خاتمة 1: الامير اريك. جاب الامير اريك المدينة رفقة السير ديرين كعادته في معظم الصباحات. تحرك الثنائي عبر الاحياء الفقيرة والمناطق المعدمة برفقة حرس شرف صغير، وكفت دروعهما وشاراتهما النبيلة لاخلاء شوارع باكملها امامهما. لاحظ الناس قدومهما قبل وصولهما بوقت طويل. انحنى التجار خلف اكشاكهم بينما اختفى المتسوقون في الازقة الجانبية، وادخلت الامهات اطفالهن الى المنازل، وحتى المتسولون كانوا يتوارون كلما أمكنهم ذلك.
راقب اريك حدوث هذا للمرة المئة ومع ذلك لم يفهمنه. حتى المجرمين لم يكونوا مخيفين الى هذا الحد. اقترح احد حراس الشرف قبل بضعة اسابيع ان العامة ربما خافوا لان في جعبتهم جميعا ما يخفونه. ضحك ديرين من هذه الفكرة. وقال ان كان كل فرد من العامة مجرما فلعلنا نحن المجرمون الحقيقيون. قيل التعليق على سبيل المزاح. لسوء الحظ، لم يستطع اريك التوقف عن التفكير فيه قط. لم يكن اليوم مختلفا.
بينما كانا يعبران شارعا ضيقا بين بنايتين متداعيتين، لمس اريك صبيا صغيرا ينقب في كومة من النفايات. لم يكن الطفل ليجاوز الثانية عشرة من عمره. ذكر ه بليث، شقيقه الاصغر، للحظة. بطأ الامير من خطوه واقترب.
بدا قائلا: "اعذرني".
رفع الصويرة راسه، وبمجرد رؤيته لدروعهما الفاخرة، ترك الطفل كومة القمامة وفر هاربا كان وحشا ظهر خلفه. راقب اريك اختفاءه في الظلام. لم ينجح حتى في طرح سؤال.
سأل اريك بهدوء: "ترى ما الذي كان يبحث عنه؟".
أجاب ديرين: "طعام، على الأرجح".
التفت اريك ناظرا الى كومة القمامة من جديد. طعام. الى هذا آل العالم: اطفال يبحثون عن طعام في القمامة... لم يستطع منع نفسه من مقارنة العالم من حوله بالعالم المذكور في النصوص القديمة التي كان يقراها في المكتبة الملكية. بعد رحلة الاستكشاف الاولى، ظل امين المكتبة الجديد يعثر على كتب تخص ألمارا وعصر السحر المفقود. في ذلك الحين، ما كان ينبغي لاحد ان يحتاج للبحث في القمامة عن طعام.
ويقال ان ساحرا واحدا كان قادرا على استصلاح حقول باكملها؛ وقيل ان تعاويذ المستوى الثامن تجعل المحاصيل تنبت وتنضج في لحظات. ليس ذلك فحسب، بل كانت المدن تطفو في السماء، وبوابات انتقال سحري هائلة تدير شبكات نقل تمتد عبر القارات، وربطت تعاويذ التواصل السحري مسافات شاسعة، وكانت معجزات الاستشفاء قادرة على علاج امراض عجز عنها المعالجون المعاصرون. رفض معظم الدارسون نصف تلك القصص باعتبارها مبالغة.
لم يكن اريك متاكدا الى هذا الحد. وجد امين المكتبة اثني عشر سجلا مختلفا، ترجم نصفها من أنحاء العالم. لا بد ان حضارة متقدمة بشكل لا يصدق قد وجدت. ثم سقطت مدينة ألمارا. ومع زوالها، انهارت اعظم حضارة سحرية في التاريخ، واصبح السحر نفسه بطريقة ما أضعف بعد ذلك. كافح السحرة الاعظم المعاصرون لالقاء تعاويذ المستوى الخامس دون احداث اضطراب في المانا يكفي لاستحالة القاء مزيد من التعاويذ لاسابيع.
واي شيئ اقوى سيجذب انتباه نقابة السحرة الفوري. تذكر قراءة تقرير عن ساحر مارق القى تعويذة طقس لايقاف الثلوج خلال شتاء قاس بشكل خاص في إحدى الممالك الشمالية. توقف الثلوج، لكن كل تعويذة رونية في المنطقة توقف عن العمل أيضا، بما في ذلك صفائح التدفئة الرونية، مما تسبب في مئات الوفيات بسبب التجمد. قيّد السحر لسبب ما. كانت التعاويذ الصغرى وتعويذات المستوى الاول شيئا، لكنه حتى كفرد ملكي، احتاج الى اذن من نقابة السحرة لتعلم اي شيء اعلى من المستوى الثالث.
بدا الموقف برمته عبثيا. لقد لامست البشرية السموات ذات يوم. والان، بالمقارنة، كانوا جميعا يشبهون ذلك الطفل الذي ينقب في القمامة.
لاحظ ديرين: "أنت تفكر من جديد".
ابتسم اريك قليلاً: "ومتى لا أكون؟".
ثم فعل احدى تعاويذه.
"بيكا. شونتان. سيليث".
العقل. الموت. التأويل. استقر الإحساس المألوف خلف عينيه. كشف الموت. سلطت التعويذة الضوء على المادة العضوية الميتة ضمن ادراكه. كتعويذة صغرى، لم تكن قوية بشكل خاص، لكنها كانت مفيدة اثناء الدورات. الجثث المخفية عادة ما تعني جرائم قتل. مسح بنظره المنطقة ككل. جيران ميتة تحت ألواح الارضيات، وزوج من الطيور على الاسطح، وحشرات داخل الجدران، وقطة زقاق سيئة الحظ خسرت معركة قبل بضعة ايام.
لا شيء خارج عن المألوف. مع ذلك، ابقى اريك التعويذة مفعلة بينما استمرا في دورتهما. كانت تكلفة المانا زهيدة. توجد التعاويذ الصغرى في تصنيف خاص بها. كان الاضطراب الذي تحدثه طفيفا لدرجة ان معظم السحرة استطاعوا الحفاظ على عدة تعاويذ في وقت واحد دون مشاكل. مضى بقية الدورات بلا حوادث، وعادت المجموعة في النهاية باتجاه القصر. عند البوابات، صرف اريك معظم حراسه. ادى الحرس التحية وغادروا، ولم يتركوا سوى ديرين يمشي الى جانبه.
انتظر الفارس حتى صارا بمفردهما قبل ان يتكلم.
"إذن".
تنهد اريك. نادرا ما كان يحب استخدام ديرين لتلك النبرة بالذات.
رد بحذر: "إذن؟".
"انتهينا باكرا".
"أجل".
"يمكننا الذهاب الى المكتبة مجددا".
"سنفعل على الأرجح".
اتسعت ابتسامة ديرين.
"إذن. ليرا".
انّ أُن اريك على الفور.
"لا يعجبني اتجاه هذا الحديث".
"انا فقط اقول...".
"أنا اعرف تماما ما تقوله".
"الفتاة ممتعة"، ضحك ديرين.
"الفتاة مجرد امينة مكتبة".
"أعادت الفتاة بناء نصف المكتبة في بضعة اشهر".
"هذا مثير للإعجاب حقا".
"كما ان الفتاة تعرف شيئا عن التاريخ أكثر من نصف الدارسون الملكيون بطريقة ما".
"هذا أقل إثارة للإعجاب بالنظر إلى بعض دارسينا الملكيين".
أطلق ديرين ضحكة خشنة، ولم يستطع اريك قمع ابتسامة تماما. الحقيقة هي ان ليرا سحرته. ليس على نحو رومانسي؛ على الأقل، كان متاكدا تماما انه ليس رومانسيا. الفتاة ببساطة لم تكن منطقية. اصبح معظم الناس متوقعين وسهلي الفهم مع القدر الكافي من المراقبة. في حالتها، وكلما راقبت اكثر، كشفت جوانب أكثر. كل اسبوع، كانت تكشف صدفة عن مهارة أخرى لا شأن لها بامتلاكها. الخط. البحث التاريخي.
اللوجستيات. وحتى المحاسبة، وفقا لسيدريك. كانت خادمة تبدو غالبا كأستاذة عندما تتحدث مع ليث.
نكزه ديرين: "أنت تفكر بها. إذن أنت مهتم بها بعد كل شيء".
"الفتاة ادنى من مقامي بكثير لدرجة ان الاقتراح سخيف".
لوّح ديرين بكتفيه قائلا: "ان لم تحرك ساكنا، فقد افعل انا".
"أتهزل؟"
نظر اليه اريك.
"أنت؟".
اعترض: "لماذا لا؟ على عكسك، انا مجرد ابن بارون".
"قضيت محادثتك الاولى معها متأكدا انها تحاول عرض نفسك عليها".
"آه..."
غطى ديرين وجهه.
"لا تذكرني بتلك الهفوة".
قطب حاجبيه: "من يفعل ذلك؟".
"دفاعا عن نفسي، تسألني الخادمتان الخروج طوال الوقت، وكانت بالغة الثقة عندما اقتربت مني".
"ظننت الثقة غزلا".
"كان يمكن ان تكون كذلك".
"لم تكن كذلك".
تنهد ديرين: "أعرف".
ضحك اريك اخيرا.
"لن أتعافى من هذا أبدا".
"على الأرجح لن تفعل".
سال الفارس: "أتراني خسرت فرصتي بسبب هذا؟".
ابتسم الامير: "أنت مغرم بها حقا. لم أكن أعلم أن النمش يروق لك".
قال ديرين: "مظهرها اخر ما يشغل بالي. تعرف ان اراضي والدي تكاد لا تكفي احتياجاتنا. زوجة بكفاءة مثلها يمكنها مساعدتي في تحويلها الى شيء يستحق الإرث".
هز الامير راسه: "لا تدعها تسمعك تقول ذلك وإلا ستفقد كل فرصك حقا".
سأل المبارز: "ماذا تقصد؟".
ضحك اريك بخفة: "النساء يحببن الا يُنبذ مظهرهن. ان كنت تريدها لمهاراتها، فحاول استقطابها، لا الزواج بها".
"أوه".
ضحك الامير: "أنت محظوظ لانك وسيم لانك سيء حقا في هذا".
استمرا في المشي باتجاه الحصن العسكري. لكل لحظة عابرة، بدا كل شيء طبيعيا. ثم توقف اريك. تجسد جسده فجأة لدرجة ان ديرين خطا عدة خطوات قبل ان يدرك ان صديقه لم يعد بجانبه. التفت الفارس.
"ما الأمر؟".
لم يجب اريك فوراً. ظلت عيناه مثبيتين على الحصن. كانت تعويذة كشف الموت لا تزال مفعلة، وشيء ما سلط عليه الضوء لتوّه داخل المبنى.
"ديرين".
قسّ ملامح الامير. تعرف الفارس على النبرة فورا ووضع يده على سيفه.
"ماذا حدث؟".
"أحدهم ميت".
أشار اريك ببطء نحو الحصن. زالت الابتسامة عن وجه ديرين.
"في الداخل؟".
"في الداخل".
تبادل الشابان نظرة، ثم شرعا في الركض.
راقب الأمير ثادويك وهو يتدلى من السقف وحبل مشدود يلتف حول عنقه.
قال ديرين: "لا أصدق هذا. لماذا قد يفعله ثادويك؟"
سأل الأمير: "أكنت تعرفه حقاً؟"
بخلاف ديرين، لم ينخرط أريك كثيراً مع الحراس العاديين. حتى من كان برتبة عالية مثل ثادويك كان أدنى من أن يسترعي انتباهه. فقط الفرسان أمثال ديرين تجرأوا على الاقتراب منه بعفوية.
عبس ديرين قائلاً: "كان وغداً. ما لم يغيب عني شيء، كان أكثر أنانية من أن يقتل نفسه."
همس أريك: "بيكا. ماجا. سينيث."
عقل. سحر. تفسير. مع تفعيل رؤيته السحرية، بحث أريك عن علامات لأداء تعويذة مؤخراً. لم يلاحظ أي اضطرابات مهمة. ومع ذلك، علم أن الأمر لن يكون بهذا السول. لذلك ألقى تعويذة أخرى.
"بيكا. سيبوس. سينيث. كوجنار. فيلار."
عقل. تضخيم. تفسير. معرفة. صفاء. بينما توسع عقله وتحدّ إدراكه، تفحص الأمير الغرفة بعناية. تصادمت المعلومات مع الذكريات القديمة والمعرفة المتراكمة بينما عالجت حواسّه المعززة كل تفصيل.
قال ببطء: "يبدو هذا وكأنه انتحار حقاً. لا توجد دماء على السرير. ربما صارع الرجل قليلاً، حُكماً على آثار المخالب في عنقه، لكن ذلك قد يكون ببساطة نتاج الندم في اللحظة الأخيرة. يبدو السرير مضطرباً قليلاً، لكن ذلك يرجح أنه بسبب التقلب والتوجس قبل الإقدام عليه."
رغم ذلك، أزعجه شيء ما. لماذا يفعل ثادويك هذا؟ قاده عقله المعزز بعينيه إلى الرسائل الموضوعة بإتقان على المكتب. ترك التعويذة تتلاشى. كان الحفاظ عليها لفترات طويلة مرهقاً ذهنياً. اقترب من المكتب ببطء والتقط الرسالة الأولى. تجهّم وجهه مع كل سطر قرأه. كان يعلم أن أخاه قد يكون متكبراً وأنانيّاً وقاسياً أحياناً، لكنه لم يتخيل هذا قط.
سأل ديرين ملاحظاً يدي صديقه المرتجفتين: "ما الأمر؟"
طوى أريك الرسالة.
"أنا آسف. لا أظن أنه يجب أن أجعلك تقرأها."
"إلى هذا الحد سيء، ها؟"
"إنه أسوأ مما تتخيل."
التقط الرسالة الثانية، ثم الثالثة، ومع كل رسالة أصبح وجهه أبرد. بدت الغرفة أهدأ من ذي قبل؛ لم تعد الجثة المتدلية من السقف مركز اهتمامه. عندما انتهى أخيرًا من قراءة الرسالة الرابعة والأخيرة، وقف صامتاً لعدة لحظات. لم يقاطعه ديرين. في النهاية، طوى الأمير الأوراق معاً ودسّها تحت إبطه.
"يا صديقي، أحتاج منك حراسة هذه الغرفة."
لفت الطابع الرسمي المفاجئ في صوته انتباه ديرين فوراً.
"بالتأكيد."
"لا أحد يدخل."
أومأ ديرين.
"مفهوم."
"أنت مخول بقتل أي شخص يحاول تجاوزك بالقوة."
طرف الفارس جفنيه. لم يكن شيئاً يتوقع أريك قوله.
سأل بحذر: "أي شخص؟"
"أي شخص."
ضاق عينا ديرين.
"حتى الرقيب سالفيك؟"
صلب تعبير الأمير.
"خصوصاً الرقيب سالفيك."
للمرة الأولى منذ دخوله الغرفة، بدا ديرين قلقاً حقاً.
"ما الذي كان في تلك الرسائل تحديدا؟"
نظر أريك نحو جثة ثادويك. ثم عاد بنظره نحو الرسائل في يده. وأخيراً، التقى نظرة صديقه.
"النوع الذي يمكن أن يهزّ المملكة."
أضاف الأمير وعبوس يرتسم على وجهه: "قد أخبرك لاحقاً، بمجرد معالجة كل شيء. أثق بك إلى هذا الحد. ولكن في الوقت الحالي، أظن أنه من الأفضل ألا تعرف."
أومأ ديرين. ثم أراح يده ببطء على مقبض سيفه.
"سأمسك الغرفة."
"أعلم أنك ستفعل."
سأل الفارس عاقداً حاجبيه: "إلى أين أنت ذاهب؟"
استدار أريك نحو الباب.
"إلى أبي. عليه أن يرى هذا فوراً."