بينما كانت المخلوقات تحاول تسلّق السور، انهال سكارفيس ورجاله عليها بالرماح والسهام لمنعها من الوصول إلى أعلاه. ورغم ذلك استمرت أعداد أخرى منها تحاول تسلّقه.
وبعد فترة من القتال تراجعت المخلوقات فجأة وعادت إلى البحر، تاركة خلفها جثثًا متناثرة وآثارًا واضحة للمعركة. ابتهج الجنود بانتصارهم بعدما نجحوا في الدفاع عن السور. «مرحى يا قائد! لقد تغلبنا عليهم وأجبرناهم على العودة إلى البحر!»
رفع موراني أحد إخوة سكارفيس سلاحه احتفالًا بالانتصار: «نعم! لن تستطيع تلك المخلوقات بلوغ السور ما دامت أقدامنا تحملنا!»
تنهد أحد الجنود بارتياح: «هووه! يا للهول، لقد نجونا! آمل ألا تعود مرة أخرى، وإلا ستفسد علينا احتفال الغد!»
التفت أحدهم إلى سكارفيس: «علينا أن نكمل احتفالنا… ما رأيك يا زعيم؟»
لكن سكارفيس لم يشاركهم فرحتهم فقد انتابه شعور غريب لم يستطع تجاهله. ومع ذلك التفت إليهم وقال: «أحسنتم يا رجال، أحيّي روحكم القتالية، لقد تمكّنتم من الصمود أمام جحافل "الفيركودا" وأنا فخور بكم جميعًا.»
شعر الجنود بالفرح لسماع كلمات قائدهم بينما ظل هو ينظر إلى الأفق ويتساءل في نفسه: «ما زلت لا أفهم سبب ظهورها المفاجئ في هذا الوقت بالتحديد، ولا سبب انسحابها بهذه السرعة.»
بعد لحظات من انتصارهم أقبل رجل من جهة القصر يلهث من شدة الركض وقد بدت علامات الاضطراب على وجهه ثم أخذ ينادي بصوت عالٍ: «يا قائد حرس السور! أيها القائد!»
سمع سكارفيس نداء الرجل، فتوجّه نحوه وسأله: «ما خطبك يا رجل؟ ما هذه الجلبة؟»
حاول الرجل التقاط أنفاسه: «وصلني… وصلني خبر من القصر!»
«التقط أنفاسك وأخبرني، ما الأمر؟»
تلعثم الرجل قبل أن يقول: «خبر عن الملك… يُقال إن الملك قد قُتل!»
ارتسمت الصدمة على وجه سكارفيس: «ماذا قلت؟ كيف حدث ذلك؟ ومن الذي قتله؟»
«كل ما سمعته هو أن مجموعة من الأشخاص تسللت إلى القصر واغتالت الملك.»
ساد صمت ثقيل وتبادل الجنود النظرات في ذهول فقد نزل عليهم الخبر كالصاعقة.
في تلك الأثناء داخل القصر كانت أتين وسط الاضطرابات التي أعقبت وفاة الملك في حين جاءت إحدى الحارسات وأخبرتها بأنها عثرت على شيء صادم أسفل القصر وأن عليها أن تراه بنفسها.
طلبت أتين منها أن تقودها إلى المكان وسارت خلفها إلى أن وصلت أسفل القصر. عند وصولها رأت أمامها جدار ضخم وسميك مكوّن من صفائح متراصة يحيط بالقصر كله، لكن أحد أجزائه كان مدمّرًا إثر انفجار ليكشف عن نفق عميق يمتد من داخل القصر إلى مسافة بعيدة باتجاه الساحل.
تحدثت الحارسة بتردد: «أظن أن هذا هو المكان الذي دخلوا منه. يبدو أنهم حفروا هذا الممر الطويل من الساحل حتى وصلوا إلى القصر.»
تأملت أتين النفق بدهشة ثم سألت: «كيف استطاعوا حفر كل هذه المسافة والوصول إلى القصر دون أن ننتبه؟»
عادت كلمات نوفيتش في قاعة العرش إلى ذاكرتها فتراجعت خطوة إلى الخلف وقد ظهر التوجس على وجهها. «لقد كان نوفيتش محقًا… علينا الاستعداد لما هو قادم.»
تحت البحر وبعيدًا عن سطح الأرض، عادت كاليسا مع مجموعتها إلى القصر المتهالك واتجهت نحو القاعة الواقعة في جزئه العلوي حيث كان الجميع ينتظرها. وعند دخولها تقدمت بخطوات هادئة نحو الحوض الذي تتصاعد منه الفقاعات، دلالةً على ما تبقى من الحياة في ذلك الجسد المشوَّه.
وقفت للحظة ثم فتحت الكيس وأخرجت كبد الملك غوديا وهي تنظر نحو الحوض قبل أن تقول: «لقد حان الأوان.»
قرّبت الكبد من الحوض وبدأت تعصره ببطء، فتدفق الدم ليمتزج بالسائل الذي يغمر جسد الرجل المشوَّه. قالت كاليسا وهي تدور حول الحوض: «مولاي… بعد أن طال غيابك، حان وقت عودتك إلينا.»
في تلك اللحظة بدأ الجسد المشوَّه يمتص السائل الممزوج بالدم ويتبخر في الوقت نفسه، بينما أخذ جلده يستعيد هيئته الطبيعية مع التئام الجروح واختفاء الندوب تدريجيًا.
ظلت المخلوقات تحدّق بلهفة مترقبة نهوض الملك من سباته الطويل. وبعد لحظات رفع الملك الجزء العلوي من جسده داخل الحوض وأطلق زفيرًا ثقيلًا، فترددت صرخات المخلوقات المحيطة في أرجاء القاعة.
كان جلده أخضر تتخلله نقوش متداخلة، وبرزت من رأسه قرون طويلة منحنية على هيئة تاج. أما عنقه فتتوسطه كتلة لحمية تمتد عليها خطوط متوهجة ويصدر عنها ذبذبات تهز الأرض.
رفع رأسه ونظر إلى من حوله بنظرة مهيبة تفيض بالقوة، فخيّم الصمت على الجميع قبل أن يتحدث بصوت غليظ: «كاليسا… كم مضى من الوقت وأنا في تلك الحالة؟»
«عشرون عامًا أيها الملك… عشرون عامًا مرت ونحن ننتظر عودتك.»
وقف على قدميه وخرج من الحوض، ثم سأل: «وما الذي حدث بعدها؟»
«بعد تعرضك لتلك الحادثة بأيام قليلة، سقطت مملكتنا إثر هجوم عنيف من مملكة أنومازون، مما أدى إلى إغراقها ومقتل الكثير منا. لم ينجُ منا إلا القليل، لكن حتى الناجين تكبدوا خسائر أخرى.»
تغيّرت ملامح الملك وقال بغضب: «إذًا هذا ما حدث.»
تقدّم أحد الأشخاص حاملًا رمحًا بثلاثة رؤوس، ثم ركع ومدّ إليه السلاح بصمت. أخذ آزيرون الرمح وصعد إلى منصة مرتفعة والتفت إلى أتباعه قائلًا بصوت دوّى في المكان: «أيها الأتباع المخلصون… لقد طال سباتي وطال انتظاركم. أعلم كم من السنين أمضيتموها في الظلام، وكم من الألم تحملتموه وأنتم تنتظرون عودة ملككم.»
«ظنّوا أن هزيمتنا كانت النهاية، وأن مملكتنا ستظل مدفونة تحت أنقاض الماضي إلى الأبد… لكنهم ارتكبوا خطأً فادحًا… لقد تركونا أحياء.»
رفع رمحه وأكمل: «وبعد صبر مرير وليل دامس، آن الأوان لأن نستعيد تاج عزنا المفقود. سنغسل عار الهزيمة بدمائنا، وسننتقم لكل روح أُزهقت على أيديهم. لن نغفر ولن نرحم… وسنمحوهم من الوجود حتى لا يبقى لهم اسم يُذكَر.»
«وفوق جثث أعدائنا سنبني إمبراطورية إستلازون لتكون أعظم مما كانت عليه، قوةً تهيمن على العالم. ومن رماد الماضي نصنع مستقبلًا لا يُقهَر!»
ارتفعت صيحات المخلوقات فرحًا بعودة ملكها وتطلعًا للانتقام من المملكة التي أوصلتهم إلى هذا الحال.