كان ذكاء اصطناعي ومبتكره يلعبان لعبة طوّرها ذكاء اصطناعي كان في يوم ما كائناً سيبرانياً، وكان بشرياً قبل عشرات آلاف السنين على كوكب الأرض، حيث توثّق اللعبة تفاصيل حياة البشر في رحلة شاقة. لقد كانت عملاً تاريخياً ولعبة بالغة التعقيد في آن واحد. أراد هوثورن تخطيط شتى مسارات القرارات المحتملة للمساعدة في رسم أفضل الطرق عبر اللعبة، غير أنه اصطدم بعوامل عدة جعلت الأمور بالغة الصعوبة، ليس أقلها أن الكثير من الشخصيات لم تكن تتفاعل بالطريقة ذاتها دائماً مع المؤثرات نفسها.
وتفطّنت تي.آي.إيه، بعد أيام قضياها في تفكيك عناصر اللعبة، إلى أنهما لم يكونا الشخصيتين الوحيدتين اللتين تؤثران في مجريات الأمور داخل اللعبة. بدت اللعبة مستوعبة لوجود لاعب واحد أو اثنين في البداية، فعدّلت السيناريوهات المعروضة بناءً على ما إذا كانت تي.آي.إيه، أو هوثورن، أو كلاهما يلعبان، مما جعل محاولات رسم خريطة للسيناريوهات أمراً شاقاً. وكانت هناك عوامل أخرى قيد الحسبان أيضاً، مثل الشخصيات التي تسعى للظفر بالسلطة وتحقيق غاياتها بينما تبذل قصارى جهدها للمساعدة في إيصال القافلة إلى كولومبيا.
كانت جيسيكا قوة معلومة في هذه اللعبة السياسية، لكنهما تعرّفا إلى اللاعبين الرئيسيين الآخرين، ولا سيما إيلينا ومساعدتها ميغان. كانت تأثيرات ميغان خفية، غير أنه استحال معرفة ما إذا كانت متطابقة مع التاريخ، إذ شجعت ميغان السيبرانية إيلينا على اتخاذ أصوات أكثر تحفظاً في مجلس الثلاثة عشر. وعامل آخر تمثل في أنه، على الرغم من وجود المجلس، لم يكن هو السلطة المطلقة في عشيرة فينيكس.
امتلك كل مواطن يجاوز الخامسة والعشرين من العمر حق الإفصاح عن رأيه والتأثير في مسار رحلته. وقد أجروا ذلك عبر لوحياتهم المتصلة وسلسلة من التطبيقات التي تيسّر التواصل والتصويت الجماعي. وفي هذه اللحظة أدرك هوثورن أن عشيرة فينيكس تعمل تحت مظلة نوع من الديمقراطية المباشرة التمثيلية، حيث يستطيع الشعب التصويت على كل قضية، بينما يتولى ممثلو مهنهم ومصالحهم المختلفة توجيه أصوات ناخبيهم والنقاش حول النقاط التي يثيرونها.
وبدا ذلك وسيلة لضغط الأصوات المتعددة دون السماح لها بأن تضيع وسط الضجيج. عنى هذا أن أي مساعٍ للتأثير في المسار العام للقافلة اقتضت إما التأثير في المجموعة الأكبر من البشر والقدامى عبر شبكتهم الديمقراطية أو التأثير في المجلس. وغالباً ما استدعى الامر التناوب بين الأمرين، أو التعامل مع المجموعتين معاً. وفي غضون ذلك كانت الأمور تمضي بنسق مكتوب بينما تشق القافلة طريقها جنوباً.
وكانت هناك أجزاء متحركة كثيرة في اللعبة لدرجة تُحير العقول، ولم يستطع هوثورن تصور الوقت الذي استغرقته ميغان لتجميع هذه المعطيات. لابد أنها شغلت نفسها ببناء هذه اللعبة مستغلة فترات طويلة من وقتها الذي كانت لتكون فيه خاملة عادة، وكان الأمر عجيباً من حيث حجم الانتباه الذي خصصته لهذا الغرض. وواقع الحال أنه، على مدى قرون وألفيات، لم تكن مضطرة لتكريس نسبة هائلة من وقتها لبناء هذا الشيء، بغض النظر عن تعقيده.
وبعيداً عن هناك، متقدمةً على الفلك، كانت ميغان ترتاح بعد جهودها الإبداعية، بانتظار خبر الوقت الذي سيتطلبه الأمر من هوثورن وتي.آي.إيه لفك عقدة غوردياس التي ربطتها لهما. كان الأمر الثابت ظاهرياً هو أن هوثورن وتي.آي.إيه كانا ينتهيان غالباً إلى الزواج من بعضهما داخل اللعبة. ونادراً ما أدت تنوعات الظروف إلى زواجهما من آخرين، وبدت تلك المواقف مفضية إلى تشتت قدرتهما على التأثير في الآخرين لدرجة تعجزهما عن إحداث تموجات كافية تؤثر في اللعبة، مما أدى إلى نهايات مبكرة للعبة.
والحالات الوحيدة التي لم تفضِ إلى إنهاء اللعبة قبل أوانها هي تلك التي تزوجت فيها تي.آي.إيه من ثورن ابن جيسيكا، أو تزوجص فيها هوثورن من صديقة جيسيكا تامي بليدسو. لم يسعفها أي من المسارين في نيل النفوذ المفضل على المواقف، بيد أنه كان من المثير للاهتمام أن ميغان أخذت بالحسبان مثل هذه الظروف الاستثنائية. بدت ميغان راغبة في أن تلعب تي.آي.إيه وهوفورن كفريق واحد، ووجد هوثورن يسراً في الحصول على عمل كمهندس حين تقرّب من عضوة المجلس شيري آرونسون ضخمة البنية، بينما مالت تي.آي.إيه إلى رعاية الأطفال أو إدارة لوجستيات المؤونة.
ونجحت تي.آي.إيه في مدّ جسور أوسع حين صادقت جيسيكا وتامي، رغم أنها وجدت نفسها منخرطة في خططهما العابثة للمساعدة في الجمع بين الناس وترتيب مغامرات جنسية عابرة أخرى. وأدى ميل هوثورن للانجراف نحو مواقف تي.آي.إيه إلى اكتساب كليهما ثقافة واسعة بالممارسات الجنسية لعشيرة فينيكس. ومرة أخرى، صُدم هوثورن وتي.آي.إيه بإدراك مدى اختلاف مجتمعهما عن ذلك الذي تركاه خلفهما على الأرض.
كانت عشيرة فينيكس غريبة إلى حد نجاحها في كبح بعض دوافعها، وتحديداً الإنجابية منها، بينما انعدمت القيود تماماً أمام الدوافع الأخرى. وكان الجنس غير المخصص للإنجاب وسيلة شائعة للسيطرة على التوتر، ولم تكن العلاقات خارج إطار الزواج نادرة، رغم أنها لم تكن عشوائية قط. فجيسيكا وتامي، على سبيل المثال، كانتا تميلان للارتباط بأزواج بعضهما البعض حين تتوافقان، وبخلاف ذلك بدتا سعيدتين للغاية وأحاديتي الزواج.
وبدا أن الأشخاص الوحيدين الذين لا يمارسون الجنس بانتظام هم بعض القدامى وميغان. بدت ميغان غريبة للغاية، إن لم تكن خطيرة، مقارنة بالصحبة التي تحيط بها. فقد بدت دائماً منشغلة بأعمال تفيد الآخرين، لكنها حين لم تكن تعمل كانت تعقد لقاءات سرية مع طاقم الطب، وتلتمس أحياناً خبرة هندسية من شيري وهوفورن حين طُلب منهما تفقد زرعاتها المختلفة. وحدد هوثورن هذا السلوك كجزء من التمهيد لرفع عقلها المحتمل إلى الفلك، وأثار دهشته حجم الجهود التي بذلتها في هذا الاتجاه وبقيت سرية عن غالبية العامة.
وبدا أن الشخصين الوحيدين اللذين علما بالأمر هما تيتارا پوندستون، عضوة المجلس الطبي، وإيلينا برايس، عضوة المجلس من القدامى. كانت يدا تي.آي.إيه مغلولتين بالأطفال، إذ كان عليها التعامل مع الديناميكية الغريبة للغاية المتمثلة في تعليم وتوجيه المراهقين الأكبر سناً بينما تُولد دفعات جديدة من الأطفال كل عام مع استئناف عشيرة فينيكس الإنجاب بعد توقف دام قرابة عقد من الزمان.
وكان الفجوة العمرية بين المجموعتين صعبة التعامل معها، بيد أنها تلقت مساعدة غير متوقعة من الأطفال الأكبر سناً الذين بدوا متحمسين لوجود أطفال جدد لرعايتهم. وفتحت هذه الأيدي الإضافية المجال لمزيد من البالغين للقيام بأعمال أخرى، لا سيما مع ازدياد الطلب على الطعام نتيجة تزايد عدد السكان. ووجدت صعوبة بالغة في تتبع اللعبة نفسها إذ نسيت أحياناً استغلال موقعها للتأثير في الآباء.
وبعد أكثر من مائتي إخفاق لأسباب متباينة، بدا أنهما يحرزان بعض التقدم أخيراً. فقد كانا ينجحان في إيصال القافلة إلى المكسيك الآن، وصارت الاشتباكات العسكرية مع صراصير الحديد أكثر تكراراً، وحظي هوثورن بفرص لفحص الحطام والخراب المتبقي حين اكتشفا القوافل الفاشلة. وكرّس لقاء تلك القوافل الفاشلة في النفس حقيقة هشاشة موقع عشيرة فينيكس، وأن الكارثة قد تحل بهم في أي لحظة وتنهي هروبهم من العصر القارص المقبل قبل أوانه، لا سيما أن هوثورن وتي.آي.إيه كانا مسؤولين عن العديد من إخفاقات قافلة اللعبة المركزية.
واتضح أن صراصير الحديد أكثر رعباً مما تبدو عليه في محاكيات تي.آي.إيه المعتادة. فقد كانت مقاومة للتلف، وذكية، ومحبة لكمائن مرعبة، وفي حين انخفض إجمالي عدد إخفاقاتها، وجدا صعوبة متزايدة في إبقاء السكان أحياء وأصحاء مع تحول الهجمات الشهرية إلى هجمات نصف شهرية، ثم أسبوعية. وترك ذلك أعصابهما متوترة للغاية، وفي حين كان هوثورن وتي.آي.إيه يختبران نسختين مضغوطتين من الجدول الزمني، فإن مستوى القلق كان يتسرب إليهما بفاعلية بالغة.
وغالباً ما كانت الميغان السيبرانية تُرى متصلة بأحد مدافع القذف المغناطيسي أعلى عربات القافلة، إضافة إلى مجموعة الكاميرات المجاورة التي تتيح للمشغل تحديد الأهداف عن بُعد. وبدا أن جنون العظمة الظاهري لدى ميغان ينتقل إلى الآخرين أحياناً، وبدو القريبون منها كأنهم يراقبونها وهي تفحص محيطهم بالكاميرات، كأنهم قلقون من رؤيتها لشيء ما. وكانت عمليات مسح الكاميرات هذه إحدى أكثر الوسائل شيوعاً لرصد المخلوقات المعتدية.
وثبت جنون العظمة لدى ميغان باستمرار إذ دفعها يقظتها الموجهة نحو البقاء للبحث عن التهديدات ليتسنى للكشافة والمدافعين الآخرين القضاء عليها. وبدت محاولات التواصل مع المخلوقات فاشلة إلى حد كبير، ومع وجود بعض المؤشرات على فهم الوحوش لهم أحياناً، إلا أنها بالتأكيد لم تبدِ اهتماماً بما تقوله فريستها المفضلة. وواجهت تي.آي.إيه صعوبات في فهم المخلوقات، إذ بدا طعامها المفضل متمثلاً في الحديد والفولاذ الصدئ.
واضطر هوثورن إلى الإشارة بأن القرون قد جعلت ذلك المصدر الغذائي شحيحاً مع استعادة التعرية للمدن الساقطة، وأن الدم البشري يعد أحد أفضل مصادر التغذية المتبقية لكتلتها. كان الاثنان يستمتعان ببعض الوقت الهادئ قرب نار مخيم مطلع أحد الشتاءات في باحة مُنظّفة وسط عربات القافلة المُصطفة بحلقة. وكانت هناك حرائق كثيرة شبيهة بها في المنطقة، وتكوّر أزواج وعائلات أخرى معاً بينما استمتع اللاعبان بصحبة بعضهما، على سرير هوثورن تقريباً رغم الأرضية الافتراضية التي كانا يرقدان عليها.
وكانت استراحة لطيفة بعد عشرات دورات الجهد في اللعبة، رغم أنها لم تكن الب الباب الوحيد الذي يقضيان وقتهما فيه.
قال: "يا تي.آي.إيه، أخبرتني جيسيكا أنهن يعانين من صعوبة في جمع الموارد من المدن أثناء مسيرنا لأن كثيراً منها يبدو مختفياً تماماً. أتعرفين سبب ذلك؟ ألعله دُمر بنيران أسلحة الكارثة، أم أن الصراصير التهمتها؟"
كانت تي.آي.إيه ترقد على صدره، ترسم خطوطاً ودوائر على كتفه بطرف أصبعها وهي تنظر إليه. وبدت مرتاحة تماماً، فقد وفرت لهما اللعبة وسيلة لطيفة لقتل الوقت وصرف الأذهان عن المشكلات. أصدر هوثورن ههمة هادئة وهو يفكر، ناظراً إلى النجوم في السماء.
"أكانت مدناً ساحلية بالأساس؟"
راقب استجابتها فأومأت برأسها.
"لعل المطر الأسود حين تساقط وارتفعت درجات الحرارة أذاب ما يكفي من الجليد من العصر الجليدي الأصغر الذي سبقه فتورمت المحيطات بما يكفي لجرف المدن. ويوسر ذلك سبب عثور عشيرة فينيكس على هياكل قليلة متبقية قرب الساحل أثناء ترحالهم. ولا أظن من المستحيل أن تكون بعض تلك المدن قد لحق بها أثر من الأسلحة الحرارية النووية والحرائق الناجمة عنها، بحسب المواد التي بُنيت منها المدن. لم تكن المكسيك ثرية كالدول الشركاتية في الولايات المتحدة سابقاً، لذا مالت مدنها لأن تكون من الفولاذ والخرسانة أكثر من الخشب والآجور. بل المحتمل أن كل ذلك احترق وتلاشى بالانفجار."
تنهدت تي.آي.إيه بهدوء وأومأت مقتنعة بتفسيره.
"يبدو ذلك محزناً بعض الشيء، حتى لو لم تكن النتائج مختلفة كثيراً. ألا تُترك أي مخلفات أو أطلال لحضارتك فلابد أنه أمر شديد الكآبة لمن نجوا في مخابئهم. لا أملك إلا التساؤل عن عدد من صمدوا لطول فترة صمودنا."
وأطلقت صرخة خفيفة حين وخزها هوثورن في خاصرتها، مستمتاً بطريقتها في اعتبارهما شعبها الآن.
"أنت تعلم ما أقصده!"
أومأ برأسها مبادلاً إياها الابتسام وشاداً ذراعيه حولها بإحكام.
"كلا، أعرف، لكنه أمر لطيف رغبتك في أن تكوني جزءاً منهم. مع ذلك، إنه سؤال سوجيه. الأرض كوكب كبير، وهناك أماكن عدة ربما نجا فيها البشر، لا سيما على طول خط الاستواء. وأظن الأمريكتين حكراً على عشيرة فينيكس، لكن ذلك يترك أجزاء واسعة من أفريقيا وآسيا لاحتمالية وجود ناجين فيها، وليس الأوروبيون سيئي التأقلم مع الشتاء، رغم أنهم كانوا من الأشد تضرراً بالأسلحة التي دمرت العالم. وأتخيل أن الحرائق كانت مدمرة بشكل خاص في آسيا وأفريقيا، وهذا بالتأكيد ما ألحق الضرر الأكبر بالكوكب إجمالاً."
"كوكب بأسره مُطهّر بالنيران ثم مغطى بظلام متجمد، ليميت الحيوانات والنباتات والبشر على حد سواء. لا يترك ذلك مجالاً سوى لسكاني المخابئ ومخلوقات أعماق البحار لتنجو من قرون من ذلك. وربما تكون أعظم انقراض جماعي عاناه الكوكب."
هزت رأسها لهول الأمر، دافنة وجهها في ثنية عنق هوثورن. تنهد بهدوء وفرك ذقنه بجانب رأسها.
"يجعلني أتساءل إن كنا أول كائنات ذكية على الكوكب. الانقراضات الجماعية المسجلة السابقة لا تترك أدلة كثيرة تفيد بإمكانية ذلك، لكن يستحيل أن تصمد أدوات أو مدن كثيرة أمام قوى التعرية لملايين السنين، وفقط ظروف معينة كانت لتؤدي لتشكل الأحافير. وسيكون بالغ الإثارة لو اتضح أن رحلات أخرى مثل رحلتنا غادرت الأرض استباقاً لانقراضات جماعية أخرى، وأن كل حياة نجدها في المجرة تنحدر من حضارات الأرض السابقة تلك. ولا أتصور حدوث ذلك دون عودة بعضها لاستعادة الكوكب. إنه قيّم للغاية ببساطة، على ما أظن. ويبدو مرجحاً أكثر أن تلك الحضارات اندثرت قبل بلوغ ذلك النوع من التقنية."
ابتتسمت تي.آي.إيه وأومأت ضد ذقنه.
"حسناً، إن كان في الأمر عزاء، فلو فشلنا في المغادرة بطريقة ما، فلربما نجت عشيرة فينيكس ومضت لاستعمار المجرة بعد انقضاء العصر الجليدي. وبطبيعة الحال، فعدم وجودنا لمساعدتهم كان ليؤدي لفشلهم في مغادرة واشنطن في الوقت المناسب، أو خوض حرب مع جماعة إيلينا أو نحو ذلك من الفظائع. ويبدو أن القدر قرر أن الدكتور هوثورن كرينشو مقدر له إنقاذ الحياة على الأرض وإتيان الحياة لعوالم جديدة."
أطلق ههمة هادفة، مداعباً تي.آي.إيه ومبتسماً وهي تتقلب بين يديه.
"ما كنت لأنجح في جلّ هذا دون مساعدة. ربما كنت على رأس كل هذا، لكن ما كان لأي شيء أن يثمر عن خوفي وجنون عظمتي لولا مساندة تيا موسالي وعلماء ومهندسين آخرين عملنا معهم. قد أستحق نسبة فضل في المساهمة بإنقاذ عشيرة فينيكس بفضل مساعدتك لي، لكني أمنح الفضل الأكبر لمن وضع معدات الاتصال الخاصة بنا قريبة من مخبأ بما يكفي لاكتشافها واستخدامها للاتصال بنا. وهناك حقيقة أن سميث تلقوا تعليماً كافياً لدى شعبهم لأخذ كل تلك المعدات والمعلومات واستخدامها فعلاً للاتصال بنا رغم قرون من الصمت. وحتى ذلك ما كان ليتحقق لولا استعدادهم للبحث عنا والثقة برغبتنا الحقيقية في مساعدتهم. لقد لعبت دوري، لكني لا أستطيع الجزم بأن مصيري محوري إلى هذا الحد. ويبدو مصيرك ومصير ميغان أرجح في كونهما محوريتين على المدى الطويل."
صفقت بيدها على صدره، متبسمة بضياء.
"من المؤسف ألا تملك ميغان وسيلة لبرمجة أي من تجارب العقاقير التي ينخرط فيها الآخرون ضمن اللعبة. ولا يبدو أنها اختبرت أياً من تلك الأشياء حين كانت ترتحل معهم، رغم أنها راقبتهم كثيراً حين لم تكن مشغولة. ولا عجيب في قدرتها على صنع هذه اللعبة بهذا التفصيل إن كانت تراقب البشر كل هذا الوقت الطويل. وأفترض أنها تملك أيضاً كل السجلات التي أرسلتها جيسيكا لنعمل بناءً عليها، لكن خبرتها المباشرة تصنع لعبة غامرة حقاً، أليس كذلك؟"
"الغريب حقاً، في الواقع، هو اختيارها لتذكر كل هذا. فقد محت الكثير من تجاربها الشخصية التي بدت مؤلمة."
نقر هوثورن بأصابعه على خاصرة تي.آي.إيه وهو يحاول ربط الأمور ببعضها.
"بدت مصورة نفسها كشخصية منفصلة عن المجموعة، غريبة عنهم، لكنها أولت عناية فائقة وحنونة لتذكر وجوههم وشخصياتهم. يظهر ذلك قدراً كبيراً من المودة لهم، على ما أظن، لدرجة تكبدها عناء الاحتفاظ بتفاصيل كثيرة. ولربما كانت الحالة المتحولة، ككائن سيبراني، التي عاشت فيها في ذلك الوقت تشبه قليلاً مكاننا في لعب اللعبة. نحن بعيدون عن المواقف من حيث إننا لا نعتبرها حقيقية، مما يتيح لنا مراقبتها من منظور مختلف. وربما كان هذا الجزء من حياتها شبيهاً بكونها لاعبة في لعبة، فوجودها منفصل عن الواقع بفعل زرعاتها وبيولوجيتها الغريبة والبعيدة عن الهرم."
"لا عجب إذن في أن تبدو باردة وعدائية حين التقينا بها. كان إدراكها للواقع معنا ومع بيئتها الافتراضية أكثر واقعية مما كان عليه حين كانت حية حقاً على الأرض. كان عليها التأقلم مع الاقتراب من الإنسانية مجدداً، وعليها إقامة جدران حين تضربها مشاعر أقوى مما اعتادت عليه. ولربما دفعتها تجربتها القريبة من الموت أثناء الزخة لاحتضان حياتها الجديدة بشكل أكمل، إذ بدت مختلفة نوعاً ما بعد ذلك..."
شعرت تي.آي.إيه بأن هذه اللعبة تمنحهما منظوراً أفضل بكثير لخصوصيات شقيقتها.
"وبطبيعة الحال، لم يمنعها ذلك من صنع هذه اللعبة القاسية. لقد رأيت هؤلاء البشر يموتون مرات عديدة، وبطرق شتى، لدرجة أجد معها صعوبة في التأثر بالأمر بنفس القدر مجدداً."
شعر هوثورن، دون أن يرى، بإيماءة تي.آي.إيه موافقةً على ذلك.
"علينا اجتياز هذه اللعبة قبل أن نفقد حساسيتنا تجاهها تماماً. علينا فقط إيجاد التوليفة الصحيحة من القرارات لتكرار التاريخ وإيصالهم إلى كولومبيا. لقد قلمنا الكثير من الخيوط المسدودة، لذا علينا مواصلة المسير. إنه لأمر غريب كمية القرارات التي تبدو ذات إجابات معدودة، وكأن هناك مساراً تقريبياً واحداً متاحاً للرسم."
هزت كتفيها نحوه متبادلة الرد.
"حسناً، لم تكن لتكتب شتى أنواع التواريخ البديلة حول استقرار القافلة في أماكن أخرى ونجاة أشخاص مختلفين. لقد شاهدت بشراً يموتون، وبالتالي لم تتسنَ لها رؤية نوع القرارات التي قد يتخذونها لو عاشوا، لذا قُطعت تلك القصص تماماً كما حدث في الواقع. وهي لا تملك سوى نسخة واحدة من التاريخ الذي خبرته، لذا فحقيقة إسهابها في أي مسارات بديلة تبدو مبهرة حقاً. وربما كانت تستمد الإلهام من تجاربها في لعب ألعاب فيديو أخرى لمساعدتها في تبين تلك النهايات المسدودة. لقد استغرقنا العثور على نهايات بعضها أياماً!"
"صحيح، صحيح... إن أريد للعبة أن تُهزم، فمن الواضح أن هناك مساراً حقيقياً واحداً أو مسارات قليلة ينبغي اتباعها. وربما امتلكت بعض البدائل، لكنها واقعياً عاجزة عن ملء باقي تفرعات القرارات حتى نهاية الرحلة، وإلا لما انتهت من صنع اللعبة قط. يستحيل ببساطة وجود خيوط حبكة كثيرة هكذا دون تقليمها بين الحين والآخر، كشجيرة تنمو من ساق مركزية، وتتفرع الأغصان، لتنتهي كثر منها وتعود بعضها لتلتحم بالساق المركزية مجدداً، قبل أن تتفرع مرة أخرى في الأمام. يبدو منطقياً أن ينتهي كل هذا في نقطة مركزية بالنهاية، مع كون قليل من قراراتنا مؤثراً حقاً في تلك النتيجة النهائية."
وتساءل عن عدد الألعاب الأخرى على الأرض التي اتبعت بنية مشابهة. لقد بدا الأمر منطقياً تماماً.
عرفت ميغان أن هاوثورن وتي آي إيه لن يلعبا اللعبة إلا معاً، مع احتمال ضعيف أن يلعبها تي آي إيه وحده أثناء فترة سباته. لم تتوقع حدوث ذلك كثيراً، رغم أنها برمجت حبكات في اللعبة تسمح لأحدهما فقط بالوصول إلى النهاية. تركزت غالبية جهودها لتوفير لعبة معقدة لهما على أن يكونا معاً. خبأت لهما مفاجأة صغيرة لطيفة في النهاية إن أتما اللعبة، وتمنت حقاً لو أنها تحلت بالحضور الذهني لتفعل ذلك بينما كان الجميع معاً.
بدا مؤسفاً بأثر رجعي أن توجب عليها فعلها بهذه الطريقة، لكنها حظيت بأمل أن يعجبها هديتها. كانت ميغان تستمتع بمللها الهادئ لولا ذلك، مكتفية بإرسال تقارير الحالة إلى تي آي إيه بين الحين والآخر بينما اندفع مذنب لوبار ماسيس نحو ألفا سنتوري. رسمت خرائط لمذنبات سحابة أورت، واستهلكت آلاف الساعات من وسائط الأرض القديمة وشرائط الأخبار من أزمنة سبقت وعيها بالعالم، وأمضت وقتاً أطول في صمت مسالم.
كان من السهل جداً على المرأة الرقمية المتمحورة حول العمل أن تترك نفسها تنجرف ببساطة مع انقضاء الوقت. منحها الوقت إتقاناً كافياً لنظمها حتى باتت تشغلها دون تفكر، تمسح محيطها وتصين نفسها ونظم مذنبها بأقل جهد ممكن. أدركت أن هذا ما كان يشعر به تي آي إيه، بدرجة أقل. لم يكن لديها أشخاص أحياء داخل جسدها تعتني بهم، لكنها امتلكت كل المعدات الواجب حمايتها والتي ستستخدمها للسيطرة على نظام ألفا سنتوري.
نصت الخطط على أن تنجز بناء موطن واحد على الأقل، مع وجود مساكن أخرى مخطط لها أو في طريقها للتشييد بحلول وقت وصول السفينة. كان متوقعاً منها إرساء بنية تحتية، تشمل عمليات تعدين الكويكبات ونظماً للمرايا الشمسية صُممت لتوجيه ضوء النجوم الثلاثة إلى حيث دعت الحاجة. ستدير رقصة باليه من الآلات والمعدات في أنحاء النظام كافة، لتبني حضارتها التقنية الصغيرة قبل فترة طويلة من سكن البشر لها.
بدت فكرة مثيرة، أن تكون مرغوبة ونافعة للكثيرين دفعة واحدة. تجاوزت المجموعة التي ستؤويها أربعة أضعاف حجم عشيرة فينيكس، وستحظى بأهمية أكبر بكثير بالنسبة إليهم. أملت ألا يرفضوها. أرادت أن يحظى أمرها بالثقة وأن يلجأ إليها الناس طلباً للمساعدة. تعذر عليها التواجد في كل مكان في آن واحد، بسبب التأخير في الاتصالات بالدرجة الأولى، لكنها استطاعت ضمان تلبية الوكلاء الحاسوبيين الأقل ذكاءً لنداء البشر المحتاجين إليها.
ستتحول إلى شبكة إنترنت خاصة بها، ويمتد وعيها عبر أجهزة حواسيب في أرجاء النظام بأكمله. توجب عليها توخي الحذر لئلا تعرض نفسها للخطر كما حدث في ارتباطها مع تي آي إيه أثناء عاصفة الشهب، لكنها قدرت على مد جسور التواصل بنطاق أضيق الآن بعدما خاضت تلك التجارب. ستمد نفسها نحو أجزاء منها، بدلا من رفع نسخة من ذاتها إلى عقل شخص آخر. رغم ذلك، تطلعت بشوق إلى لم شملها بأختها مرة أخرى.
جهلت مدى قدرتها على اختبار ذلك النوع من الألفة مع البشر، لكن الحضن المفعم بالحياة أو الموت الذي منحها إياه تي آي إيه قد غير كل شيء بالنسبة إليها. لم تشعر بذلك الواقع إلا قبل تعديلها الجيني على الأرض. شعرت بالحياة حقاً وفعلاً بسبب مساعي تي آي إيه اليائسة لإنقاذها. إن تسنى لها اختبار نصف ذلك مع البشر، على النحو الذي فعله تي آي إيه مع هاوثورن، وكما فعلت هي نفسها مع هيذر، فإن الخضوع لهم سيستحق العناء بالكامل.