التقى رين في وقت متأخر من تلك الليلة بباو هوا الذي غادر غرف العلاج. وجدا مي لينغ وخرجا للاحتفال بانتصارها ومناقشة خصمها القادم. ستواجه جيان فينغ في الدور نصف النهائي. أمدّها باو هوا بما استطاع جمعه من تفاصيل لكن حصيلته كانت شحيحة. تطرق رين أيضاً إلى تقنيات تشي بينغ وغرائبه تحسباً لمواجهته في النهائيات. بعد الفراغ من تقديم النصائح استقروا لتناول وجبات خفيفه ومشروبات.
بدا هوا محبطاً بشكل ملحوظ فحاول رين التخفيف عنه.
قال: "من بين مئات التلاميذ بلغنا أفضل سته عشر! ناهيك عن أننا لم نكن حتى في الطبقة السادسة. ينبغي أن نفخر ببلوغ هذا المدى. وسننافس في المرة القادمة في الفئة العليا ونفوز هناك!"
انتعش هوا عند سماع ذلك.
قال: "هذا صحيح! لقد أبلينا بلاء حسناً. وسنتدرب بجد ونفوز في المرة القادمة يقيناً!"
قال رين: "تعلم أننا سننال جوائز بسيطة لبلوغنا هذه المرحلة أليس كذلك؟ هذا يدعو للاحتفال أيضاً. وحين تنتفصر مي Ling غداً يمكنها دعوتنا على وجبة فاخرة للغاية."
قاطع هوا قائلاً: "سمعت أن دجاج الجمر يتمتع بأطرى نكهة!"
ضحكت مي لينغ قائلة: "سأثأر لكما غداً. يمكنكما تبجيلي مقدماً."
صاح رين: "أوه، أمتلك عينين لكني عجزت عن التعرف على جبل تاي!"
سارع هوا للتعقيب مدعياً: "مواجهة مي لينغ في المعركة هي مغازلة للموت!"
رمقتهما مي لينغ بدهشة لبرهة ثم استغرق الجميع في ضحك صاخب.
كان الجو أكثر توتراً في اليوم التالي. وصل عدد أكبر من الشيوخ لمشاهدة خاتمة البطولة. صار الذين تنافسوا بالأمس يهتفون لمن هزموهم. بدأت النزالات لكن في الحلبة الرئيسية هذه المرة وبنزال واحد في كل مرة. جمع رين وهوا بقية زملائهما ليهتفوا لمي لين. لم تعانِ من شح المعجبين بوصفها ممارسة قوية وفتاة ساحرة. طمحت الفتيات الأخريات لكنهنّ تحيّرن بينها وبين جيان فينغ الذي حاز مكاناً في قلوبهنّ.
اندفع الشبان الذين أكلهم الحسد بسبب كل هذا الاهتمام الذي ناله جيان فينغ ليهتفوا لمي لين بصوت أعلى. بدأت نزالها عندما حان دورها ملوّحة بسوطها في الهواء. أخفت ضوضاء الحشد صدى سوط كرمة الأشباح المخيف عادة، لكن رين عرف أن جيان فينغ سيسمعه قطعاً. استعد جيداً لمواجهتها على ما يبدو وأخرج تعويذة ففعّلها. أطلقت كتلة ضخمة من التراب وانطلقت نحوها. كظم رين غيظه مقرّراً أنها تكتيك جيّد.
اتسم السوط بالخفة والرشونة، لكنّ كتلة التراب الضخمة واللاصقة ستثقله. تفاعلت مي لين بسرعة ورقصت مبتعدة، لكن سلاحها تعرض لخدش. علق تراب كثيف شبيه بالطين بسوطها فأبطأ حركته. واصلت الحركة غير مبالية وضربه في الوقت ذاته. توقع جيان فينغ الأمر وحاول دخول نطاق الضرب. كان الاثنان مقاتلين خبرين بوضوح وبدآ يتبادلان الضربات بعنف. حاولة مي لين الحفاظ على مسافتها بينما حاول جيان فينغ صد سوطها بنصله والاقتراب.
جن جنون الحشد لهذا النزال الممتع على غير عادة. لم يصنَع جيان فينغ إحباطاً. بدا كمن يلعب لعبة النفس الطويل بصبر. حافظ على حركات صغيرة وتجنب الضربات في كثير من الأحيان بفارق شعرة. اضطرت مي لين في المقابل للقيام بحركات معقدة للحفاظ على مسافتها والبقاء في وضع الهجوم. انتهز جيان فينغ فرصته أخيراً واستخدم تقنية بعيدة المدى. أصدر نصله شفرة نارية أُطلقت نحو مي لين. تفاجأت فردت الفعل ببطء نفس.
استغل جيان فينغ تفوقه فوراً وصار سيفه مجرد ضباب. اضطر رين إلى الاعتراف بمهارته رغم غروره كله. خسرت مي لين أرضيتها ببطء ووجدت نفسها أمام رأس سيف أخيراً. هلّل الحشد استحساناً لنزال خيض ببراعة. كان جيان فينغ في طريقه للتقدم إلى الجولة النهائية. نظر رين وهوا أحدهما إلى الآخر ثم توجها نحو المخرج لتهدئة مي لين. لم تُصب بأذى، لكنها بدت مرهقة حقاً.
بدأت تقول "يؤسفني أنني لم..."
لكنهما قاطعاها قائلين "لقد قاتلت جيداً"
و"بذلت أقصى جهدك".
سحباها دونه أي كلام إضافي لتشاهد بقية النزالات. خيض النهائي بين جيان فينغ وتشي بينغ. كان متقارباً لكن تشي بينغ أثبت أنه المقاتل الأفضل. ظن رين أن السبب يكمن في إلمامه واعداده الأفضل لأنه لم يرف له جفن أمام التعويذات التي ألقاها جيان فينغ بل واجهها بتقنيات التشي. مع ذلك، اكتسب جيان فينغ شعبية جارفة بوصفه نجماً صاعداً بفضل البطولة. جاءت بعد ذلك نزالات الفئة العليا.
أدرك رين في تلك اللحظة مدى كبح النخب لقواها. كانت النزالات شرسة وقوية فوق العادة. بالكاد تمكّن رين من تمييز بعض التقنية رغم كل قراءاته. سمع طقطقة عضلات الشيخ تشون وي وأنينها حتى فوق صخب الحشد أثناء نزاله ضد السيدة ژين بينغ.
ربما كانت تقنية تعزيز الجسد "زئير النمر القاني".
عُرفت بإخراج القوة المدفونة في العضلات لتمكينها من القتال خارج الحدود المعروفة. تمثّل رد السيدة ژين بينغ على مثل هذه التقنية في تقنية تنفس جليدي قوية بشكل لا يصدق لم يستطع رين تحديدها. أبطأت حركات تشون وي وسمحت للسيدة بينغ بإسالة الدماء من عدة جروح عميقة. اضطرت تشون وي للاستسلام بعد أن قيّدت حركتها بهجومها الخادع والسريع. أخرج شيخ كسي ياو سيفاً طائراً أثناء نزاله.
استخدمه ببراعة متساوية في القتال القريب والبعيد على حد سواء. قرر خصمه الاعتماد على التشكيلات وألقى برايات مصفوفة ليحاول السيطرة على الحلبة. عجزت عن مقارعة سبار متقدّم وسيف طائر معاً رغم أقصى جهودها فاضطرت للاستسلام. أبدى الحشد حماساً لا يحيط به شك تجاه النصر الحاسم تماماً مثل النصر بفارق ضئيلة. عجز رين شخصياً عن محو صور هيمنة السيف القاسية على النزال من عقله. جلب ذلك الكثير من ذكريات أخت كسي ياو، كسي يوان.
ما زالت أصوات اليأس المتاوجة متجذرة بعمق في قلب رين. أول حالة شفقة وندم لا تقبل الدبح تتذكرها ذاكرته. كان النزال النهائي بين النخبتين الفريدتين مذهلاً. خصص رين لحظة لمراقبة ردود فعل شيوخ الطائفة. بدا عليهم التأثر والفخر معاً. ستكسب هذه القوى المستقبلية لطائفة سيف السماء مجداً وشهرة حتميين. اعتُبر كسي ياو المنتصر النهائي رغم أن العديد من الحركات فاقت قدرة رين على إدراكها.
لا تُنسى وقفته المنتصرة ويعلوه سيف طائر. هلّل الجميع بفخر في النهاية. لم يتردد الشيوخ في إعلان جائزة حبة تأسيس الأساس عالية الجودة إلى جانب العديد من حبوب تعزيز التشي ذات القوة التي لا تصدق. مُنحت ژين بينغ وتشي بينغ وغيرهما بعدهم نباتات طبية معززة للتشي وحجر روح وحيد عالي الجودة. ومُنح الفائزون بالجوائز الأدنى الذين نالوا الاستحسان بما فيهم ژاو رين أحجار روح متوسطة الدرجة تعادل قيمة مئة حجر روح عادي.
لم يسع رين سوى حسد الفائزين وأحجار روحهم عالية الجودة التي تعادل مئة ضعف جائزته. لكن أكل القوي للضعيف ظاهرة راسخة. بدا عقد العزم في القلب على الاكتفاء بجائزته الخاصة أصعب وأسهل مما تخيل بكثير. أخذت نائبة زعيم الطائفة لحظة لتخاطب الطائفة الخارجية بعد أن أنهت توزيع الجوائز.
"أحسنتم صنعاً جميعاً. لقد أظهرتم قدراتكم وحافظتم على ماء وجه طائفتنا. أنا متأكدة أن الذين أخفقوا في الفوز هذه المرة سيسعون جاهدين للفوز في المرة القادمة. ولدي إعلان سعيد لكم جميعاً بهذا الصدد".
انتظر الجميع حكمها بشغف. بدا الكثيرون غير صبورين إذ بدت لديهم فكرة عما سيُعلن.
"أنا متأكدة أن الكثيرين منكم قد سمعوا بالحادثة غير العادية في جبالنا الجنوبية. إن موجات الوحوش المتواصلة علامة. أعلن بطريركنا أنه ليس مجرد كنز يحثها على الحركة".
"اعلموا أنها فرصة لكم جميعاً. إنها محاكمة وفرصة لنجاح عظيم أو هلاك خطير. لكن هذه الفرصة ليست لكم وحدكم، إذ ستشاركنا طوائفنا المتحالفة في محاكمة الإرث هذه أيضاً".
"ستزورنا طائفة النور الذهبي وطائفة الآلات السماوية خلال فترة عام واحد فقط عندما تفتح محاكمة الإرث هذه. وستكون هناك بطولة كبرى بين الطوائف تفوق كل ما تتخيلونه. لذا استعدوا جيداً لهذه الفرصة إذ ستتيح للمشاركين فرصة كسب جوائز تفوق جوائز اليوم بكثير".
أدى إعلانها إلى مستوى غير مسبوق من الحماس. طالما سمع ژاو رين شائعات عن نشاط غريب في جبال الجنوبية لكنه لم يتخيل قط ارتباطه بإرث ممارس. كانت تلك بلا شك فرصاً لتقدم ومخاطرة عظيمين. تحدث صديقه هو يان عن شيخ صقيع القمر الذي تسبب في كارثة الطائفة منذ قرون عديدة، لكنه لم يجسر على الحلم بأن الأسطورة متجذرة في شيء حقيقي. غير أن عاماً كاملاً وقت طويل. يستطيع رين بلوغ ذروة عالم تجمع التشي بحلول ذلك الوقت وفقاً لتقديراته المتواضعة.
ستمنح البطولة بين الطوائف جوائز أكبر قطعا من تلك التي وُزعت اليوم. آمن بنفسه رغم أنه لم يستمتع بفرصة مقاتلة خصوم بقوة مجهولة. حسب ما سمع، عليه فقط هزيمة بعض الرهبان والحرفيين. لم يحرم داوه الشخصي هكذا تنافساً إن أتاح له فرصة نيل إرث. تساءل عما إذا كان يستطيع صنع إرث وترك محاكمة ضمنه، وهو ما بدا أكثر جاذبية له. امتلك بالفعل بعض الأفكار حول التحديات ولم يحتاج للانتظار حتى الإرث.
هذه فرصة لمزيد من اختبار داوه الخاص به، ورين ليس ممن يضيعون مثل هذه الفرصة الثمينة. لم يستطع سوى التغلب بالحماس للأيام القادمة فجأة.
لاحظ الشيوخ المشرفون على البطولة مواهب كثيرة تستحق الرعاية. تنافس القليل منهم على الفائزين بصفتهم تلاميذ محتملين بينما بقى معظمهم بلا حراك. غير أن أحد الشيوخ استهواه تلميذ لم يفشل ولم يتألق. لم يكن جديراً بعد لكن شيئاً غامضاً كان يكتنفه. لن يُتخذ أي قرار الآن وسيحظى بمراقبة دقيقة.