وقف رين مع رفاقه بانتظار اقتراب المذنب من القمر. شق خط أحمر متألق طريقه في السماء وبدا واضحاً حتى في النهار. أخذ القمر بالصعود واقتربت الساعة. كانا قرب المؤخرة من التجمع الحاشد. كونهما من أواخر من انضموا بوصفهم تلامذة الطائفة الداخلية، فقد تمركزوا بحسب القوة والأقدمية. لم يقف خلفهم سوى تلامذة مرتبة جمع الطاقة. كانت شي يوان في مكان ما بالمقدمة. تحيط بها إخوتها وأخواتها الأكبر المتمسكون بها. حضرت لتتمنى له التوفيق لكن كان عليها العودة إلى مكانها سريعاً. سأله باو هوا الشاحب والنحيل إلى جانبه: "ما قصتك مع تلك الأخت الصغيرة؟ لا أعرف أأضحك أم أبكي حين تصبح وديعاً لهذه الحد أمامها. أكنتما مخطوبين أم شيئاً من هذا القبيل؟" سمعت مي لين الحديث وبدأت تناوشه بدورها: "لاحظت ذلك أنا أيضاً! كسمكة بين التنانين. فسخ خطوبة يفسر الأمر! يا له من أمر مشين!" عرف أن رفاقه قلقون ويمزحون لتخفيف حدة الأجواء، لكنه احتاج للتأكد من عدم انتشار الشائعات عرضاً. احتج رين: "مهلاً! لا تختلقوا القصص هكذا! عائلاتنا أصدقاء، وقد نشأنا معاً كأصدقاء". امتنع عن ذكر أنهما كانتا لتخطبا لو اختلفت الظروف. لكن أيام عائلة تشاو المزدهرة قد ولت، وعرفته عائلته قدره. حمل دفاعه طابع الحنين إذ لم يستعمله منذ زمن بعيد. اعتاد نعتَه بضفدع يشتهي لحم بجعة مرات عديدة في الماضي للسبب ذاته. خاض معارك كثيرة، وكسيرتبة سيد شاب، لطم الكثير من الوجوه دفاعاً عن كبريائه. حتى جاء يوم قال فيه أحمق ما كلاماً، لكن رين هو من نال الضرب هذه المرة. صادف وجود شي يوان حين كان ممدداً بطرف مهشم. في ذلك اليوم تعلم كنه العبقرية الحقيقية وتحطمت غرورياته. تماماً كما تحطم جسد ذلك الفتى الآخر. استعاد بوضوح تام مشهد تلك الفتاة الضئيلة والرقيقة التي تصغره بعامين، وهي تلتفت إليه والدماء ترش وجهها الخزفي المبتسم وكأنها تبتغي استحسانه. لم يفشل استذكار الحادثة يومًا في جعله يرتجف. لم يمحَ قط منظر والدي الفتى، وهما مترعان بالحزن والكره سعياً للانتقام في مجمع عائلة تشاو. سرعان ما ضربهم حارس شي يوان وطردهم. عُدّ ذلك عدلاً في عالم فنون القتال، حيث تفوق القوة كل شيء وحيث كانت عائلة شي منيعة. فيما راقب الشاب تشاو رين أولئك الوالدين يبتلعان كرههما بعجز، شعر بأن ألم ذراعه المكسورة يهون مقارنة بألمهما. منذ ذلك الحين أقسم على التغير. تعلم أن الإهانة بلا ضير وأن لطم الوجوه يفقد متعه متى علمت أن لمن خلفها مشاعر وحياة تخصه. تلك اللحظة الحاسمة غيرت مسار حياته. "يُقال إن سلف عائلة شي كان صديقاً لسلفي. لكنهم ازدهروا ولم نفعل. هي أختي الصغرى الآن فحسب". إحساساً منه بأنه أغرق الأجواء بالكآبة، عاد ليمازحهم: "بسرعة قفزكم نحو الخطاب، لا بد أن لكل منكما ارتباطه الخاص! هيا اعترفا!" تلجلجت مي لين، وقد أُخذت على غرتها: "كان لي واحد، لكنه أُلغي بمجرد اكتشاف جذور الروح لدي. كان حظي جيداً. كان صبياً مشاغساً. فكر فيه والداي لما فيه من فائدة لتجارة العائلة، حتى إنهما هما نفسيهما بدءا في كره الصبي مع الوقت. لكن والديه وافقا على نقض العقد نظير مكاسب أخرى". بدت مرتبكة بعض الشيء وكأنها أفشت أكثر مما نوت. التفت اثناهما نحو باو هوا في آن واحد. اكتفى بالابتسام وهز راسه. "من يود الزواج بالابن الثاني لمزارع فقير؟ حالفني الحظ بمرور ذلك الممارس بقرتي وعثوره علي. باتساع لي الآن ضمان رعاية عائلتي وجميع إخوتي الأصغر حق الرعاية". عند سماع ذلك، عاز رين على ضمان نجاة رفيقه من الاختبار. عبرت مي لين بسلاسة مكثفة 9 قطرات منذ أن نجح رين في تحذيرهما قبل خوضهما الخلوة. لكن باو هوا أتم أمره منذ يومين بـ 8 قطرات، وما زال دانتيانه متضررا. وإذ علما أن استهلال الاختبار هو الأشد خطورة لمواجهة المجهول، قرر الاثنان حراسة باو هوا حتى يستقر أساسه. قد يفقدان بعض المكاسب، لكن ذلك كان مقبولا تماما. فيما اندفعا متجاوزين الأشجار وجثث الوحوش الفانية، ممسكين بأسلحتهما، ازداد احمرار القمر. انعكس التوهج الأحمر الخافت عبر الضباب الذي بدأ بالصعود. مع تقدمه، أدرك رين أنه ليس ضبابا عاديا، وظل السراب الملون بالدماء يزداد كثافة. اقترب الثلاثة بعضهم من بعض وتقدموا بحذر أكبر. صعُب تمييز أي شيء يبعد أكثر من طول كف. خفوت الأصوات جعلهم بالكاد يسمعون الممارسين حولهم، وازدادت الأجواء كآبة وقسوة. حتى حس الطاقة المحسن لديه أخفق في الاختراق بعيدا. تكوموا متقاربين وبطأ تقدمهم بشكل ملحوظ. بعد انقضاء وقت مجهول، بدأ السراب بالانحسار. لم يكن هناك أحد سواهم حولهم. حُذر التلامذة من احتمال كهذا. كان ذلك حقا فضاء فرعيا، بعدا أدنى يتبع قواعد مختلفة للزمان والمكان. لعله تشتتهم كجزء من المرحلة الأولية للاختبار لمنعهم من تشكيل مجموعات ضخمة. حتى قواعد انقضاء الزمن اختلفت في الأبعاد الدنيا. لم يعرف رين سوى النزر اليسير الذي حذرهم منه شيوخ الطائفة. جعلت هذه الاختلافات البعد بأسره أكثر هشاشة، ولهذا لم يستطع ممارسو المراتب العليا دخوله دون زعزعته. استغل الممارسون ذلك الخلل كطريقة لضمان عدم سلب إرثهم من قبل الأقوياء. استطاع الشيوخ تمهيد الطريق وحدهم دون القدرة على الدخول لحماية أتباعهم. كلما انحسر السراب أكثر، أدركوا وجود دلائل المعارك في كل مكان حولهم. جثث وحوش ضخمة ذات أربع قوائم شبيهة بالضباع وبفرو أحمر داكن كانت تنتشر في كل مكان. يظهر أحيانا شكل ساكن لممارس. أمكنهم التيقن من رداء طائفة البحر الخفي أنهم نالوا النصيب الأكبر من السوء رغم قلة عددهم، لكن الطائفة الأخرى شهدت خسائر أيضاً. التفت رين بعيداً، آملًا ألا يرى أحداً يعرفه. إن كانوا هم من تعرضوا للهجوم وحين كادوا لا يبصرون، أدرك رين مدى استحالة نجاتهم. هذه المرة تحمل التلامذة الأكابر وزر الضرر الأكبر. لكنهم لم يمكثوا بانتظار الآخرين. بل كانوا مندفعين نحو المناطق الداخلية حيث توجد أفضل المكاسب غالباً. التزم الثلاثة الصمت خشية وجود المزيد من الوحوش ومضوا قدما. كانت الأشجار حولهم ملتوية وغريبة بأوراق حمراء. امتلأت الأرضية بنباتات غير معتادة. بقيت الأصوات خافتة، لكنهم سمعوا عويلا مخيفا من حين لآخر. لم يشبه صوت البشر، وعلموا أن الاقتراب من الأصوات الغريبة خطأ فادح. كان هدفهم للمرحلة الأولى إيجاد مكان آمن في المناطق الخارجية وإقامة التحصينات. بهذه الطريقة، يستطيع باو هوا الاستقرار بأمان نسبي، ويستعيد الاثنان بوصلتهما. إن كانت المناطق الخارجية وديعة للغاية أو كانت الكنائز شحيحة، فسيتقدمون أعمق للداخل. أما إن بدت المناطق الخارجية بالغة الخطورة، فلن يخاطروا بحياتهم طيشاً مقابل مكاسب مجهولة ويركزون على العودة أحياء. قل تشجير الغابة حولهم وخرجوا منها أخيرا. ظلت التضاريس مغطاة بضباب خفيف يحد من رؤيتهم وحواس طاقتهم. كانت السماء القليلة التي أمكنهم تبينها فوقهم ملأى بالغيوم الحمراء المضطربة. بدت التضاريس صخرية ومائلة للأعلى وكأنهم على سفح جبل. ببضع كلمات مهموسة وإشارات، قرروا الالتفاف حول الجوانب واستكشاف محيطهم أولاً قبل نصب المخيم. بعد حين من تسلقهم التضاريس الصخرية المتزايدة، وثب ضبع ضخم نحوهم من مسافة قريبة أمامهم. كأنه كان يسبح عبر الصخور! لاعتقادهم بقتال معا، ترددوا لنفس واحد فقط قبل اتخاذ مواقعهم. اعتياديا، يكون باو هوا في الطليعة، لكنهم اتفقوا على ترك رين يقود المقدمة مؤقتاً. لعدم تيقنهم من قوة الوحش، تصرف بدفاعية، تاركا مي لين تركز على الهجوم. كان دم رين يخفق بعنف وهو يصد المخالب بسيفه، مقاطعا وثباته برميات دقيقة لسكاكين رمي صغيرة. صنعها بنفسه وعرف توازنها جيداً. من خلفه، رمت مي لين إبرتين ثم استخدمت سوطها لشق جروح عميقة في خاصرته. استشاط الوحش المسعور غضبا وأصبحت ضرباته أكثر جنوناً، لكنه كان يضعف أيضاً. في اللحظة التي تيَقن فيها رين من فوزهم، أطلق باو هوا تحذيراً. كان يراقب محيطهم تحسباً لأي كمائن أخرى، ولمح وحشاً آخر يندفع نحوهم. "سأتعامل مع هذا، لين! امنحيني بعض الوقت!" تراجعت مي لين وهي تومئ. واجه رين الوحش أمامه. كان قوياً، لكنه لم يكن مرحلة الأساس بحال. علاوة على ذلك، أحدث السم الذي حقنته إبر مي لين فيه أثراً جلياً. صاح بملاحظته لتتمكن مي لين من التكيف مع الخصم التالي. حاجةً لإنهاء الأمر سريعاً، استخدم قفزة عابر الأرض ليثب إلى خاصرته ويغرس نصله عميقاً في جنبه. بدا التقنية مختلفة تماماً حين دفعها بطاقة سائلة أكثر كثافة. استطاع تفعيلها بسرعة وبكفاءة أكبر. بل كسب سيطرة أكبر على المسافة واستطاع ربط بضع وثبات معا. بعد لحظات سقط الوحش على قدميه، وهرع نحو الوحش الثاني. لاحظه باو هوا وتراجع لمراقبة المحيط مرة أخرى. كان الوحش قد تسمم بالفعل، وتمكنت مي لين من تسديد ضربة محظوظة لساقه الخلفية. صعُب تفادي الوحش الأعرج فقتلوه سريعاً. توقفوا لالتقاط أنفاسهم ثم التفتوا ليروا إن كانت جلبة معركتهم قد جلبت اهتماماً غير مرغوب. بمجرد تأكدهم من خلو المكان، استعاد رين سكاكينه وحاول العثور على نوى الوحش لجنيها. توجد معظم نوى الوحوش في القلب أو الرأس. بعد استرجاع النواتين، تبادلوا لفترة قصيرة رؤاهم حول المعركة. أشار رين إلى أنه بمجرد تعثر الوحوش، تتعذر وثباتها ويصهل القضاء عليها. لاحظ باو هوا حراسة الوحوش لعيونها وتجنب تلك الهجمات أكثر. لا يجب إهدار الهجمات على ضعف محصن جيداً. أشارت مي لين إلى حاجتها لاستخدام سموم أكثر أو تغيير نوعها. أحضرت مخزوناً ضخماً، لكنه ظل محدوداً. جهلوا المدة التي سيستغرقها اختبار الإرث. قد يمتد لأشهر. عليهم التكيف مع محيطهم واستبدال مؤنهم. من فحصهم للنوًى، أمكنهم استنتاج حيازة الوحوش لصفة الدم، وأن لحمها مرشح للأكل، لكن رين أصر على إجراء بعض الاختبارات أولاً. أبلوا بلاءً حسناً عموماً، ولم تتجاوز الوحوش قدرتهم. بدأت الابتسامات ترتسم على وجوههم. إن اصطادوا هذه الوحوش وحدها طوال مدة مكوثهم هنا، فسيجنون الكثير مع ذلك. في تلك اللحظة تذكر رين كيف ظهر وحش الدم الأول وكأنه خرج من الصخر وتوجه لفحص المنطقة. اختبأت خلف نتوء صخر فتحة كهف نحيلة لكنها عميقة. قاده اكتشافه إلى مناداة الآخرين. خاضوا نقاشاً قصيراً حول وجوب استكشاف الكهف أو المحيط أولاً. احتاجوا لمعرفة المزيد عن موقعهم قبل الذهاب لصيد الكنوز. أقدموا على استكشاف الكهف أمامهم. رجح أنهم قتلوا الوحش موطن الكهف، والأهم أنه قد يشكل موقعاً قابلاً للدفاع ليسمح لباو هوا باستقرار ممارسته. دخلو الكهف خافت الإضاءة وكوفئوا فوراً على قرارهم.
ترك إرث الفصل 28 — تبدأ محاكمة الإرث
اقرأ ترك إرث الفصل 28 — تبدأ محاكمة الإرث باللغة العربية على مانجا تايم.