شعر تشاو رين ببقايا نشوة النصر، وانسحب متعباً من على المنصة. أصابته بضعة جروح، لكنها لم تكن بالخطيرة. أحجم عن إزعاج المعالجين لإصابات طفيفة كهذه، فأخرج حبّة شفاء صغيرة أعدّها لمثل هذا الموقف. سرت طاقة دافئة في جسده، فبعثت النشاط في عضلاته المنهكة وأغلقت الجروح والخدوش ببطء. لم تكن حبّة شديدة الفعالية، وكان مفعولها سيستغرق وقتاً. لم يخفت حماسه، فانطلق يبحث عما إذا كان أصدقاؤه قد تأهلوا أيضاً.
رأى باو هوا قادماً في اتجاهه من جهة نزاله الخاص.
"باو هوا، إلى هنا! كيف جرت الأمور؟ هل فزت؟"
لم يكن رين بحاجة حتى للرد، فقد ظهرت ابتسامة عريضة على وجهه.
"هاهاه! بالطبع فزت! ألم يكن كل ذلك التدريب هساءً لو تعثرت هنا؟! أما أنت، فلم أكن أشك البتّة في أنك ستنجح!"
ضاحكين، تشابكا بالأذرع لتهنئة بعضهما ومضيا في البحث عن مي لينغ. وجدتهما بعد دقائق قليلة، إذ كانت قد لمحتهما مسبقاً. رمقاه نظرة استفسار.
"رأيت الجزء الأخير من نزالك يا تشاو رين. لقد قاتلت جيداً. لكن أتمنى ألا نتواجه حتى الجولة النهائية."
وما إن قالت ذلك حتى بدأت ابتسامة مشرقة ترتسم ببطء على وجهها! لقد بلغوا جميعاً الجولة التالية! ومنغمسين تماماً في أجواء البطولة، عادوا أدراجهم نحو المدرجات. ستكون هناك استراحة قصيرة قبل بدء فئة المقاتلين التالية، وكان رين يتوق لرؤية شكل قمة عالم تجمع التشي حين يتقاتلون بجدية. لم يكن رين معتاداً على المقامرة عادةً، لكن الأمر هان إن كان مع أصدقائه. استفسر وعلم أن الأكبر سناً شي ياو سيكون في المجموعة الأولى.
وسيتنافس عمه تاي في المجموعة الرابعة، وكانت الأكبر سناً تشون وي في المجموعة ذاتها أيضاً. واجه رين حيرة. كان ممتناً لهما، وود لو يفوز اثنها، لكن ولاءه الأول كان لعائلته. أنهى الأمر في النهاية باختيار أحدهما، راهن على فوز شي ياو بالبطولة. قررت مي لينغ المراهنة على شين بينغ، وهي مرشحة أخرى مفضلة للفوز. وعارضهما باو هوا ببساطة، مؤكداً أن أياً من هذين الاثنين لن يكون الفائز النهائي.
حجر روحي واحد لكل منهما، لكن رين عرف أن الفوز بهذين الحجريْن الروحيين سيجلب له سعادة أكبر من أي رهانات ضخمة. امتلأت الفئة العليا في الغالب بتلامذة الطبقة التاسعة من تجمع التشي، بينما قلّ عدد تلامذة الطبقتين السابعة والثمانية كثيراً. وكلما ارتقيت في الزراعة لبلوغ طبقات أعلى، صار تأثير كل طبقة أكثر أهمية. احتياطيات أطول من التشي، وتقنيات أقوى، وقدرة أكبر على التحمل بعد أن توسعت مسارات طاقاتهم إلى أقصى حد.
مع ذلك، كان هذا مجرد عالم الزراعة الأول، فلم تكن الفجوة عصية على المنال. إن كان أحدهم أكثر خبرة في القتال، أو فقد أحدهم تركيزه في اللحظة الحاسمة، أو تعرض حتى لكمين، أمكن انتزاع النصر. هذا ما عوّل عليه الكثيرون. وكان القتال الفوضوي ملائماً لهم بشكل خاص. للأسف، عرف رين أن هذا الاعتقاد مشوب بالخلل. قد يكون ممكناً تقنياً، لكن فقط ضد الممارس العادي الذي بلغ القمة. لا النخبة المختارة من عائلات الممارسين.
وحينها، كانت تلك الفرص معدومة. اشتروا سيخاً من اللحم وذهبوا لمشاهدة النزالات. اختلفت نزالات الفئة العليا اختلافاً جذرياً عن نزالاتهم. لم تكن التعاويذ مسموحة في هذه المرحلة، بل في المبارزات اللاحقة فقط، لكنهم لم يكونوا بحاجة إليها. لم يعتمدوا على الأسلحة وحدها، بل على تقنيات تشي أكثر ميتافيزيقية أيضاً. بدت النخبة واضحة فوراً وهي تطيح بمن حولها بسهولة خادعة. نادراً ما واجهوا تحدياً من فرد واحد، بل حوصروا من الجميع.
ورغم ذلك، شاهد رين سيف شي ياو الخاطف يسحقهم رغم عددهم. في زاوية أخرى، استخدم أحدهم تقنية لهب لإطلاق فلقات من النار. ومن اشتعلت فيه النار سُحب سريعاً إلى المعالجين. وفي وقت أقل مما يستغرقه احتراق عود بخور، تقلص العدد ليصل إلى الأربعة الأخيرين. كانت سيخا لحمهم في مكانها حيث توقفا، في منتصف الطريق إلى فميهما. أين كانت هذه العروض أثناء تدريبات النزال السابقة؟!
بجانبه، قال باو هوا بصوت خفيض: "أمامنا طريق طويل جداً حقاً".
هز رين رأسه، مفكراً في صديق طفولته شي يوان. أحياناً، لا يمكنك اللحاق بالركب أبداً. كان الفارق منذ ولادتهم عقبة ضخمة بالفعل، ناهيك عن موهبتهم السماوية. انتهت النزالات الأخرى بالسرعة ذاتها، وكما تمنا، نجح كل من الأكبر سناً تشون وي والعم تاي. وبالمثل، هيمنت شين بينغ على مجموعتها بلا مجهود. مع تبقي وقت قليل قبل نزالاتهم الخاصة، لم يتمكنوا حتى من معرفة أسماء منافسيهم إلا قبل دورهم بقليل.
وُزع المنافسون بحيث يواجه رين مي لينغ في نصف النهائي وباو هوا في النهائي. كان ممتناً لذلك، لكن بلوغهما هذا الحد بدا أمراً غير مؤكد. امتلكت مي لينغ فرصة مقبولة، إذ بلغت الطبقة السادسة ولم يبدو أي من خصومها شديد البأس. وتلقى باو هوا حظاً عاثراً تمثل في مواجهة جيان فينغ في الجولة الأولى مباشرة. تعرف رين إلى خصمه مو ينغ، الفتى الذي فاز بجائزة في الصف الأخير إلى جانب جيان فينغ.
فقد نجح هو الآخر في اختراق الطبقة السادسة، لكن رين شعر بأنه يمتلك فرصة مقبولة للفوز. لم استطع رؤية نزال باو هوا، إذ إنهما سيتقاتلان في الوقت ذاته. هدّأ رين أعصابه واقترب من المنصة. كان خصمه ينتظر بالفعل بابتسامة متغطرسة.
"هذا ليس تدريباً. لنرَ كيف تقاتل الآن"، سخر منه.
انحنى رين بهدوء كما تقتضي الأعراف قبل المبارزة، وقال: "علّمني من فضلك".
مع إشارة الحكم، سحب سيفه واتخذ وقفة دفاعية. كان يعرف كيف يقاتل مو ينغ. هجوم طائش بضربات ثقيلة. كانت قوية، لكن إن أمكن تحملها لفترة، فإنه ينفد من القوة سريعاً. وكما توقع، تقدم مو ينغ بضربات قاطعة قوية. عزّز رين سيفه بالتشي وصدها. كان واثقاً من قدرته على الصمود لفترة أطول منه وكان يتبع استراتيجيته حين باغته مو ينغ. رمى تعويذة لهب متفجرة، أشرقت لبرهة ثم انفجرت. وحتى بينما طار رين بفعل الانفجار، تذكر كيف فضّل مو ينغ استخدام المال لكل مشكلة.
حتى زراعته كانت مدعومة بالحجارة الروحية. والآن كان رين يدفع ثمن نسيانه لهذه التفاصيل الرئيسية. نجح في استعادة توازنه قبل أن يسقط، لكنه شعر بحروق تمتد على طول ساعديه. متجرعاً الألم، حاول معرفة مصدر الهجوم القادم مستخدماً حاسة العين الثالثة. ومما يدعو للدهشة، لم يكن هناك هجوم يستغل ضعفه. رفع نظره فرأى أن مو ينغ قد فوجئ بقوة تعويذته الخاصة وترك اللحظة تفلت منه. مرتاداً الفرصة المثالية، وجّه رين التشي إلى ساقيه، مفَعّلاً ثاني ورقاته الرابحة الخفية.
قفزة عابر الأرض. سمحت تقنية الحركة هذه بدفة سريعة من الحركة في اتجاه واحد. وبوثبة واحدة ظهر أمام الفتى، الذي كان يستعيد عافيته للتو، ونزع سلاحه قبل أن يضع سيفاً عند حنجرته. أعلن الحكم فوزه بحزم حتى بينما شاهد رين الإدراك والغضب يعبران وجه مو ينغ.
وقبل تلفظ أي كلمات أخرى، غمد رين سيفه سريعاً، وانحنى قائلاً: "شكراً لك على الإرشادات"، وابتعد.
مع استمرار خفقان قلبه في صدره، أمل أن تكون استجابته سريعة بما يكفي لتفادي نزاع مستقبلي. طرد الفكرة من ذهنه ومضى ليرى ما آلت إليه حال باو هوا. كان النزال التالي يجري بالفعل، فالتفت حوله ووجد صديقه في رعاية المعالجين. هرع إلى الأمام ليعرف ما حدث. كان صديقه يكبح وجهه ألماً لكنه بدا سليماً في الغالب. كانت هناك ضمادة تلف عضدده العلوي.
"لقد فاز".
عرف رين من يقصد، فلم ينبس بكلمة. كان من الصعب هزيمة جيان فينغ الذي تواجد في الطبقة السادسة لفترة أطول بكثير من أي فرد من دفعتهم.
"صمدت بصعوبة لحركات قليلة. لقد كان قوياً"، قال بصوت تبدو عليه خيبة الأمل.
ولأنه مر بمثل هذه الظروف بنفسه، عرف رين أن كلمات المواساة نادراً ما تجدي نفعاً، لذا اكتفى بالقول: "احرص على الفوز في المرة القادمة".
جلس رين معه قليلاً قبل أن يطرده المعالج. لقد قضى استراحته القصيرة ونزاله التالي حلّ قريباً.
تمنى له باو هوا التوفيق قائلاً: "لتتولّ السماوات أمرك، أخي رين".
اكتشف رين أن خصمه التالي هو ذاته من جولة القتال الفوضوي الذي سبب له كل ذلك العناء. بدا في الخامسة والعشرين من عمره تقريباً وامتلك مظهراً جهماً. هذه المرة، واجهه رين وحدَه، بلا فرصة للصيد في المياه العكرة، على عكس القتال الفوضوي. اقترب منه الرجل الأكبر سناً على المنصة، وانحنى الطرفان لبعضهما. وبصرف النظر عن قوته، لم يكن رين فكرة لديه عن طريقته في القتال، لذا سيعتمد الأمر كلياً على مهاراته.
سحبا سلاحيهما وبدآ. كان الرجل الأكبر يراقبه بحذر. وإدراكاً منه بأنه لن يستطيع الدفاع طويلاً، اختار رين الهجوم. استخدم كل حركة وحيلة عرفها لمباغتته، لكن الرجل بدا بوضوح مقاتلاً خبيراً. وبدأ يستغل قوته المتفوقة لإبعاد سيف رين. تقاتلا ذهاباً وإياباً لعدة تبادلات، واستطاع رين رؤية ما سيليه. وبعد حركتين، عوضاً عن مقاومة ضربة نزع السلاح، انحنى إلى الأمام وترك سيفه يفلّ.
وفي اللحظة التي فوجئ فيها الخصم، وجّه التشي إلى قبضته مستخدماً ورقتة الرابحة الثالثة والأخيرة. استقرت تقنية القبضة، قبضة الحديد البارد، تماماً في جانبه. متأوهاً من الألم، تراجع بضع خطوات، وضغط رين بهجومه. افتقر إلى المدى بلا سيف وقفز إلى الأمام مستخدماً قفزة عابر الأرض. هكذا خطط لاستخدامهما معاً. القفز ضمن المدى لتسديد ضربات بقبضته إن وجد بلا سيف يوماً. تفاعل خصمه بسرعة وتلقى ضربة واحدة أخرى فقط قبل أن يحرك سيفه بينهما للصد.
جعلت التقنية قبضي تشو قاسيتين، لكنهما لم تستطيعا إيقاف السيف. حاول المراوغة جانباً، لكن الرجل كان قد استعاد توازنه تماماً. والآن أُجبر على التراجع خارج المدى، ووقع رين في ورطة. خلال حركات قليلة أخرى، وُجه سيف إلى صدره وأُجبر على الاستسلام. أعلن الحكم الفوز لصالح تشي بينغ. وانتهى الأمر عند هذا الحد. بالنسبة لتشاو رين، انتهت البطولة.