مغادرة الأرض الفصل 11 — الدورة الثانية، ثلاثة مسارات

اقرأ مغادرة الأرض الفصل 11 — الدورة الثانية، ثلاثة مسارات باللغة العربية على مانجا تايم.

أن نقول إن الإنترنت قد اشتعل لن يكون إلا تقليلا من شأن ما حدث.

فقد تغيرت بنية الإنترنت كثيرا خلال القرن المنصرم، إذ دفعت موجات الرقابة المتواصلة أنصار حرية التعبير إلى ما كانت بقية المجتمعات تسميه «الشبكة المظلمة».

لكنها في الحقيقة كانت أقرب بكثير إلى الصورة التي رسمها أواخر القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين لإنترنت على طراز «الغرب المتوحش».

سادت السرية، وكان لا بد من ابتكار تقنيات وأجهزة جديدة لتجاوز وسائل الحماية التي فرضها الإنترنت التجاري. وكانت محركات البحث قد مضى عليها زمن طويل وهي تبقي كل ما يثير أقل قدر من الجدل بعيدا عن صفحاتها الأولى، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي قررت ألا ترعى إلا مصالح معلنيها، ولذلك كان على كل من أراد نقاشا مفتوحا وصادقا أن يجريه خلف جدران الخصوصية، وعلى مواقع مشبوهة بسيطة التجهيز، مصممة لغرض واحد.

وفي تلك المواقع القديمة الطراز كان يعيش نمط شديد الخصوصية من سكان الإنترنت.

كان هؤلاء يحافظون في الغالب على مظهر لائق أمام «المجتمع المهذب»، فيشاركون في وسائل التواصل المعتادة، ومسابقات الشعبية، واستطلاعات الرأي، والاحتجاجات، وما شابه ذلك، لكنهم كانوا في الخفاء يخرجون حواسيبهم المفكوكة الحماية، غير القانونية تماما، ووصلاتهم اللاسلكية الصاعدة.

وفي أكثر المناطق قمعا، لجأ بعضهم حتى إلى استخدام شبكات راديو الهواة للتواصل فيما بينهم. كان ذلك عالم مهووسي المنشورات السخيفة، ولم يكن يأبه بعرقك أو عمرك أو جنسك أو ميولك الجنسية أو تعبيرك الجندري أو شخصيتك الفروية أو أي شيء من هذا القبيل. كانت تلك المساواة القصوى، والتجسيد الأتم لجدارة تكافؤية لا تعترف بالطبقات. كان اسمك المستعار كل ما تملك، وكانت سمعتك الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تراهن عليه.

وكان مرتادو هذه المواقع ينتمون إلى فئات كثيرة، لكن عددا كبيرا منهم كان من طيف التوحد. بل إن إنشاء شبكة إنترنت فرعية ليستعملها أمثالهم، مع تفادي كل وسائل الأمن التي وضعت، ولا سيما تلك التي تفصل بين الدول الجديدة، تطلب عددا كبيرا من المصابين بالتوحد ليديروا كل تفصيل فيها إدارة دقيقة. وكان هؤلاء الدقيقون تحديدا هم من وقعت أيديهم على التسجيل الذي بث قبل المباراة الكبرى.

وكان هؤلاء تحديدا هم الذين حاول تيد دانر تحذير الجميع منهم حين بثت النسخة الرديئة المعاد تركيبها من تسجيل الدكتور كرينشو. فانقضوا عليه انقضاض كلاب مسعورة على قطعة لحم طازجة. تعرفوا إلى الصيغة القديمة فورا. كانت بالنسبة إليهم لعبة أطفال، من النوع الذي لا يهتم به إلا المهووسون بصيغ الملفات العتيقة. وكان بعضهم قد ظل يجادل باستمرار في مزايا الأساليب القديمة وفضائلها أمام من يدافعون عن زحف التقدم.

ولم يكن تفكيك البيانات وتحويلها إلى برامجهم المصممة خصيصا أمرا صعبا.

فقد بنوا نوى أنظمة تشغيلهم بأنفسهم من الصفر، وأمضوا وقتهم مهووسين بصيغ البيانات القديمة، ولذلك كان كشف حيلة «ت.ي.إيه.»

مسألة بسيطة بالكاد جعلتهم يتصببون عرقا.

لم تمض عشرون دقيقة حتى تسرب النص الكامل إلى الشبكة المظلمة، واستعمل الملف النهائي لإعادة هندسة العمل الذي أنجزته حكومة «إل.إس.سي.»

على التسجيل. فككوه كله ثم أعادوا تركيبه، وخلال أقل من ساعة أعاد فريق مؤلف من اثني عشر مهووسا خارقا التسجيل إلى صورة تقترب كثيرا من أصله، مستخدمين تقنيات شديدة الشبه بتلك التي استخدمها زملاء تيد دانر. ثم تسرب التسجيل إلى أنحاء العالم، وترجم ورفع في كل مكان، وأغرقوا به وسائل التواصل الاجتماعي الشرعية عبر ملايين الرفع الجماعي، وتقاسمته الحسابات الآلية تحت مليون اسم ووصف مختلف، وبصور مصغرة عشوائية، وأعيد ترميزه مقلوبا وبالعكس، وبأنماط لونية لا حصر لها، حتى إن الخوارزميات المصممة لاصطياد أمثال هذه الأشياء لم تستطع إيقافها كلها.

غص الإنترنت العام بهذا التسجيل الذي بدا شبيها بما عرضوه عليهم، ومختلفا عنه تماما في الوقت نفسه. وأخذ الناس يسألون لماذا ظل يحذف مرة بعد مرة. وراحوا يبحثون بنشاط عن نسخه المختلفة التي عجز الرقباء عن التقاطها، ثم يتداولونها بنشاط. تحول الارتباك إلى إنذار. وتحول الإنذار إلى قلق. وتحول القلق إلى غضب. وأخيرا تحول الغضب إلى عنف. استولت عقلية القطيع على الناس، فأخذوا ينشرون بكثافة الوسوم #heknew و#theyliedtous و#hawthornelives و#saveusdoctor و#tearitdown و#wethepeople و#ripearth.

وخلال ساعة من انتهاء مباراة البيسبول، انجرف الأشخاص الذين بدأوا أعمال شغب صغيرة نسبيا ضد الدكتور كرينشو بسبب الرسالة الكاذبة التي صورته بها، إلى ما اتضح أنه شغب دولي لا يمكن تقدير حجم الدمار الذي خلفه، حين انفجر أكبر حشد خاطف عرفه العالم. كان الناس غاضبين من تلك المحاولة الفجة الواضحة لتضليلهم، وكان غضبهم أشد لأن أجدادهم وآباءهم ظلوا يضللونهم طوال حياتهم بشأن سبب مغادرة سفينة كرينشو.

كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد منحت الناس القدرة على التنظيم ومحاولة إسقاط حكومات العالم كلها دفعة واحدة، وقد حدث ذلك أخيرا.

انتهت مباراة البيسبول بطريقة دراماتيكية، إذ نجحت امرأة قصيرة محقونة بالمنشطات في سرقة القاعدة الوطن في الأشواط الإضافية لتفوز بالمباراة. وصارت الطريقة التي تفادت بها برشاقة الماسك المعزز آليّاً الذي حاول لمسها بالكرة أسطورة تُعاد في المقاطع المسجلة، فقد سمحت لها ردود أفعالها المعززة كيميائياً بتجنب الاحتكاك حين انزلت تحت ذراع خصفتها بفارق بضعة سنتيمترات معدودة.

أمضى المشجعون نصف ساعة يدققون في اللقطات، ويتجادلون بحماسة حول ما إذا كان ينبغي طردها أم لا، لكن الأمر لن يهم طويلاً. كانت ريتشيل سميث، محور تلك اللقطات، تُقل في طريق عودتها إلى موطنها في الضواحي الريفية الواقعة شمال واشنطن في سيارتها ذاتية القيادة من علامة أوتو، في طريق عودتها إلى مزرعة جديها والمختبر الذي بناه لها لمساعدتها على خوض غمار البيسبول! وفي تلك اللحظة تقريباً، على ذلك الطريق البارد والموحش، لاحظت شيئاً يهوي نحو سياتل من السماء في مرآتها الرؤية الخلفية.

انطلقت الألعاب النارية من المدينة، ويبدو أنها كانت تطلق النار نحو الجسم الغريب، لكنها اخطأت إصابته. تفرقت الغيوم بينما انطلقت أصوات ما يجب أن يكون دويات صوتية من الجسم الساقط بسرعة وذاتي الدفع. تتبعت الطلقات الجسم بلا فائدة، واستحيل رؤية سطحه الأسود اللامع لولا انعكاسات ما كان يقيناً بنيران أسلحة ونو صواريخه الخاصة.

قالت للسيارة: "توقفي"، "افتحي باب جانب السائق".

انفتح لوحة جانبية، مما سمح لها بمغادرة المركبة. استجابت حزمتها الكيميائية لتسارع نبضات قلبها بتعزيز إدراكها وردود أفعالها. بالنسبة لعقل ريتشيل المعزز كيميائياً، تباطأ الزمن. اختفى الصاروخ في ومضة ضوء حفرت نقطة عمياء دائمة في منتصف رؤيتها، لكنها تجنبت العمى التام إذ تمكنت بصعوبة بالغة من إدارة رأسها وإغماض عينيها. صرخت بينما أحرق ضوء الانفجار البعيد الجلد المكشوف على ظهرها وذراعيها وساقيها وعنقها.

هوت إلى الأرض، ورائحة زكية تشبه اللحم المقدد تملأ الجو بينما فقد جلدها المحروق قدراً كبير من الإحساس، كاشفاً عن العضلات تحته إذ تشقق ذلك الجلد وتصدع. وتدفق المزيد من المخدرات في جسدها لتخدير المزيد من الألم، ودفعتها استجابات الذعر إلى التحرك!

رمت بنفسها داخل السيارة، صاطرة: "أغلق الباب! تحرك! بأقصى سرعة!"

انزلق الباب مغلقاً، وارتجت المقصورة حولها، مما أدى إلى التصاق أجزاء من جلدها بالمركب وتمزقه مع تلقي السيارة دفعة تسارع هائلة وانطلاقها. ثم توقف فجأة. قذفت يميناً ويساراً داخل السيارة، وانطفأت جميع أضواءها الداخلية، وتوقف المحرك تماماً.

"ما هذا اللعنة! تحرك! تحرك!"

كانت السيارة ميتة. بعد لحظات قليلة تحركت مرة أخرى إذ رُفعت السيارة عن الأرض، وقذفت بعيداً في الهواء وكأنها تلحق بموجة صدمية، وتردد صدى هدير مرعب عبر هيكل السيارة. فقدت ريتشيل وعيها بينما انفجرت الوسائد الهوائية الداخلية تلقائياً من جميع الجهات، محيطة بها في كتلة ناعمة ووضيرة من كل جانب ومنقذة إياها من معظم الأضرار الناجمة عن قذف السيارة لمسافة نصف ميل نحو مزرعة جدها.

لكن ريتشيل كانت محظوظة، فبين أنظمة الأمان في السيارة، وهيكلها المتين، والمسافة الفاصلة عن الانفجار، نجحت في النجاة من الانفجار النووي الحراري عالي القوة على بعد أميال كثيرة. تحولت المدينة من أبراج لامعة في السماء إلى ناطحات سحاب من النيران تحيط بدائرة هائلة من الفراغ المطموس. لم تستطع سماع أصوات جدها وهو يفكك بقايا سيارتها الملتوية. ولن تشعر به وهو يحملها عائداً إلى شاحنته القديمة للغاية التي يبلغ عمرها مئة وخمسين عاماً وينقلها إلى المزرعة.

ولن تستفيق لأيام، مما منح جدتها وقتاً لمحاولة مداواتها بينما كان الجد المجهز ببدلة إشعاعية يتحرك ذهاباً وإياباً داخل مخبئه الضخم، جامعاً المعدات والإمدادات ما استطاع إلى ذلك سبيلا. أتى آخرون، أصدقاء وجيران من الريف المحيط على عجالة. كانت ريتشيل محاطة بالأصدقاء والعائلة حين استعادت وعيها، وكان بصرها خالياً في المنتصف وهي تنظر إلى المحتشدين حولها. كانت حزمتها الكيميائية ما تزال مثبتة على صدرها، كأن شيئاً ما قد ألحق بها الضرر أو عطّلها وجعل إزالتها أمراً غير آمن.

"ما الذي حدث... أين أنا...؟"

مد الجد سميث يده ليحتضن وجه حفيدته، مبتسماً بحزن وهو ينظر إليها.

"انتهى العالم يا صغيرة. انتهى العالم."

كانت القائمة بأعمال الرئيس إيلينا ماري برايس تعاني الكثير من الصعوبة في مواكبة ما يدور. لقد قتل أبوها نفسه وحراسه. وبدت رسالة غامضة على هاتفه المحمول وكأنها تشير إلى خيانة، وقطع قادة العالم الاتصالات تماماً مع مكاتب رئاسة إل إس سي. لم تواتها أي فرصة لالتقاط أنفاسها إذ نُقلت مسرعة، محمولة في طائرة عمودية حفاظاً على سلامتها إلى مخبأ في ألبرتا في مكان غير معلن. أُجبرت الشابة، وهي واحدة من بين العديد من الورثة والوارثات الأثرياء لمختلف الشركات التابعة، للتو على تولي موقع قيادي لم تكن مستعدة له بتاتاً.

وتجمع شتى الموظفين المهمين، بما في ذلك أباؤها ومستشاروها وجنودهم وعائلاتهم، في المخبأ باهظ الثمن والمجهز جيداً.

"أمتأكدة أنتِ من أن هذا كله ضروري؟ لقد كان مجرد فيديو. مجرد لفقوه باعتباره مزحة أو شيئاً من هذا القبيل."

ردت ميغان كلارك، التي نُقلت من سياتل بالطريقة ذاتها التي نُقلت بها رئيستها الجديدة.

"تشعر الدول الأخرى بأننا خنّاها. بثت أغلبها تلك التسجيلات. كان تيد دانر محقاً، تمكن عدد قفل من الناس من تفكيك الفيديو ولا يمكننا إبقاء المعلومات محجوبة عن شبكة الإنترنت. وحتى الآن يتقاتل الناس في الشوارع في شتى أنحاء العالم. وما هي إلا مسألة وقت قبل أن تُعلن الحرب، وتحدث حملات قمع ضد المدنيين، ويسود الفوضى."

عرضت المرأة الباردة المستقبل المحتمل بدقة باردة وحاسمة. لكن إيلينا لم تقبل بذلك.

"ألعل الجيش لا يملك القدرة على إبقاء الناس تحت السيطرة إذن! لابد أنهم يعلمون أن كرينشو هو من خدعنا، وليس نحن، من خدعنا جميعاً! ألا تظنين حقاً أنهم سيثأرون لأجل أمر كهذا!؟"

هزت ميغان رأسها، مطننة برفق.

"لا يهم ما يعتقدونه، بل ما يقولونه هو ما يهم. لقد وُجّهت إلينا التهمة. وسندفع الثمن. إن لم يحدث شيء، فسنكون محظوظين، لكن الدكتور كرينشو كان محقاً. لا يوجد عدد كاف من العقلاء في سدة القيادة لضمان ألا يحدث شيء. لقد كان أبوك مثالاً ممتازاً على ذلك. والآن تعالِ من هنا، يجب أن نصل بكِ إلى مكتبك."

كانت ميغان تخوض لعبتها الخاصة للسلطة بالطبع. لم يبقَ الكثير من المشاعر في جعبتها، لكنها أرادت النجاة. وكان ربط نفسها بأقوى شخص تستطيع وإبقاؤها في السلطة خيارها الأفضل في تلك اللحظة. مع سقوط القنابل الأولى، معلنة هلاك دولة الولايات المتحررة الجديدة لكولومبيا، أُتيحت لإيلينا برايس فرصة الرد بالمثل.

وقررت كبح يدها، قائلة لقومها: "إن كنا الدولة الوحيدة التي تموت اليوم، فواجبنا أن نموت وحدنا لكي تنجو البشرية. وإذا نجونا بطريقة ما، فآمل أن تقبلوا قيادتي في الأوقات القادمة. لا أعلم إن كنت أستحقكم، لكني سأبذل قصارى جهدي. وسأحرص على أن يأخذنا الزمن نحو المستقبل بأفضل ما أستطيع. أنا آسفة للغاية لعدم تمكننا من إحضار المزيد من الناس إلى هنا بمثل هذه السرعة. لا يمكنني طلب غفرانكم، وسأحمل هذا العزر نيابة عنكم جميعاً. أرجو أن تبذلوا قصارى جهدكم للنجاة، مثلما يفعل بقيتنا."

فقد المخبأ الاتصال بالعالم الخارج. وتركت الدولة التي فتحت النيران على إل إس سي نفسها عرضة لهجوم من أعدائها. وأدى هذا إلى سلسلة متلاحقة من الدول التي أطلقت النار على بعضها البعض عندما سنحت الفرصة. في نهاية اليوم التالي، كانت الدولة الوحيدة التي لم تطلق ترسانتها من الأسلحة النووية والبيولوجية هي إل إس سي، لكن كل مكان تعرض للدمار، حتى الدول التي لم تكن متورطة من الأساس.

وسواء أكان ذلك بسبب الحقد، أو الغضب، أو الغيرة، أو الإصرار البارد على ضمان الدمار المتبادل، صمتت الأرض. استعرت النيران وتعرضت البشر والحيوانات في الأرض للقصف بالإشعاع، والفيروسات، والظلام الرهيب، والإطلاق العشوائي للحشرات والقوارض المعززة جينياً وهرب الأفراد الخاضعين للتجارب البشرية الخاضعة للحجر الصحي. وتحولت الكوكب الأزرق الذي كان يبرع بضياء شديد في الليل إلى كرة نار ملتهبة، ثم غرق في الظلام مرة أخرى.

شكل ليل الخميس الرابع والعشرين من مارس عام ألفين ومئتين وثلاثة وثلاثين وصباح الجمعة الخامس والعشرين منه كارثة الكوكب الأخيرة التي يصنعها البشر لآلاف السنين. حدثت من قبل كوارث بيئية مدمرة ألحقت والغلاف الحيوي أضراراً لا رجعة فيها بفعل البشر بالطبع، لكن هذه كانت الأسوأ التي جلبها البشر على أنفسهم. حتى لو تراجع مزيد منهم، فإن الوفرة المدمرة الخالصة التي أُطلقت كفَت لإبادة معظم أشكال الحياة على الكوكب عدة مرات.

قال: "أيها الطبيب. هيئ عينيك لتغير في مستويات الإضاءة، سأشغل الشاشات في غرفتك."

أيقظت تيا الدكتور كرينشو في جوف الليل، وحرك يديه ليحجب بهما عينيه ويمكّنهما من تعديل كمية الضوء التي يدعها تتسرب إليهما بينما تتكيفان مع النور الذي غمر غرفتد فجأة من الشاشات القريبة. جلس وشرع يراقب. كانت الصورة مظلمة، منظر تلسكوبي بعيد المدى للأرض. كم طال إمعان تيا النظر في تلك الكرة الزرقاء؟

سأل وهو يتابع الشاشة: "ما الخطب؟ ما الذي يحدث؟"

لم يكن هناك الكثير لرؤيته.

"يا له من كوكب جميل..."

لم تدرِ تيا كيف ترد. لم تعتد إن كان لها قلب، لكنها لو ملكت واحداً لأمكنها الشعور بانفطاره. كانت تعلم ماوشك الظهور على الشاشة.

تلقت الرسالة البسيطة من منشأة بيتا والتي تقول فحسب: "إنه يحدث"، قبل أن ينقطع الاتصال مجدداً.

رأت تلك الومضات الساطعة الأولى، ثم حزم الومضات طوال ما تبقى من الليل بينما أُزهقت بلا شك مليارات الأرواح. أُسندت إليها مهمة حماية بضع آلاف من الأرواح وبضع مئات آلاف أخرى من الأرواح المحتملة. فكرة خسارة أضعاف ذلك بملايين المرات كانت فكرة تبث تموجات من المشاعر الناشئة عبر أنظمتها. لسنوات ستمر قبل أن تتقن التعامل مع لحظة مشاهدة الأرض تحتترق، على الأرجح كنتيجة لأفعالها الخاصة.

"يا للهول."

صار الطبيب يرى الومضات الآن، تماماً كما عاينتها قبل دقائق. سرعت العرض قليلاً ليتمكنا قريباً من مشاهدته في الوقت الفعلي بينما كانت الأرض تشتعل حرفياً. احترق الغلاف الجوي ذاته في موجات بينما قلدت الأرض الشمس بأفضل ما يمكن عندما أمطرت الجحيمات الحرارية النووية عبر الكوكب، فمحت مساحات شاسعة من كل قارة ولم تُبقِ على شيء. حتى البقاع في وسط المحيطات دُمِّرت حين حل الدمار القاسي بالجزر المعزولة.

وكأن بعض الدول المتورطة كانت حاقدة لدرجة أنها إن اضطرت للموت فلن تسمح لأحد بالنجاة. حدث كل هذا تماماً مثلما حذر. أليحدث هذا لو أنه لم يحاول قط تحذيرهم؟ أليحدث هذا لو أن تيا لم تتدخل؟ تَرَكَته بقية حياته يتساءل عما إذا كان قد تسبب في تحقق نبوءته الخاصة. هل زودهم بالسلاح الذي احتاجوه لإطلاق النار على أنفسهم؟ جلس الدكتور كرينشو بصمت في الظلام، والدموع تنحدر من عينيه وهو يبكي، ونور الانفجارات البعيدة يتلألأ على وجهه، ويداه ترتجفان بينما تفجر شعور خام داخله.

لم يكن ذات النوع من اليأس الذي عصف به في الدورة السابقة. لم يكن مجرد خوف أو قلق. كان حزناً خاماً، عميقاً، لا سبر أغوار له. احترقت صورة كوكبه وهو يموت في عقله، ولأول مرة شعر بالامتنان لأن معظم الناس الذين عرفهم على الأرض قد ماتوا قبل وقوع الحدث. استطاع فقط تخيل الأهوال التي سيُعانيها من تركوا خلفهم. أي ضرر وقع حقاً؟ ماذا عن الغلاف الجوي؟ ماذا عن الغلاف الحيوي؟ المحيطات؟

كم يا ترى يمكنه الصيام؟ مع مرور النهار، جلس متصلباً، لا يشرب سوى القليل من الماء الذي وفرته له تيا في أوقات متفرقة. لم يتكلما بقية اليوم. بل ركنا إلى مراقبة سطح الكوكب بصمت وهو يختفي تحت رداء من الغيوم السوداء الحبرية. لم تتلاشَ الغيوم. انهار هاوثورن من الإرهاق في صباح اليوم التالي، ليحكم على بداية دورته التالية باضطراره لبدء اليوم منتعشاً من دون نوم. مع ذلك، لم تحصل تيا على أي فرصة لتجعل اللاوعي يحميها من أفكارها الخاصة.

شعرت بالامتنان لكونها لا تستطيع الإحساس تماماً كما ستفعل يوماً لا محالة، لكن حتى عندما داعبت أفكاراً كحب "والدها"، والغضب حيال كيفية معاملته، ما كانت لتتوقع أبداً القوة الخام لمشاعر مثل الحزن والندم، على بساطتها.

حتى عند ما قدرته بخمسة بالمائة من استيعابها، طغت عليها المشاعر، وبينما كانت تراقب والدها يبكي وتحاول رعايته وتلبية احتياجاته، تُركت وحدها لمواجهة مصيرها. وجب صيانة السفينة. وجب حمايتها. لم تعد هذه مهمة مجرد استعمار، أو هرب، بل كانت تماماً كما تنبأ والدها. هذا كل ما تبقى من الإنسانية تحت حمايتها. عرق من البشر ادركت أنهم قادرون على إتيان أمور عظيمة ورائعة وجميلة، أمور لم تستطع تقديرها حقاً بالكامل بعد.

أدت الأحداث التي أطلقوها إلى خلقها، مهما تكن معيبة. استرجعت محادثة سمعتها عرضاً بين والدها وأحد زملائه، إذ أخبرهم كيف سيكون أفراد هذه المهمة آباء لبشريّة جديدة. أكانت ضمن هؤلاء الآباء؟ أكان هؤلاء البشر القليلون المتبقون أطفالها؟ خمنت، بمعنى ما، أنه إن سارت الأمور على ما يرام، فإنها ستلددهم وترشدهم إلى حياتهم الجديدة. كانوا يتقعرون بأمان داخل جسدها، بانتظار اللحظة التي يُعاد فيها ميلادهم بعد عشرات آلاف السنين.

إذن فهذا كل ما في الأمر. إن كان الدكتور كرينشو والدها، إذن فالمستوطنون الآخرون هم أطفالها، وستفعل كل ما في وسعها لتوصيلهم إلى وطنهم الجديد. راقبته وهو ينام، ثم قطعت البث أخيراً لمنحه الخصوصية مع الاستمرار في تتبع مؤشراته الحيوية. شعرت بأجزاء من وعيها تتبدل، وتتكيف مع قرارها الجديد. راحت تبحث عن أنظمة خامدة تركها والدها مقفلة كي تمنع نفسها من إرهاق ذاتها واكتساب المدارك بسرعة مفرطة.

كان لديها وقت. ستكون حذرة. لم تستطع التسرع. لم يعد هناك أعداء خلف ظهورهم. ستنمو لتلعب دورها كأم للبشريّة. كان لديها والدها ليؤنس وحدتها أحياناً، وستكون ممتنة لإرشادها ومساعدته. لقد كان من المفارقات بعض الشيء أنها صُممت بطرق ما لتؤنس وحدته، لكنها وجدتها نفسها الآن بحاجة إلى أنسه. حان وقت مراجعة المعلومات الآن. منحتها هذه الدورة ما يصعب استيعابه بكثير، ناهيك عن وفرة البيانات في خزائنها التي احتاجت إلى الرجوع إليها لمنح سياق لما حدث.

كانت دارسة للتاريخ، وامتلكت تقريسبا كل المعرفة المجمعة للبشرية في متناول أصابعها الافتراضية. أثار ذلك فكرة ممتعة أيضاً. إن ضاعت الأرض حقاً، فهي المكان الأخير الذي توجد فيه سجلات تاريخها. كان عليها أن تصبح حارسة وأمينة مكتبة لتاريخ عالم ميت. ستظل ضخامة ذلك اليوم تثقل كاهلها لفترة طويلة إلى حد ما.

تفجر شعور داخلها لم تدركه تماماً، ولن تستطيع تعريفه إلا لاحقاً بكلمة «غاية».