الوحيدة القابلة للتطبيق للوصول إلى البوابة هي التسلل بطريقة ما. مسعى غير مرجح إلى حد ما، بالنظر إلى أن المكان يعج بالسحرة وتصحر الحرب، ومن المرجح أن يحتوي على الكثير من دروع الكشف المتراكبة فوقه أيضا. لكن زوريان كانت لديه خطة. خطة طائشة إلى حد ما لن يفكر أبدا في محاولة تجربتها خارج الحلقة الزمنية، لكنها كانت خطة بغض النظر. في جوهرها، كانت ترتكز على افتراض أن الإباسان سيرسلون كل من يملكونه تقريبا للمشاركة في الغزو الفعلي، تاركين حفنة فقط من المدافعين لحراسة البوابة. وبالتالي، كان أفضل وقت لتقوم بالمحاولة هو عندما يبدأ الغزو بالفعل. لو كان الإباسان أذكياء وحذرين، فلن يكون ذلك صحيحا وستنتهي خطته قبل أن تبدأ حتى. لو كانوا أذكياء حقا وحذرين، ستُغلق البوابة اللحظة التي يبدأ فيها الغزو وكل تخطيطه سيزول سدى. لكن زوريان كان مستعدا للمراهنة على أن الإباسان بحاجة إلى كل قوى عاملة يمكنهم الحصول عليها للقتال على السطح، وأن القيادة بحاجة إلى بقاء البوابة تعمل لكي يتمكنوا من التراجع بأمان إلى جزيرتهم. كانت هناك مساحة بحرية كبيرة بين إيلدمار وويلكوان إباسة. كان يأمل أن يتركوا وراءهم طاقما أساسيا فقط في القاعدة، مع أوامر باستدعاء كواتاتش-إيكل إذا واجهوا متاعب أكبر مما يمكنهم التعامل معه. لذا، عندما حان يوم الغزو أخيرا، هبط زوريان فوراً في أعماق نظام الأنفاق تحت سيوريا وبدأ في البحث عن بعض المخلوقات البغيضة للسيطرة عليها. شيء قوي بما يكفي لإحداث إلهاء، لكنه ضعيف بما يكفي لكي لا يصاب المدافعون بالذعر عندما تبدأ في إلقاء نفسها على دفاعات القاعدة. مجرد هجوم وحش عشوائي من شأنه أن يشتت انتباه الجميع ويمنح زوريان فرصة للتسلل للداخل دون ملاحظة. استغرق الأمر بعض الوقت، لكنه وجد في النهاية قطيعا من غوبلنز الخطاف - بشر صغار عديمو الطيران يشبهون الخفافيش تتباهى أطرافهم الأمامية بمخالب ضخمة تشبه الخطافات. خطيرون للغاية عن قرب لكن يمكن قتلهم بسهولة. تهديد لكن ليس بهذا التهديد الكبير. مثالي. ثم انتظر. مع مرور الوقت، تحققت تدريجيا تنبؤاته بأن الإباسان سيسحبون كل شخص تقريبا للمشاركة في الغزو - حيث كان الإباسان يسحبون بالفعل كل مجموعات الدوريات تقريبا حول قاعدتهم، مما سمح لزوريان أخيرا بالاقتراب من المكان وتثبيت عينيه على مركز الغزو الإباساني. حسنا، كان يعرف بالفعل تصميمه الأساسي من الذكريات المستخرجة من الإباسان الأسرى، لكن ذلك لم يكن مثل رؤيته بشكل مباشر. تقع القاعدة في كهف ضخم، وكانت كبيرة جدا. كانت عمليا بلدة صغيرة، وهو ما لم يكن مفاجئا جدا بالنظر إلى حجم القوات التي يبقيها الإباسان عادة هنا. في وسط المستوطنة، وقف عدد قليل من المباني الحجرية التي ربما رُفعت من أرضية الكهف عبر التعديل. كانت البوابة في منتصف هذا القسم، لتكون بمثابة قلب المستوطنة. وتحيط بمباني الحجر الفاخرة مجموعة متهالكة من الخيام والحظائر حيث يعيش العمال وتصحر الحرب. لم تكن هناك جدران حول المستوطنة، لكن كل نفاق متصل بالكهف كان يحتوي على نقطة تفتيش بمثابة خط دفاع أول. انتظر زوريان لفترة لتقل الأعداد أكثر وعندما ظلت ثابتة لفترة، دفع عقلياً غوبلنز الخطاف لمهاجمة إحدى نقاط التفتيش، باذلا قصارى جهده لتعزيز توحشهم وقمع خوفهم. لم يكن عليه فعل الكثير، بصراحة - بدا أن غوبلنز الخطاف مخلوقات غاضبة باستمرار تقريبا، وتجن جنونها تماما حتى بأقل استفزاز. انقضوا على نقطة التفتيش صرخين ومخالبين، ووقعت القاعدة فوراً في حالة اضطراب. كانت فكرة زوريان الأصلية هي استخدام الإلهاء لمهاجمة إحدى نقاط التفتيش الأخرى بينما ينشغل الجميع، لكن تبين أن ذلك لم يكن ضرريا - عندما وصل إلى هدفه المختار، وجد أن حراسه لم يكونوا محترفين بما يكفي لترك مواقعهم لمساعدة رفاقهم ضد غوبلنز الخطاف. أو ربما كانت القاعدة تعاني من نقص أكبر في القوى العاملة عما كان يشتبه في الأصل؟ لا يهم، قرر ببساطة الاستفادة من الوضع ودخل باختيال. وصل إلى البوابة طوال الطريق دون أن يتوقف، أو يواجه من قبل أي شخص حتى. في إحدى اللحظات، تقاطعت طرقه مع ساحر يركض نحو موقع المعركة لكن الأمر لم يتطلب سوى اقتراح ضعيف من زوريان بأنه «عادي تماما، لا شيء هنا لرؤيته» وسرعان ما أخرجه الرجل من ذهبه واستمر في الركض. لم يكن يتوقع بصدق أن يكون الأمر بهذه السهولة. للأسف، عندما وصل إلى البوابة البعدية نفسها، وجد أن لها حراسا خاصين بها وأنهم رفضوا مغادرة مواقعهم، على الرغم من الضجة. أربعة ساحرين وترولان. ربما كان بإمكانه التعامل معهم، لكنه لم يعتقد أنه يستطيع فعل ذلك دون إثارة ضجة. عار. كان على وشك التخلي عن الحذر والبدء في إلقاء كرات النار والمكعبات المتفجرة في كل مكان، عندما جاء أحد المدافعين الآخرين يركض وبدأ يصرخ في وجه السحرة حول البوابة. لقد اخترق غوبلنز الخطاف نقطة التفتيش وأراد الوافد الجديد منهم الإشارة إلى كواتاتش-إيكل ليأتي وينقذهم. أه، عفوآ؟ لم يكن يعتقد بصدق أن أتباعه الصغار سينتهي بهم الأمر بالفوز. بدا أن الإباسان لم يتركوا طاقما أساسيا لحراسة القاعدة فحسب، بل إن الطاقم المذكور تألف من حثالة قواتهم. لا عجب أن هذا التسلل كان بهذه السهولة. لحسن حظ زوريان، لن يحدث أي استدعاء لكواتاتش-إيكل. بدا السحرة الحارس مرعوبين من الفكرة نفسها. هذي زعيمهم لدقيقة كاملة حول كيف أن الليتش القديم سيقوم بسلخهم جميعا أحياء إذا استدعوه للتعامل مع حفنة من غوبلنز الخطاف المنتنين، وأرسل في النهاية اثنين من زملائه الحراس وكلا ترولاي الحرب لاحتواء التوغل. لم يستطع زوريان سوى المراقبة بعدم تصديق بينما تُركت البوابة فجأة مع ساحرين فقط لحراستها. حسنا. لقد جعل ذلك الأمور أسهل بالتأكيد. انتظر لفترة حتى يبتعد الإباسان الآخرون عن البوابة بمسافة ثم ألقى قارورة من غاز النوم على الحارسين المتبقيين من مخبأه. تمكن أحدهم، وهو الذي تحدث إلى المدافع المذعور وبدو كأنه زعيمهم، من التعثر خارج السحابة في حالة شبه واضحة وتلقى فورا مخترقا في رأسه بسبب مشاكله. انهار الآخر في نوم، كما كان مقصودا، ونفخ زوريان السحابة بعيدا بهبوب رياح قبل الاقتراب على عجلة من البوابة البعدية التي كانوا يحرسونها. كان زوريان متلهفا لفحص الشيء بمزيد من التفصيل، لكن لا، لم يكن هذا هو الوقت المناسب لذلك... الأولوية الحالية هي معرفة ما يوجد على الجانب الآخر. بالنظر عبر الفتحة نفسها، استطاع أن يرى أن البوابة تؤدي إلى غرفة فارغة وواسعة خالية من أي حراس إضافيين. وهو أمر غريب نوعا ما - هل كان الإباسان يتركون حقا أحد طرفي البوابة غير محروس؟ حاول مد شعس عقله عبر الفتحة البعدية وسرعان ما لاحظ بسعادة أن البوابة لم تكن عائقا أمام شعس عقله. وكان أسعد حتى لأنه لم يستطع اكتشاف أي أعداء مخفيين. مشكوك فيه، لكنه مراع للمقدار المحدود من الوقت الذي يملكه، أخذ نفسا عميقا وخطا عبر البوابة. شعر بخيط رفيع من السحر يفرش ضد حماية روحه اللحظة التي لمست فيها قدمه أرضية غرفة الوجهة، محاولا التعرف عليه. ارتد عن دفاعه الروحي وشعر زوريان فورا بتغير الجو في الغرفة، ليصبح أثقل وأكثر نذيرا بالشؤم. لقد اكتشفته الدروع ووسمته كمتسلل. خلفه، بدأت حواف الفتحة البعدية تفرقع بالبرق. ثم بدأت البوابة في الانكماش بسرعة وسرعان ما ومضت لتختفي تماما في وميض خفيف من الضوء. - استراحة - رغم أن إغلاق البوابة قد أوقعه على حين غرة، لم يكن زوريان قلقا في النهاية بشأن اختفائها. لقد عبر بالفعل، بعد كل شيء، وعلى الأقل بهذه الطريقة لن تتمكن القوات الإباسانية على الطرف الآخر من البوابة من مطاردته. ألقى نظرة سريعة حوله وأكد أن الغرفة كانت فارغة حقا، بغض النظر عن الأيكوساهيدرون الحجري غير النشط الآن والمنتصب في وسطها. لم يكن هناك سوى باب واحد في الأفق، وقام زوريان فورا بتفجيره إلى شظايا بدلاً من فتحه بشكل عادي. لا حاجة للمخاطرة بالإصابة ببعض تأثير الدرع المعادي لمجرد أنه غبي بدرجة كافية للإمساك بالمقبض. بمغادرة غرفة البوابة سريعا، بدأ في استكشاف المكان، محاولا معرفة أكبر قدر ممكن قبل أن تصل القوات الإباسانية على هذا الجانب من البوابة، والتي نبهتها الدروع، راكضة للتعامل معه. إلا أنه لم تكن هناك قوات إباسانية. ولم يكن في أي قاعدة أقيمت على عجلة أيضا. اكتشف سريعة أن البوابة قد وُضعت في قبو قصر فاخر جدا. قصر كبير جدا يبدو مهجورا. ارتبك زوريان في البداية - كان من المفترض أن تؤدي البوابة الأولى في السلسلة إلى مكان منعزل في مرتفعات ساروكي بعد البرية بعد كل شيء، لذا كان يتوقع نوعا ما مخيما بريا محاطا بالأشجار. ثم تعقبه مدافعو المكان أخيرا، وفهم أين كان. الخنزير غير الحي الذي حاول للتو قضم ساقه كان تماما مثل تلك التي هاجمت لوكاف في كل إعادة تشغيل. كان في مرتفعات ساروكي. وتحديدا، كان في قصر إياسكو. وبدا أن المكان يعج بالأموات الحيين. تفادى بيأس طعنة سكين وجهها مهاجمه - رجل صامت يحمل سكينا ومغطى بملابس سوداء مخفية. كان زوريان قد أطلق النار عبر رأسه بمخترق في وقت سابق، لكن ذلك لم يبد وكأنه يزعجه كثيرا. جثة أخرى مرتدية السواد وتحمل سكينا تقدمت نحوه من اليسار، وبدو الخنزير الملعون وكأنه يستعد لشحنة أخرى. ألقى زوريان اسطوانة متوهجة على الأرض أمامه، مما أدى إلى نبضة مخلة ومتبددة تجتاح كل شيء حوله. انهارت الجثث الثلاث التي كانت تهاجمه بلا حراك على الأرض، حيث دمرت النبضة السحر الذي حافظ على أرواحهم المحركة مقيدة بأجسادهم. تنهد زوريان. كانت تلك قنبلة المتبدد الثالثة التي أُجبر على استخدامها منذ قدومه إلى هذا المكان. لم يمتلك سوى خمس منها للبدء بها، لعدم توقع قتال حشود من الأموات الحيين اليوم. لقد اختفت معظم ميواته أحادية الاستخدام أيضا. كان يعلم أن هذه المهمة من المرجح أن تؤدي إلى موته العنيف، لكن ذلك ظل مزعجاً نوعا ما. وأيضا أكثر من خطير بقليل. يعني وجود الكثير من الأموات الحيين وجود مستحضري أرواح في الداخل. قد يكون من الخطير حقا الموت هنا. كان على وشك العودة إلى غرفة البوابة وتحصين نفسه هناك عندما دخل شخص حي شعس عقله، متجها مباشرة نحوه. حسنا، تفو. كان هذا مستحضر الأرواح، أليس كذلك؟ بالطبع كان كذلك. لابد أن هذا هو سبب تراجع الأموات الحيين بعد الهجوم الأخير. نشر مكعباته المتفجرة المتبقية بسرعة على الأرض أمامه وتراجع أعمق في الممر. ثم فتح الباب على الطرف الآخر من الممر وخطا رجل طويل وعضلي ذو شارب ضخم إلى الممر. ألقى نظرة واحدة على زوريان وابتسم ببهجة، وكأنما يرى صديقا قديما لم يسمع عنه منذ سنوات. قال: "أهلاً بك! أنا سودومير كاندري، مالك هذا المسكن المتواضع. هل لي أن أسأل لماذا غزوت منزلي؟" قال زوريان وهو يخطو خطوة للوراء: "لا أعرف عما تتحدث". خطوة أعمق في الممر، خطوة أعمق في الممر... "كان الباب مفتوحا تماما، وكل ما كان علي فعله هو عبور البوابة. إن لم تكن تريد قدوم أي شخص عبره، فمن المؤكد أنك ما كنت لتترك هذا الشيء غير محصور هكذا. أقسم، أراهن أن جيشا بأكمله يمكنه فقط الدخول باختيال عبر هذا المكان إن لم تكن حذرا..." خطا زوريان خطوة أخرى للوراء. تبعه سودومير، خطوة أعمق في الممر- الآن! أرسل زوريان نبضة من المانا إلى المكعبات المتفجرة، مما أدى إلى تشغيلها وإرسال الممر بأكمله إلى- لا، في الواقع لم يحدث شيء على الإطلاق بحق الجحيم؟ ابتسم سودومير: "دروع. أشياء رائعة، أليست كذلك؟ لا أستطيع جعل الأشياء تنفجر في بيتي الخاص، كما ترى. وعلاوة على ذلك، حتى لو أوقعتني في هذا الفخ، فلن يقتلني ذلك. أؤكد لك أنه يصعب قتلي حقا". رائع. حدق زوريان في الرجل أمامه لثانية ثم تركز على علامته لثانية. سأل سودومير بحدة: "ما الذي تفعله؟!" كان بإمكانه أن يرى على الأرجح أنه كان يفعل شيئا ما بروحه. اللعنة على مستحضري الأرواح ورؤية أرواحهم الغشاشة. تجاهله زوريان وأمر أحد «فتحات» العلامة، تلك التي أعطته حقا انطباعا عما يفترض أن تفعله، بأن تنشط. تحولت رؤيته فوراً إلى الظلام ثم استيقظ مجددا في سيرين، وتتمنى له كيرييل صباحا جيدا. تنهد براحة، مربكا كيرييل. لتشكر الملوك أن ذلك نجح.
أم التعلّم الفصل 46 — 46. الجانب الآخر
اقرأ أم التعلّم الفصل 46 — 46. الجانب الآخر باللغة العربية على مانجا تايم.