مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 380 — البدايات

اقرأ مذكرات شريرة محلية مغمورة الفصل 380 — البدايات باللغة العربية على مانجا تايم.

رأت سكارليت رؤى. أم كانت تلك حقيقة ما ترى؟ لم تكن متأكدة. صعب عليها التمييز. أتت ومضات عابرة، لكن بدا كل منها ممتداً لفترة أطول بكثير مما يمنحه العقل منطقاً. كانت طفلة تحت سماء حمراء لا تنتهي، تلعب بدمى تتحول وترتجف كلما التفتت عنها. ثم صارت شخصاً آخر — تقف في قاعة مدمرة، وتحيط بها أصوات تهمس بلغة كادت تفهمها. تمايل العالم، وفجأة راحت تطفو عبر مدينة من زجاج، بينما المباني تنطوي على نفسها كأنها نسيت كيف تظل واقفة.

حمل كل مشهد مألوفة غريبة خادعة. أحياناً كانت الوجوه مألوفة؛ أحياناً كانت هي نفسها، تراقب سكارليت الأصلية وهي تضايق الخدم أو تختلط بالنبلاء. وفي أوقات أخرى لمحت رفاقها، وهم عالقون في لحظات مأخوذة من اللعبة. مشت في أمانه تتذكرها بوضوح، لترها تتفكك عند الأطراف، وتتلاشى الألوان بينما تحاول التصرف أو الكلام. نزف الوقت بين الماضي والمستقبل والحلم والذاكرة التي تبهت بسرعة مفرطة.

كانت بعض المشاهد جميلة، وأخرى لا تطاق. شعرت بأنها مراقبة ومشاركة في آن، تنساق مع حوات تخصها ولا تخصها. ولكن كلما مدت يدها نحو أي نوع من الوعي الحقيقي، تحطمت الرؤى. خطر ببالها أن هذا ربما يكون ما عانته روزا. أدرك جزء منها أيضاً أن هذه نهاية لشيء ما. النزعات الأخيرة لانكسار القدر بعد أن استهلكتها قوتها الشاذة. كل ما ربط هذه الرؤى معاً كان يتداعى. لاحظ جزء آخر كم بدا ذلك مألوفاً بطريقة أخرى.

أقل تنظيماً، لكنه يشبه تقريباً الذكريات التي اختبرتها في قاعة الصدى. شعرت بوجود صلة ما هناك، رغم أنها لم تكن متأكدة تماماً مما تكون. وبينما أصبحت المشاهد أكثر تقطعاً وحب وعيها يشتد، استعدت للنهاية. ثم أزهرت رؤية جديدة، مختلفة عن البقية. غرفة خافتة الإضاءة، تغسلها زرقة شاحبة. كانت مألوفة بطريقة جديدة. طريقة جعلتها تحبس أنفاسها. استقر سرير نصف مرتب في أحد الأركان. وقفت خزانة مفرج عنها قليلاً.

تدلست الملابس فوق قمة باب خشبي متين. جلست مقعد أمام شاشات متحركة، وبرز خيال شخص في مقعده — غير واضح المعالم، خافت كأنه يُرى عبر زجاج ضبابي. حدقت سكارليت. اشتدت اللحظة بفضول هادئ كامن ليس لها، يطفو في الهواء. ولكنها حين خطت إلى الأمام، تحطم المشهد كسابقاته، وتناثرت الألوان، وابتلعها فراغ بلا شكل. لفترة من الوقت، لم يكن هناك سوى صمت. ثم، صوت — يكاد يكون صوتاً — تخلل الفراغ.

كانت الكلمات نفسها غير مفهومة، تلامس حواسها ببساطة، لكنها بدت عتيقة تقريباً، وتناديها. مدفوعة بها، طفت سكارليت عبر الفراغ، بلا وجهة لكنها مجبرة. ظهر ضوء واحد. كرة صغيرة مرتعشة من فضة وذهب متداخلتين، تنكمش مع كل ثانية. بدون تفكير تقريباً، تفاعل نظامها. ظهرت نافذة نصية بتردد.

[****** (******)]

اختفت — لتظهر مجدداً في شكل جديد.

[شرارة السيادة (سماوي)][شرارة السيادة (سماوي)][شرارة السيادة (سماوي)][شرارة السيادة (سماوي)][…]

تضاعفت النوافل — مئات، آلاف — حتى استهلكت رؤيتها. ثم، فجأة، اختفت، تاركة خلفها نافذة واحدة.

[ساريسا]

ثبتت سكارليت نظرتها على الكلمة. جذبها وميض لتعيد تركيزها. لم يعد الضوء مجرد ضوء بعد الآن. هناك، في مكانه، بقي طيف حضور — شيء يكاد يكون بشرياً، لكنه ليس كذلك حقاً. اختفى شكله في التوهج، ولكن حيث يجب أن تكون العينان، تألق ذهب ساطع. التقت عيناه بعينيها. لتتفرس في سكارليت. ووجدت نفسها ضائعة فيهما.

شهدت سكارليت ميلاد عالم. عالماً. لكنه ليس كأيّ عالم عرفته من قبل. في البداية، لم تكن هناك سوى العناصر الأولى. لم تكن الأرض قد اتخذت شكلاً بعد. ولم تكن الرياح الأولى قد ولدت بعد. ولم تكن أيّ نجوم تراقب في صمت. وفي طيات هذا العالم، مكث كائنان — كائنان بلا اسم، وبلا شكل، لكنهما محرمان معاً. كانا شقيقين وغريبين، رفيقين وشريكين، منافسين وصديقين: كوناً كاملاً متلاحماً. كان هذا عالمهما.

الأول. ولن يكون الأخير. ربما ولدا معه، روحين لرجفته الأولى. وربما كانا موجودين دائماً، هائمين عبر العدم في حالات غامضة حتى أوقظهما شرارة هذا العالم. لقد ضاعت الحقيقة عنهما أنفسهما. معاً نسجا عالمهما.

أحدهما — فضوليّ، لطيف، رغبت سكارليت غريزيّاً في تسميته «المصير»

— رفع الأنماط من الفوضى الصامتة، موجهاً المادة بيد حريصة، واضعاً حجراً على حجر، مستلّاً الأنهار من العظام المجوفة للأرض.

والآخر — صبور، قلق، شعرت بالانجذاب لتسميته «الزمن»

— شكّل التدفق في الأسفل، محولاً الإمكانية إلى يقين، والموكب إلى تاريخ، ناسجاً كل لحظة في سلسلة لا تنكسر.

حيث يحلم أحدهما، يشكل الآخر. لعصر كامل عملا بجد، مبتهجين بغرابة الصيرورة. وأصبح العالم حديقتهما، ولغزهما، وأغنيتهما التي لا تنتهي. ومع ذلك، لن يبقى لهما وحدهما. في أحد الأيام، وجّه المصير، الذي نبتت ضحكاته ببدايات الغابات، انتباهه إلى ما هو صغير وجديد. نشأت الحياة في زوايا سرية، ملتفة ومتقسيمة، متنفسة أغنيتها الصغيرة الخاصة. لم تخبر شريكها في البداية، إذ أرادت مفاجأة.

راقبت في صمت كيف كان ما انبثق من صنعهما يرقص بقليل من التوجيه، جاداً لنفسه شكلاً في عالمهما. أما الزمن، حين عُرضت عليه هذه المخلوقات، فقد اصابه الذهول. حام حولها، وتفرس في جوف بداياتها، ومدفوعاً بالدهشة والشك — أعاد نهر حياتهما إلى الوراء. فكّ الزمن كل ميلاد، وكل أغنية، وكل حزن، حتى لم يبق سوى الصمت والارتباك. توسل إليه المصير، المكلوم، أن يتوقف. وهكذا أعاد الزمن، بندم، تدفق النهر إلى الأمام، مستعيداً كل ما أُلغي.

لكن الرعب ظل عالقاً، كبقعة لا تتلاشى. انتزع المصير وعداً وأمنية: ألا يُلعن عالم مرة أخرى، وألا يُسلب نهاياته، طلبت منه من الزمن، لأن إلغاء الوجود كان أظلم الآفات. وأطاع الزمن، خجلاً وحزناً. وهكذا دار العالم. لعبا، اختبرا، شكّلا. مراقبان الشمس تشيخ، مراقبان الأنهار تضل طريقها، مراقبان الجبال تغرق مجدداً في النوم الذي نهضت منه. لكل شيء نهاية، قال المصير بهدوء، عندما بدأ العالم يخبو.

لم تحزن. فقد رأתה نهايته منذ الأنفاس الأولى. ناح الزمن، محምהقاً فوق الرماد، متمنياً لو يستطيع إعادته كله مجدداً. لكن الوعد صمد. ولن يعيد الزمن سوى الدوران للأمام. وفي الفراغ الذي أعقب فناء العالم، ضغط عليهما الفراغ — بارداً، بلا شكل، ملحاحاً. لم يعهده أحدهما من قبل، وقد أرهبهما كلاهما. لم يتحملاه طويلاً. لذا بدأا من جديد. مسلحين بكل ما تعلماه، بكل ما عاشاه. نشأ عالم آخر.

لوحة أخرى. فجر آخر. عملا معاً، كما في السابق. أحياناً تركا الجامح يحكم، بأخف لمسة؛ وأحياناً قاسا كل نبتة عشب. انبثقت ملوك حيث مكثا. تجذرت القصص. نمت الحضارات. يزدهر العالم، ثم يخبو، ليبدءا من جديد. خلق بلا نهاية. نهايات بلا نهاية. ثم، ذات يوم، وصل شيء آخر. شيء لم يُصنع، ولم يُدْعَ، وغير مقيد بقانونهما.

أسمياه «الآخر».

خطا إلى عالمهما بلا إنذار ولا جرح. ولم يكن من نسجهما، فلم يحمل أي خيوط، أو أثر، أو صدى لملامستهما. لقد وُجد فقط — غريباً، ساطعاً، وفريداً. ولأول مرة منذ عصور لا تُحصى، تفاجأ المصير والزمن حقاً. راقباه، حاما حوله، وقدما له عجائب وألغازاً. ابتسم الآخر، وتفاعل، وتعلم، وعلم، مغادراً أحياناً، وعائداً أحياناً أخرى. اقترب الزمن، على وجه الخصوص. فهاما معاً، يتشاركان الأفكار، والأطروحات، والنهايات.

تجلت عوالم لا تحصى. وأصبح المصير والزمن أكثر هدوءاً، وأدق في أعمالهما، تاركين قصص الآخرين تملأ الصمت بين البدايات والنهايات. لكن كل الأشياء تتغير. بعد عصور ضاعت في الذاكرة، تعب المصير. انتهى عالم، وبينما كانا يشكّلان التالي، انزلق في النوم. لوقت قصير في البداية. راقب الزمن بارتباك وتململ، لكنه استيقظ قريباً، مهدئة إياه، واستأنفا عملهما. ومع كل عالم جديد، عاد النوم.

أطول. أعمق. ودائماً، كان المصير يستيقظ — لطيفاً، مطمئناً — لكنه أقل حضوراً. قلق الزمن. انتهت عوالم، وبدأت عوالم جديدة، لكن النمط لم ينكسر. وأخيراً، عندما تعذر إنكار الإפיان، وعندما مر ما يقارب عمر عالم بأكمله قبل أن تفتح عينا المصير، تكلم: كل شيء ينتهي — حتى أنا. كشفت أن نهايتها كان يجب أن تأتي منذ زمن طويل. لقد رأتها منذ البداية. لكنها لم تشأ مفارقة شريكها، فهما واحد.

مقارنة بالمصير، كان جوهر الزمن يقارب الأبدية. رفض الزمن قبول ذلك. أنكر الحقيقة. ومع وصول أحدث عالمهما إلى نهايته واحتضانهما الفراغ، رفض اتباع النمط. لن يخلق عالماً آخر. ولن يتركها ترحل. لكن المصير توسل، برفق، بصوت يوشك على التمزيق في أطرافه. لم يستطيعا المكوث بلا عالم. لم يستطيعا المكوث بلا وجود. توسل المصير إلى الزمن ألا يمكث في الصمت، ألا يغلق على نفسه. في النهاية، لان الزمن.

ولِد عالم أخير. نام المصير. وراقب الزمن، وحيداً تحت سماء رسماها معاً. وحتى مع اقتراب هذا العالم من نهايته، لم يستيقظ المصير. عندما انتهى ذلك العالم، تفقداً لوعد قُطع للمصير، استمد الزمن من جوهر شريكته المتبقي ونسج فجر عالم آخر. لكن لم يكن هناك إيقاظ بعد — سوى قوقعة المصير، نائمة وصامتة، عبر عالم تلو عالم. ضغط الزمن للأمام، أكثر فراغاً من أي وقت مضى، نصفه الآخر حاضر لكنه غائل.

نهش الفراغ ما تبقى. حتى عجز عن التحمل أكثر. وهكذا نكث بعهده الأول والأعظم. بكل قواه وقوته، أعاد الزمن لفّ الوجود نفسه — كل ذكرى، وكل قصة، وكل عالم — إلى اللحظة التي سبقت بدء تلاشي المصير لأول مرة. ومعاً، خلقا من جديد، وكان الزمن سعيداً. كاملاً. لفترة، دام ذلك. لكن ما هو أسوأ من الانفصال كان في الانتظار. مات المصير. في ذلك العالم، نمت ملوك ووحوش، نسل أحلام المصير نفسها، لتصبح أقوى من اللازم.

تآمروا، خائفين من هذين الكائنين الأبديين، ومعاً، بطريقة ما، دمروا المصير. وأصيب الزمن، رعباً، بالاضطراب. كان هناك صمت أعمق من الفراغ بين العوالم، وغضب أبرد من الليل. ولأول مرة، عرف الزمن السخط. طارد المتآمرين، وفكّ طاقتهم وذاكرتهم، وفككهم إلى أضعف لحظاتهم ودمرهم واحداً تلو الآخر. ثم أعاد لفّ العالم نفسه، مراراً وتكراراً، يائساً لإعادة المصير. نجح الأمر، لفترة. عاد المصير، غير آبه بموته.

ابتهج الزمن، ومعاً صاغا عالماً جديداً، خالياً من الملوك، خالياً من القوة. لكنه مات مرة أخرى. هذه المرة، لم يكن هناك خيانة كبرى. سوى كلوخ غريب ومشوّه، صاعد شذوذاً حيث لم يتوقعه أحد. دمر المصير، ولم يستطيع الزمن لا التنبؤ به ولا القضاء عليه وحدها. لكن الزمن لا يزال قادراً على إعادة اللف. عاد المصير مجدداً. وبدءا من جديد. أصبحت عوالم الزمن أضيق، وأكثر تحكماً، وأشد يأساً.

لكن في كل دورة، جاء موت المصير أسرع — بوش، بمرض، بصدفة، بالعالم نفسه منقلباً على مهندسه. تقلصت عوالم لتصبح ظلالاً لما كانت عليه يوماً، يحكمها الخوف والحذر، لكن شيئاً لم يستطع درء النهاية. وبدأ المصير يقاوم يد الزمن القسرية. وهكذا، تراجع الزمن. للمرة الثانية، رفض الخلق. رفض بناء عالم آخر، حتى مع توسل المصير إليه ألا يتخلى عن كل شيء. لكن الزمن تمسك، وأغلق على نفسه في الصمت، وانتظر.

في ذلك الفراغ، ذبل المصير. غير مُغذّى بحلم أو إمكانية، تلاشت تماماً، تاركة بالكاد أثراً. لم يدرك الزمن إلا بعد فوات الأوان. وهذه المرة، لم يكن هناك عالم، ولا قصة، ولا خيط ليعيد لفه. داخل الفراغ، لا يمكن إلغاء أي شيء. عرف الزمن الرعب. ويئس الزمن. وهناك وجده صديق قديم هائماً — الآخر، الذي امتدت زياراته عبر العوالم، والذي لم يدرك المصير ولا الزمن كنهه قط. استمع الآخر بينما كان الزمن يروي حكايته؛

واستمع بينما كان الزمن يتوسل بحثاً عن طريقة لإعادة المصير. وعرض الآخر صفقة. رهان. كانت الشروط بسيطة، أو هكذا بدت. أن يصنع نهاية لم يتوقعها المصير. ادعى الآخر أنه يملك الوسيلة لإحيائها، كلياً وبشكل تام، إذا — وفقط إذا — استطاع الزمن الفوز. لم يتردد الزمن. وافق الزمن. جمع الآخر ما تبقى من المصير، بقاياها الشاحبة، وبمساعدة الزمن، صاغ عالماً جديداً. عالماً مقيداً بمصير قدمه الآخر، مكتوباً على عظام ما كان مصيراً، مع ذاتها كقاعدة أساسية.

كان العالم صغيراً. ولن يدوم أكثر من بضعة آلاف من السنين. وخلال تلك المدة، إذا استطاع الزمن الوفاء بالرهان، فسوف يُستعاد المصير. شرع الزمن في مهمته. منحته قواعد الرهان رخصة لاستخدام أي قوة. وعندما انتهى العالم كما توقع إطار المصير، وخسر الرهان، لم يناح الزمن. أعاد لف الأيام، والسنوات، والأعمار. وبدأ من جديد. وُلد العالم من جديد. وخسر الرهان. وأعاد الزمن لف العالم. ومجدداً.ومجدداً.

دورات لا تُحصى. لعب الزمن كل دور — بطلاً، شريراً، ملكاً، شيطاناً، هائماً، مدمراً، حارساً. رفع الجبال وصدعها. كسب أتباعاً، وفقد ممالك. راقق الحب يزهر ويذبل، والصداقات تزدهر وتتلاشى. طارد كل درب، كسر كل قيد، بحث عن كل منعطف، أعاد تشكيل كل حدث، صحح كل خطأ. لكنه فشل دائماً. كانت هناك محاولات أكثر من العوالم التي صنعها الزمن قط؛ وإخفاقات أكثر من السنوات المقضية مع شريكته النصفية؛

وخسائر أكثر من الأحلام التي تجرأ على الاحتفاظ بها. ثبت أن رهان الآخر، الذي بدا بسيطاً ذات يوم، عصي على الزمن. وكان العالم نفسه محكوماً بواحدة من عدة نهايات، لا مفر من تصميمه الخاص. بدأ الزمن ينفرط. تشوشت الذكريات. تآكل الغرض. وتفككت ذاته. وحينها، أخيراً، بعد محاولات لا تُحصى، بدأ الزمن يقبل مصيره. أخطاءه، إخفاقاته، خسائره. ندم على الكثير، ولم يعد يملك القوة للمتابعة.

على شفا الهاوية — على وشك الاستسلام لصمت الفراغ الواسع — وجد الزمن فجأة شيئاً جديداً وسط الدورات التي لا تنتهي: كسراً، بقية من المصير، مخفية وغير مسطورة طوال كل محاولاته. ولأول مرة منذ فترة تتجاوز الخيال، تذكر الزمن. استعاد مرة أخرى وعده للمصير — وعداً طال إخلافه ونسيانه: ألا يلعن أي عالم، ألا يسلبهم نهاياتهم، فرصة العيش فحسب. في سعيه الذي لا ينتهي، أصبح الزمن شيئاً لا يُعرف لشريكته.

وحتى بقوته الهائلة، لم يستطيع إلغاء كل النهايات التي ألغاه. لكنه وصل إلى قبول أن هذا لم يعد يمكانه الاستمرار. وهكذا، أخيراً، تخلى الزمن عن تمسكه. توصل إلى عزيمة أخيرة. سيكون هناك عالم أخير. قصة أخيرة. مهما كانت هشّة، مهما كانت موجزة، فإنها تستحق أن تتكشف — بلا لفّ، بلا كسر — كذكرى لكل العوالم الأخرى التي مُنعت نهاياتها. في ذلك، أدرك الزمن شيئاً: لكي يعيش العالم حياته الطبيعية، كان لا بد لشيء ما أن يكون مختلفاً.

يجب أن يحصل على فرصة ليصبح أكثر مما قصده هو أو الآخر. وهكذا، جمع الزمن ما تبقى من قوته لفعل أخير، لتحدٍّ أخير. لم يكن قادراً أبداً على الفوز ضد توجيهات المصير الكاملة، لكنه تذكر الآن وحشاً استطاع ذلك ذات يوم. نظر إلى ما وراء كراهيته، وغضبه، وحزنه على من سلب شريكته يوماً. مد يده إلى نسيج العوالم غير الموجودة والاحت احتمالات منسيّة، مضحياً بالكثير من نفسه. بحث عن ذلك الوحش — الشذوذ الذي دمر المصير يوماً — وحاصره، وأعاد خلق نسخة من وجوده الغريب، وأطلقه حراً في مكان جديد، مستبدلاً إياه في دور مناسب ضمن النظام الجديد للع العالم.

وفي الوقت نفسه، أخذ كسر المصير ونسجه في قلب العالم — شرارة مخفية، خطيرة وغير مستقرة، ومع ذلك فهي كل ما تبقى من شريكته. لإمالة الكفة. ولتحريك التوازن. كانت هذه هي مناورات الزمن الأخيرة واليائسة لترك شيء وراءه، سواء أكان وجوداً أسوأ أم أفضل. ضعيفاً، متضائلاً، راقب الزمن. رأى الممالك ترتفع، الأصنام تستيقظ، الملوك والأشرار يلتقطون أنفاسهم، والبشر يشنون الحروب ويصنعون السلام كما رأى عديد المرات من قبل.

راقب الملوك تسقط، والقصص تتلاشى، وعجائب جديدة صغيرة تجذر. ومن خلال ذلك كله، كان الآخر، مراقباً بابتسامة خافتة، يقوم بحركاته الخاصة — لأول مرة — مشكلاً مصائر لم يستطع الزمن التنبؤ بها. دار العالم. ترددت أصداء تغييرات الزمن الأخيرة من خلاله، ولكن بشكل أخفت مما كان يرجوه. ومع ذلك لم يتجرأ على التدخل أكثر، إذ بدا الآخر مستجيباً بالمثل للتغييرات التي طرأت على المسار المحدد.

لذا انتظر الزمن. مرت القرون. تضاءلت الأيام. وظل الرهان، الذي حُدد منذ زمن بعيد، بلا حل. في النهاية، حتى الكائنات مثله ستكف عن الوجود —

تداعت الرؤى. تفكك عالم الذاكرة والاسطورة وبقيت سكارليت في سكون يهدر فيه صدى حزن قديم وأمل يسري في كيانها. استنشقت هواء وظلت الأفكار تدور بينما استقر الواقع حولها. ووجدت نفسها ترمق زوجاً من العيون الذهبية. وصارت تلك العيون الآن تخص امرأة ذات شعر داكن وجهها مألوف حتى الوجع. وجه إيمي بيرنال تحديداً. مضت ثوان في صمت بينما كانت سكارليت تراقب الهيئة مستوعبة مظهراً لم تره منذ زمن طويل.

كانت تجربة مشوشة تكاد تكون سريالية.

سألت في النهاية: "أنت القدر إذن؟ أم أنك ساريسا؟".

لم يجب الكيان. ولم تكن سكارليت متأكدة من قدرته على فعل ذلك. لم يكن هذا سوى كسر من الكيان الذي رأته في تلك الرؤى. ذكرى باقية تتحرك بالغريزة. هاجمها في بيلد ثيليليون. ربما دفاعاً عن النفس. لكنها لم تكن تشعر الآن بشيء سوى… الفضول. فضول هادئ وباحث موجه إليها. ثبتت سكارليت نظراتها مبحرة في تلك العيون الذهبية. ثم تنهدت أخيراً واستدارت خاطفة خطوة حذرة للأمام وسط الفراغ المحيط.

قالت داعية الحضور ليتبعها: "تعالي. حان الوقت لكي أرقدك بالطريقة المناسبة. لكن قبل أن نفعل أعتقد أنني أدرك ما ترغبين في رؤيته".