ترك إرث الفصل 1

اقرأ ترك إرث الفصل 1 باللغة العربية على مانجا تايم.

شعر تشاو رين بثقل التوقعات. ودّعه أهله للتو برفقة العم تاي لكي يُقبَل في طائفة السيف السماوي. وكان عليه وحده أن يرققى إلى مستوى ثروة أسلافه وشهرتهم وقوتهم. ينتمي رين إلى عائلة تشاو. وهي عائلة مزارعين متراجعة لم تنجب موهبة تُذكر طوال قرون عديدة إلى أن ظهر هو. ولم يكُن حتى مؤهلاً إلا بالكاد. لم يكُن موهبة كبرى قط ناهيك عن أن يكون موهبة جيل كامل. لكنهم عاملونه على هذا الأساس. علّق عشيرته بأسرها آمالهم الأخيرة عليه لأنهم لم يملكوا تكلفة رعاية جيل جديد إضافي أو جيلين. وحتى أولئك الذين كانوا يمارسون الزراعة بالفعل بالكاد امتلكوا ما يكفي من ثروة ليرسلوها إلى ديارهم. منذ ولادته وهو يُغذَّى بالأعشاب النافعة وينام في تشكيلات تجمع طاقة تشي أو يتعاقب عرّافو دجل على إعلان أنه الشخص الذي سيقلب حظ عائلته رأساً على عقب. وجد سببان اثنان فقط جعلاه لا يتحول إلى شاب مستهتر أو سيد شاب متكبر. تمثل السبب الأول في حقيقة أن الموارد الموجهة إليه قد تضاءلت تدريجياً عبر السنين لتتوقف تماماً عندما اقترب من العمر الأمثل الذي يستطيع فيه بدء الزراعة. أدرك رين بحلول ذلك الوقت أن عائلة تشاو تشبه في جوهرها أي عائلة تجارية غنية إلى حد ما لكنها ذات تاريخ عريق. كان ممتناً بصراحة لدعمهم حتى تلك اللحظة. غير أن عبء توقعات عائلته الميؤوسة بدا أثقل حين أدرك عجزه عن تلبية طموحاتهم. تمثل السبب الثاني في صديقة طفولته من عائلة سي وهي شيوة يوان. والتي كانت الموهبة الحقيقية بحق. لقد كان من سوء حظه أو حظه السعيد ربما أن أسلافهما كانا صديقين. وبقيت عائلة سي آخر العائلات التي تكبدت عناء التفاعل مع سفينة عائلة تشاو الغارقة. وكان العيش بالقرب منها يعني معرفة الموهبة الحقيقية. وقد أُصيب رين الذي شارف أن يشير بأنفه إلى السماء للأبد بخيبة أمل وتواضع. فكُبح غروره نهائياً إثر حادثة معينة. رسم ابتسامة زائفة وكل ثقة عبقري سماوي وودّع عائلته التي كانت تقيم للتو احتفالاً لوداعه هو وعمه. لم يستطع تحطم أحلامهم وآمل أن ينجح حقاً أو أن يصيبه مكروه فظيع لا يمكن توقعه ليعفيه من واجباته. وإلى جانب كل تلك التوقعات شعر بذنب أكبر بسبب أفكاره اليائسة. لاحظ العم تاي وهو بالغ محنك جداً حالته المزاجية فحاول التخفيف عنه وزوده بأبرز معالم طائفة الزراعة التي قد تقوده نحو الخلود. قال: "بعد أن يختبروا قدراتكم ستعيشون بمفردكم تماماً في كوخ بينما تديرون قطعة أرض. أعلم أنه أمر غريب بعض الشيء لكن تعاليم المؤسسين تقول إن تحمل المسؤولية قد يساعدكم في تحقيق إمكاناتكم الحقيقية. رغم أنهم يتركون لكم حرية اختيار طريقة إدارة منازلكم". "يزرع معظم التلاميذ الأعشاب لكن بعضهم يستخدمها مساحة لورشة عمل أو مندان او يستغلها في ممارسة التشكيلات أو يزرع طعاماً ومنهم من يتركها بواراً. لا تخبروا الآخرين لكن الشيوخ يراقبون من حسن استغلال هذه الفرصة". سألت: "ماذا أفعل بالمال يا عمي؟ هذه العملة التي أعطاني إياها أبي تُستخدَم في العالم البشري فقط". أجاب: "بما أن عائلتنا لم تعد قادرة على إرسال الأموال فاحرص على إيجاد طرق لكسب نقاط المساهمة التي يمكنك استبدالها بأحجار الروح. ويمكن استخدام طاقة تشي التي تحتوي عليها تلك الأحجار في الزراعة أو تُستخدم الأحجار نفسها عملة للموارد". "كن ذكياً ويمكنك إيجاد سبل صغيرة للربح. أنا أكتسب حالياً بعض نقاط المساهمة لجلب مجندين محتملين للطائفة". شكرته على نصيحته لكنني سألت: "هل نحصل على مهام أخرى غير إدارة الأرض؟" ضحك وقال: "بالطبع الأصحاب الأكثر موهبة يمنحون الأولوية للمهام الأخرى التي توفر أكبر قدر من نقاط المساهمة. أنا أستأجر بعض التلاميذ الأفقر لإدارتها نيابة عني عندما أفضّل صوت الوحوش أو أضطر للسفر خارج الطائفة". أثناء رحلتهما عرّفه العم تاي على بعض المهارات الأكثر عمليّة التي يحتاجها المزارع والتي كان معظم أفراد عائلته ليحتقروها باعتبارها أعمالاً حقيرة مثل كيفية نصب المخيم والطبخ على نار المخيم. فحتى بوصفه السيد الشاب لعائلة متراجعة لم يضطر قط للعناية بنفسه وكان ممتناً لعمه لعدم مبالغته في الضحك عندما أحرق أول سمكة اصطادها. السمكة الأولى التي استغرقت منه وقتاً طابَق الوقت الذي استغرقه العم تاي لصيد أربع سمكات. فقد سيّدي على صيد الوحوش والمبارزة لا صيد الأسماك بعد كل شيء. شعر رين بإحراج شديد لكن عمه أشار إلى أن ارتكاب ذلك الخطأ سيساعده على التعلم وكان محقاً. بدت السمكة الثانية أشبه بلوح مجفف وكانت تحوي من الملح ما يكفي خنزيراً مملاحاً لكنها ظلت صالحة للأكل في نهاية المطاف. لم يجبر رين على تناولها. ولكن حين لم يعرض عليه شيئاً من طعامه منع غرور رين الضئيل وإن وجد من طلب حصة عمه. وسيركز انتباهه على الطبخ بشكل أكبر في المستقبل قطعاً. التقط عمه في طريقه إلى الطائفة ثلاثة مجندين آخرين من مدن وقرى أخرى. وأصبحت الدروس أكثر عمومية لتجنب إظهار المحاباة الواضحة. ورغم كل ذلك كان يتعلم الكثير. وقد سرّ رؤية سلاسل الجبال الشاهقة بشكل مذهل والتي كانت موطناً لطائفة السيف السماوي بعد ما يقرب من ثلاثة أسابيع من السفر. فاجأ حجم المكان رين عند الاقتراب من البوابات لاستمرارهم في السير ساعات أخرى بعد رؤية المدخل أول مرة. كانت البوابات ضخمة بحق ومصنوعة بإتقان مع نقش عبارة "السيف السماوي" عليها بضربات قوية. أصابه مجرد النظر إليها بالدوار واضطر لتحويل نظره عنها. أرشد عم رين المجندين المحتملين إلى الحراس بملابسهم المدرعة المبهرة وقدم يشم تعريفه. ورغم علمه بوجوب الترحيب بهم إلا أن نظرة الحارس الثاقبة أصابته بالتوتر. أمام خطوات تمتد نحو السحب في الأمام. ونُقشت عبارة على مقدمة كل درجة. وقبل أن يبدأوا الصعود التفت العم تاي إليهم جميعاً. قال: "هذه فرصة لا تتكرر إلا مرة في العمر. لا يمكنكم صعود هذه الدرجات للمرة الأولى إلا مرة واحدة. فلا تضيعوها". استغرق الأمر من رين ثانية ليدرك مغزى كلامه لكنه كان قد استدار وبدأ مسيره. التفت رين إلى الدرجة الأولى ونُقش عليها "خالد". لم تصبه بالدوار كالبوابات فعدّ ذلك فأل خير وتبعه. وحاول جاهداً استيعاب كل حرف لكن بعضها استصعب تذكره أو حمل معاني أعظم لم يدركها فوراً. ورأى عمه متقدماً بنحو مئة خطوة ويزداد ابتعاداً فأسرع للحاق به. تذكر كلمات عمه بعد بضع خطوات وتوقف. "ماذا لو تقدم في الصعود؟ لقد فعل ذلك بلا شك عدد لا يحوك من المرات. وكما قال هذه مرتي الأولى وعليّ الاستمتاع بها". شعر إثر ذلك بحرية طفيفة للتملي في كل درجة أثناء صعوده. وكان رفقاؤه في السفر قد تقدموا منذ زمن بعيد. شعر بعد مئتي خطوة بدخوله حالة تشبه التأمل تقريباً وبدأ يفهم المغزى. لقد كانت دروساً. تتحدث عن أخطاء ارتكبت وكنوز حيزت. وتروي عن رفقاء وُجدوا وفُقدوا. وعن نقاء الداو والحرية التي يمنحها السيف من قيود العالم. وذكرت أموراً كثيرة أيضاً. أمور أحسها لكنه بالكاد استوعبها. شكّل تعثره وإدراكه صعوده الدرجة الأخيرة صدمة له. التفت ورأى خلفه سحباً تخفي عدد الدرجات التي صعدها. استدار في ذهول نحو عمه الذي كان ينتظره بصبر. قال: "أنا فخور بك يا صغيري رين. آمل أن تكون قد تعلمت شيئاً من هذه التجربة". ثم استدار وقاد رين إلى بوابة ضخمة أخرى. رأى رين الحروف المنقوشة على البوابة في ذهول. لمح عبارة "زراعة الخلود" ثانية قبل أن يضطر لتحويل نظره مرة أخرى. وهناك في منطقة صغيرة انتظر رجل في منتصف العمر يمكن وصفه بأنه ممتلئ الجسم أو ربما راسخ كالجبل دون إساءة. واصطف أمامه حشد صغير من أصحاب الأمل الآخرين فانضم إليهم. ومال لمراقبة ما يحدث فرأى يدي الشيخ المكتنزتين تحيطان بمعصم الشاب أمامه ويعلن: "عمر العظم خمسة عشر عاماً جذور الروح من المرتبة الرابعة تصريح الطائفة الخارجية". عرف رين مسبقاً من تعليمه أن جذور الروح من المرتبة الرابعة هي أسوأ جذور روح يمكن امتلاكها. وبما أن المزارعين يجذبون نفس النوع من طاقة تشي عبر جذورهم فإن من يملكون مزيجاً من الأنواع الخمسة سيكونون الأقل كفاءة. تشير المرتبة الرابعة إلى مزيج من أربعة إلى خمسة أنواع ومعظم المزارعين ذوي تلك الجذور لا يتجاوزون المرحلة الأولى من جمع طاقة تشي قط أو يستغرقون وقتاً طويلاً يفوتهم فيه العمر المثالي للزراعة. من خلال ما لاحظه رين من المتقدمين أمامه كان التلاميذ حتى سن السابعة عشرة مقبولين وكانت جذور الروح ضرورية. ومن بلا جذور رسبوا فوراً. ورأى بعض من ارتدوا ملابس الفلاحين ينظرون بقدر متساوٍ من الأمل والرعب. وربما جهلوا مستقبلهم. عدّ رين نفسه محظوظاً من هذه الناحية إذ قيست جذوره كل عام حتى تأكد امتلاكه جذور روح من المرتبة الثالثة مما يعني مزيجاً من ثلاثة جذور روح. وكان جذره من التراب والمعدن والخشب. وكان الأمل قائماً في بلوغه المرحلة الثانية تأسيس الأساس أو حتى المرحلة الثالثة تشكيل النواة التي تُعد بداية الزراعة وبالتالي الحد الأدنى المتوقع من عائلته. عرف رين مسبقاً ضآلة فرص وصول جذور الروح من المرتبة الثالثة إلى تلك المرحلة لكن ذلك لم يثنهم. غطت يدا الشيخ المكتنزتنان أكثر من نصف ساعده عند مجيء دوره وأعلن تماماً ما عرفه. "عمر العظم أربعة عشر عاماً جذور روح من المرتبة الثالثة للتراب والمعدن والخشب. تصريح الطائفة الخارجية". علت بعض التمتمات لكن أحداً لم يلتقط أنفاسه دهشة رغم أنه أول العابرين بجذور المرتبة الثالثة. شعر رين بأذى طفيف رغم توقع الأمر. وتساأءل عمن يتفوق عليه أثناء عبوره. اقترب من العم تاي وسأله. ابتسم ابتسامة خفيفة تلاشت سريعاً وأجاب: "أنت تلميذ في طائفة السيف السماوي الآن. وإن كنت ستصبح مستقلاً فيجب أن يبدأ ذلك الآن. لقد قدمت لك كل المساعدة الواجبة. وستتولى قاعة التسجيل تلبية احتياجاتك. سنفترق هنا. لا تقترب مني إلا إذا تعرضت حياتك لخطر من أمور خارجة عن إرادتك تماماً. وإلا فاعلم أنني سأردك. أو يمكنك الاقتراب من ابن عمك الأكبر بمجرد دخولك الطائفة الداخلية". فاجأ الأمر رين لكنه أدرك أن عمه لا يمزح هنا. وراقب ظهر الرجل الذي شكل مدخله العملي لع عالم الزراعة وربما ملاذه الآمن الأخير وهو يبتعد. عاد رين إلى حشد التلاميذ المقبولين الذي تراجع كثيراً وهو يشعر بكآبة طفيفة. لكنه نفضها سريعاً لإثارته البالغة بشأن صيرورته تلميذاً جديداً في طائفة السيف السماوي. سأل رين أحد التلاميذ عما إذا كانوا يعرفون هوية الموهبة الجديدة المبهرة التي تتمتع بأصول أروع من أصوله. "إنه رفيق يُدعى جيان فنغ من المرتبة الثانية بجذور مزدوجة للنار والمعدن. لقد صدم الجميع ولم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره! وأعلن الشيخ أنه تلميذ للطائفة الداخلية مباشرة. أود التقرب منه لكنني لا أظنه سيقبلني حتى تابعاً". نظر إليه رين مندهشاً من كلماته. لقد بدا صبياً أكبر سناً بوضوح. "أتقبل صبياً أصغر سناً رئيساً لك بناءً على جذور روحه فقط؟" ابتسم الفتى الأكبر سناً والأضخم جسداً بمرارة وقال: "أنا في السابعة عشرة من عمري بجذور من المرتبة الرابعة. أربعة أنواع بلا معدن. وأتساءل إلى أي مدى يمكنني المضي قدماً دون شجرة كبيرة توفر لي الظل". أومأ رين فهماً وعلم أن اسمه باو هوا من قرية الحقول الخضراء. وعرّف عن نفسه بأدب. تلفت وحولاً ورأى أن عدداً غير قليل جهل ما ينتظرهم. وقد علم رين أن الخطوة التالية هي قاعة التسجيل لكن الشيخ المكتنز لم يتكبد عناء إخبارهم بذلك بوضوح وربما سيفعل بعد الانتهاء من اختبار الصف الذي بدا أنه يتزايد باستمرار. أشفق رين عليهم وقال بصوت عالٍ: "علينا التوجه إلى قاعة التسجيل الآن على الأرجح. سيمنحوننا تعريف الطائفة ويخصصون لنا مكاناً للعيش. يفترض أن يكون هناك". قاد الطريق عقب قوله ذلك وتبعته الغالبية العظمى وهم يهمهمون بكلمات الامتنان. طابق باو هوا خطاه وقال: "كان تصرفك لطيفاً بإرشادنا. لقد رأيت بعض ذوي المظهر الثري يتجهون في هذا الاتجاه سابقاً لكني لم أكن متأكداً من سبب مغادرتهم أو ما إذا كان عليّ اتباعهم". ابتسم رين وقال: "كان هذا الشيخ سيجعلنا ننتظر ساعات قبل أن يشير إلى الطريق. لم أستطيع ترككم ترتجفون في هواء الجبل حتى تتجمدوا!" اقتربوا من القاعة بعد قليل وأخذ رين الزمام للاقتراب من السيدة الأكبر سناً التي بدا مظهرها غير ودود خلف المكتب. "تحياتي أيها الكبيرة. نحن تلاميذ الطائفة الجدد ونبحث عن هوياتنا ومساكننا". تفحصته من أعلى لترأس ورأت الثياب النظيفة ثم الحشد خلفها وقالت بصوت محايد: "تجمعوا كلكم. لا رغبة لي بتكرار كلامي. اصطفوا وضعوا أيديكم فوق هذا التشكيل". تحدثت السيدة دون انقطاع أثناء قيام رين بذلك. "ستُخصص لكم قطعة أرض في فنائكم. أديروها كيف شئتم. وستُزوّدون بحجري روح وحبة تعزيز طشي واحدة شهرياً. وستحصلون طوال الشهر الأول حصراً على خمسة أحجار روح وهي العملة الوحيدة المقبولة. ويمكنكم الذهاب إلى قاعة التعلم لتلقي الدروس أو الوصول إلى مكتبة الطائفة وقاعة الأسفار للحصول على أسلوب زراعة وقاعة المساهمة لتولي مهام تكسبكم نقاط مساهمة. وتُستخدَم هذه النقاط لدخول دروس خاصة وشراء أغراض. والأمر متروك لكم لصنع مصيركم". توقف التشكيل عن التوهج تحت يدي رين بحلول وقت انتهائها. أخرجت السيدة خلف المكتب قطعة يشم من مكان مخفي بالأسفل وسلمتها مع كيس صغير. "قطعة اليشم هذه هي يشم تعريفك. وستهديك إلى قطعتك. وتحتوي أيضاً على مبادئ الطائفة الأساسية. احرص على تعلمها وطاعتها. التالي!" أدرك رين ابتعاده أنه لم يخبره بكيفية قراءة اليشم. وكان من حسن حظه معرفته بضرورة الإمساك به والتركيز عليه. وستتبع طاقة تشي الطبيعية في جسده عقله وتربطه به. وشعر باندفاع معلومات إلى عقله. ولم يستطع تمييز سوى أمر واحد يقيناً: طريق منزله الجديد. وبدا الباقي كضباب وسيتطلب جهداً أتم. وانضم إليه باو هوا بحلول ذلك الوقت وبدا في أقصى درجات الارتباك. قال رين مستنكراً موظفة الاستقبال في قرارة نفسه بصوت عالٍ قليلاً لمصلحة الحاضرين في الجوار: "أمسك به في كفيك وركز عليه فقط. ينبغي أن تظهر المعلومات في عقلك". نظر إليه معظم التلاميذ الجدد الواقفين في الصف بامتنان. شعر رين بأداء واجبه فودعهم متجهاً للخارج. وأدرك بعد دقائق استمرار باو هوا في تذيله. توقف ليسمح له باللحاق وقال: "أنسير في الاتجاه نفسه أيها الصديق؟ لنتمشَ معاً". بدا باو هوا مرتاحاً للغاية وهو يبدأ السير بجانبه. "أنت شخص طيب حقاً! أعلم امتلاكي جذوراً من المرتبة الرابعة وعدم تقديمي للكثير ربما. لكن يمكنك الاعتماد عليّ في أي مساعدة تحتاجها. طالما ردد والداي أن من يساعدون دون ابتغاء أجر هم أناس أطياب". شعر رين بإحراج طفيف لكنه سرّ بالصحبة. ورغم علمه بأمور كثيرة من تدريب عائلته وتلقيه نصائح مفيدة جداً من عمه إلا أنها كانت المرة الأولى التي يصبح فيها بمفرده وكان مسروراً بالصحبة. وبما أنهم ذهبوا للتسجيل الواحد تلو الآخر فقد بدا أنهم سيكونون جيران. وكان إظهار اللطف للجيران أمراً مجدياً على الدوام. وعلم رين أثناء مشيهما أن باو هوا كان متوتراً ويميل إلى كثرة الكلام. وبحلول الوقت الذي اجتازا فيه المباني الضخمة والحشود ووصلا إلى الجبال السفلية النائية التي أرشدهم إليها مرشدوهم، تعلم الكثير عن حياة الفلاحين وعبء كون المرء الابن الأكبر في عائلة كبيرة. ورغم أن باو هوا جعل العناية بالمزارع أو قطعان الأبقار أو إخوته الصغار تبدو مملة للغاية، إلا أن ابتسامة متفكرة ظلت مرسومة على وجهه أثناء حديثه. وأخبر ذلك وحده رين أن الفتى الأكبر كان يفتقد وطنه. ربما سيّدي رين سيداً شاباً لكنه تعلم منذ زمن بعيد امتلاك كل شخص حياة خاصة يفتخر بها. لا يضر إبداء القليل من اللطف أحداً بل يجعلهم ممتنين للغاية حين يهتم بهم. طرد إخوة رين خدمهم في الغالب لكنهم انجذبوا إليه فقط لمعرفته حدوده وبدو تواضعاً مقارنة بهم. وجدا عند بلوغهما وجهتهما أنهما جيران بالفعل. وقال له باو هوا: "لنكن طيبين لبعضنا. يمكنك الاعتماد عليّ للمساعدة في أي وقت أيها الجار" قبل التوجه إلى مكانه. ضمّت قطعة أرض رين الصغيرة جداراً قصيراً يحددها وبدت كفناء صغير مع كوخ حجري ضئيل بدا وكأنه على وشك الانهيار في أي لحظة. وحُوّل مجرى ينبوع صغير أعلى الجبل لتوفير المياه. توقف لدقيقة وتذكر صغرها بالنسبة له مقارنة بمنزل أسلافه رغم اعتبارها حقلًا كبيراً لفلاح على الأرجح. أخذ نفساً عميقاً ودخل. كان الكوخ ضئيلاً حقاً واحتوى على سرير نقال ومنصة مرتفعة للتأمل ومنطقة تخزين صغيرة مع بعض الأواني. وخلا الكوخ الصغير المقفر من أي شيء آخر. وأطلق رين تنهيدة قصيرة قبل أن يدرك تشابهه الكبير مع التخييم ليشعر بامتنان أكبر لعمه على تعريفه بالأصول. اقترب وقت غروب الشمس وتضمن التخزين طعاماً يكفي أسبوعاً تقريباً مع قدر حديدي واحد للطبخ. شرع رين في إشعال النار وطبخ وجبة ليلته. وأثناء جلوسه أمام القدر المتبقبق نظر إلى النجوم في الأعلى وشعر ببهجة الإعجاب بالنجوم بدلاً من الشعور بعدم ارتياح إعداد وجبته البسيطة البسيطة في الخارج والسرير غير المريح بالمرة الذي سيتعين عليه النوم عليه. لقد وضعت الأمور في نصابها الصحيح بلا شك. ولم يستطع منع شعوره بشيء من الحرية. لا أحد هنا سواه. لا خدام ولا والدون متكبرون ولا عمات أو أعمال مغرورون ولا أبناء عمومة غيورون. سواه وحده. نقل سريره الصغير إلى الخارج في نزوة ووضع فراش التخييم عليه وقرر النوم تحت النجوم رغم برودة الجو. يومه الأول رجلاً مستقلاً ومزارعاً في طائفة السيف السماوي. بدا الأمر مميزاً. ووجد صعوبة في النوم تلك الليلة لكن ذلك لم يكن له صلة بالبرد.