بعد أن قادتهما الخادمة عبر الممرات الطويلة وقبل أن يصلا إلى قاعة العرش بقليل، خرجت الحارسات من بوابة القاعة وهن يقتدن رجلًا إلى الخارج بينما كان يتحدث بصوت عال. تبادل باسل وحمزة نظرة سريعة قبل أن يواصلا سيرهما إلى قاعة العرش.
بدت القاعة واسعة ومهيبة وعلى جانبيها اصطفت أعمدة ضخمة تمتد حتى السقف المرتفع. وفي الجهة المقابلة كان الملك غوديا يجلس على عرشه فوق منصة حجرية.
كان الملك يمتلك جلدًا أخضر داكنًا مائلًا إلى الرمادي تتخلله حراشف دقيقة وعيناه واسعتان مستديرتان وتعلو رأسه زوائد غضروفية متعرجة. وعلى وجهه آثار حروق قديمة زادت من ملامحه غرابة وهيبة. وإلى جانبه وقف رجل مسن يشبهه في الملامح ولون البشرة، فيما وقفت أمام العرش امرأة جميلة ترتدي ملابس أنيقة تدل على مكانتها العالية، وتحت عينيها علامة تميزها.
انحنى باسل وحمزة قليلًا تقديرًا للملك، فرفع يده مشيرًا لهما بالتقدم ثم ابتسم لهما بوقار وقال: «أهلًا بكما في مملكة أنومازون. أخبراني ماذا جاء بكما إلى هنا؟»
اقترب حمزة وخاطب الملك بتواضع: «شكرًا على كرم استقبالك جلالة الملك. أولًا أود أن نعتذر عما بدر منا أثناء المبارزة.»
«حسنًا أكمل.»
«أتينا إلى هنا في مهمة للبحث عن رجل اسمه تايج لي. فقد علمنا أنه كان يريد الذهاب إلى جزيرة إستلازون، متجهًا شمالًا نحو هذه الجزيرة. هل لديكم معلومات عنه؟»
سكت الملك للحظة ثم قال: «نعم لدينا. ولكن ما علاقتكما به؟»
رد حمزة: «إنه أحد فرسان مملكة أرميسان، المملكة التي جئت منها أنا وباسل. كان من أبرز قادة فرسانها وترك أثرًا كبيرًا في تاريخها. وقد وكلت إلينا مهمة البحث عنه رغم أن أكثر من ثمانية عشر عامًا مضت منذ رحيله. هل تعرفون ماذا جرى له؟ وهل ما زال حيًا؟»
نظر باسل إلى حمزة باستغراب متسائلًا في نفسه عن سبب اهتمامه بتايج لي وما علاقته بالمهمة التي جاءا من أجلها لكنه بقي ساكتًا.
قال الملك: «لدينا بعض المعلومات عنه. لكن قبل ذلك علينا أن نخبركما بحادثة وقعت منذ سنوات طويلة. قبل خمسة عشر عامًا كانت هناك جزيرة صغيرة ليست ببعيدة عن مملكتنا. يقال إن فيها معبدًا يسمى "تازكال" كان جزءًا من حضارة إستلازون قبل تفككها. وفي أحد الأيام ظهر من الجزيرة مخلوق يشبه التنين هائل الحجم بأعين حمراء وقشور سوداء. كان يدمر ويخرب مملكتنا بلا رحمة ولم يستطع أحد ردعه.»
«وفي تلك الأيام الحالكة ظهر تايج لي. قاتل المخلوق في وسط المدينة مستخدمًا يديه العاريتين وبأسلوب قتال فريد من نوعه. كانت تقنياته القتالية مدهشة وقوته لا تضاهى. وبعد معركة طاحنة تمكن من هزيمته وإعادته إلى الجزيرة التي جاء منها.»
«بعد أن هزم التنين لم يبقَ تايج لي في مملكتنا طويلًا، فقد غادرها قائلًا إنه يجب أن يكمل بحثه… عن شخص يعرفه.»
سأل حمزة: «ومن يكون ذلك الشخص؟»
هز الملك رأسه وقال: «لم يخبر أحدًا من يكون. كل ما نعرفه أنه كان يبحث بلا توقف عن شخص ما منذ سنوات طويلة، ثم غادر متجهًا نحو الجزيرة التي عاد إليها المخلوق.ربما تجدان الإجابة إذا واصلتما البحث عنه.»
بعد لحظة من التفكير ابتسم الملك وقال: «لكن دعونا من هذه القصص. نحن على مشارف احتفال عظيم يدعى "يوم البكر".»
ثم أشار إلى المرأة التي كانت تقف أمام العرش وقال: «هذا العام سيكون زواجي من الأميرة أتين من أبرز أحداثه. أتمنى أن تبقيا معنا ثلاثة أيام إضافية لتكونا ضيفينا وتشاركا معنا في هذا الاحتفال.»
نظر باسل وحمزة إلى المرأة بدهشة وقالا بصوت واحد: «أتين!»
ابتسمت أتين وقالت: «نعم أنا الأميرة أتين.»
سأل باسل بدهشة: «لكن كيف؟ كيف تبدين مختلفة تمامًا وأصغر حجمًا من الشكل الذي رأيناك عليه في الخارج؟»
ابتسمت أتين وأوضحت: «أنا من عرقين، عرق المازي وعرق إسترازون. المازي معروفون بضخامة أجسادهم أما الإسترازون فيتميزون بالخطوط التي تزين وجوههم. وبفضل هذا المزيج يمكنني تغيير حجمي متى شئت.»
تفاجأ الاثنان بحقيقة أتين قبل أن يلتفت حمزة إلى الملك غوديا ويقول: «أشكركم جزيلًا على دعوتكم وكرم ضيافتكم. نحن ممتنان لأننا سنكون ضيوفًا في هذا الاحتفال وسنحرص على احترام عاداتكم وتقاليدكم.»
بعد أن أنهى حمزة كلامه أمر الملك الخدم باصطحاب باسل وحمزة إلى غرفتيهما ليستريحا. وبينما كانا يسيران عبر الممرات المؤدية إلى الغرف لاحظا العديد من الصور المعلقة على الجدران. كانت الصور لشخصيات مهمة من تاريخ المملكة وكان معظمهم يشبهون الملك غوديا.
سأل باسل الخادمة التي كانت ترافقهما: «من هؤلاء في الصور؟»
أجابت: «إنهم أقارب الملك.»
واصلا سيرهما حتى وصلا إلى صورة كبيرة بالقرب من أحد الأبواب. كانت الصورة للملك غوديا وبجانبه امرأة وطفلان.
تأمل حمزة الصورة للحظة قبل أن يقول: «أين ذهب بقية عائلة الملك؟»
ردت الخادمة بتردد: «لا أستطيع الإجابة عن ذلك سيدي.»
في تلك اللحظة دوى طرق عنيف على باب مجاور تبعه صوت صراخ من خلفه. كان الصوت يشبه صوت الرجل الذي رأوه عند دخولهم إلى قاعة العرش.
صاح الرجل بصوتٍ عالٍ : «أخبروا الملك أنه يجب علينا إصلاحه قبل ظهورهم!»
نظروا نحو الباب فرأوا صورة لرجل يرتدي نظارة تحمل الرقم 357 ويمسك بورقة كبيرة عليها مخططات مليئة برموز قديمة.
شعروا بالفضول تجاه ما يجري لكنهم لم يتمكنوا من معرفة المزيد فواصلوا طريقهم حتى وصلا إلى غرفتيهما الفسيحة والمريحة بعد يوم مليء بالأحداث.