"لنبدأ من الصفر إذن..."
- ذكرى من القدامى.
***جنية*** ***بستاني***
لا أزال أصرخ وأقفز على قدم واحدة تلو الأخرى بينما تلتهم النار جلدي. الحرارة شديدة لدرجة أن بشرتي تتفطر. من بين كل الميتات التي تخيلتها لنفسي، لم أتوقع قط أن أحترق حتى أصير رماداً! يا لها من ميتة فظيعة، لكن أظنها أهون من الغرق. انتهى الأمر بسرعة كبيرة بالنسبة لجنرال الصيف. أوه، ولا ننسَ وقوعي في قبضة أحد القدامى واستخدامي كفأر تجارب. بالتأكيد لم يقضِ الشتاء وقتاً ممتعاً وهو مسمر على الجدار.
وبالحديث عن الميتة السريعة... ألا يفترض بي أن أكون ميتاً الآن؟ لماذا يستغرق الأمر كل هذا الوقت!؟ أتوقف عن الصراخ حين أدرك أن الحرارة لم تعد بتلك الشدة. أباعد بين سبابتي ووسطاي، وألقي نظرة خاطفة على العالم. اختفت النيران! وأنا على قيد الحياة! كيف حدث هذا!؟ أبعد يدي عن وجهي، فيصدر صوت لزج مقزز، ثم أتفحص جسدي.
"أبدو كنقانق مقلية! آخ! آخ!"
تجربة جديدة تماماً. لا بد أن هذا هو شعور سلخ المرء حياً. أحك جسدي رغم الألم. بشرتي التي تنمو مجدداً تحكني بجنون. كم أنا ممتن لأنني ورثت قدراتي التجديدية من القدامى. إذن لماذا لم أتحول إلى رماد؟ ألتفت حولي متأملاً محيطي، ثم أرفع ذراعي ببطء وأغطي فمي بكلتا يدي. الأشجار، العشب، الحيوانات، كل شيء صار طبقة من الرماد على الأرض! أُبيد النظام البيئي بأكمله. أعصر دمعة واحدة من زاوية عيني اليسرى.
وماذا عن الجنيات؟ أستدير وأنظر في الاتجاه الذي ركض نحوه الصيف والخريف. لا أثر لهما. أبدأ بالمشي، لكنني أدرك أنني أخوض في رماد يبلغ عمقه كاحلي. أظن البحث عن الجثث أمر لا طائل منه. غارقاً في التفكير حول معنى الحياة، أحك الجلد الميت عن راحتيّ. وتحته، يظهر جلد جديد وردي كبشرة الرضيع. حين لا أملك أدنى فكرة عما سأفعله تالياً، أقف دائماً على رأسي. رؤية العالم من منظور مختلف تلهمني.
ربما يجدر بي تأليف كتاب عن ذلك. لاحظت أن معظم الكائنات الأخرى لا تقدر اختلاف وجهات النظر. هل نجوت لأن التعويذة استهدفت الجنيات فقط؟ لكن لماذا أحرقت الأشجار والحيوانات أيضاً؟ آه، فهمت. كانت موجهة لسحر الجنيات فحسب! يا له من حل ماكر. أُبيد النظام البيئي لأن الجنيات كن يتلاعبن بكل شيء في عالم الجنيات. كان سحرهن في كل مكان. وحده من يرى الجنيات مجرد حشرات قد يبتكر خطة كهذه.
لذا أظن أن هذا يثبت مرة وإلى الأبد أنني لست جنية. شأني شأن العناصر، أنا شيء آخر. لا عجب، لم أملك قط الأذنين المناسبتين لأكون جنية. والأهم من ذلك، أنا لا أملك أذنين أصلاً. شيء ما كان ملتصقاً بخصري يفلت ويسقط أرضاً أمام وجهي. إنها الحقيبة الجلدية التي أحفظ فيها ممتلكاتي الشخصية الزهيدة. أقف مجدداً وألتقط القطعة المتفحمة. أنقب في محتوياتها، فأعثر على بذرة واحدة نجت من نار الجحيم.
أخذتها قبل سنوات حين قمت بإحدى رحلاتي النادرة والقصيرة خارج عالم الجنيات. إنها ثمرة شجرة بلوط عادية تماماً. أستعرض المشهد، وتتكون لدي ببطء فكرة عما يمكنني فعله للمئات القادمة من السنين. أهرول نحو الجدول الصغير الذي كان يروي المرج سابقاً. تبخر معظم الماء بسبب الحرارة، لكنني واثق من أنه سيعود مع الوقت. أغرز إصبعي الأوسط في الرماد، ثم أُسقط ثمرة البلوط في الحفرة وأغطيها بمسح المزيد من الرماد فوقها.
"سماد مثالي!"
***كارينثيا*** ***سيلي***
"يا لحسن حظنا، لم يفكر أحد في مطالبتنا بتعويض عن الأضرار."
توقفتُ فجأة فاصطدم بي ماغنوس من الخلف.
التفتُّ إليه وابتسمتُ في وجهه: "ولماذا يطالبوننا بأي شيء؟"
حكَّ صدره وقال: "حسناً، أم... التعويذة لم تكن تهدف بالضبط إلى حرق كل شيء وتحويله إلى رماد. التفكيك الصرف يختلف عن... التفكيك الذي يصاحبه حرارة. كان مفترضاً أن يتلاشوا إلى مكوناتهم الجزيئية. أظن أننا بدلنا الرونين عن طريق الخطأ."
ظهر هاتليكس من المدخل خلفنا: "لا تقلق يا حفيدي. انتهى كل شيء على خير. رحل الجنيّون، وجنودنا يغزون بلاد الجنيّين بحثاً عن أي ناجين."
التفتُّ نحو هاتليكس بقلق: "قد يكون هناك ناجون؟"
هزَّ رأسه وغمز لي: "مستبعد، لكن يجب أن نتأكد."
استدار واعترض طريق سيسيليا حين عبرت المدخل: "يا حلوتي! أتذكرين رهاننا الصغير؟ قلتِ إنك ستفعلين الكثير من الأشياء الممتعة إن خرجنا من هذا أحياء!"
تنحنحت سيسيليا: "قلتُ ذلك بالفعل يا دبي العزيز، لكن..."
"رائع!"
حمل هاتليكس سيسيليا على كتفه وكأن الأمر طبيعي تماماً، ثم مضى بها نحو غرفهم الخاصة بينما كانت أمي تطلق صرخات مرحة.
راقبتُهما حتى اختفيا عند المنعطف، وقبل أن ينبس ماغنوس بكلمة، رفعتُ إصبعي لأوقفه: "لا يمكنك حملي هكذا! سيضغط ذلك على بطني."
تأملني بحاجبين مرفوعين: "إذاً، ربما حمل العرائس؟"
سمحتُ له بحملي، وتوجهنا إلى غرفة المعيشة، حيث وجدنا ليلى وتوم وتينا يشاهدون الأخبار.
تمتم ماغنوس متذمراً: "كان يجدر بنا الذهاب إلى غرفنا."
لاحظتنا تينا، وربتت على الأريكة بجانبها مشيرة لنا بالجلوس: "أوه، البطل! تعال هنا وانظر إلى هذا. سجل أحدهم لحظة تفعيلك للتعويذة. تسرب المقطع إلى الأخبار. الجميع يعلم الآن أن سيد الشياطين هو من أنهى الحرب."
سألتُ: "سيد الشياطين؟ أليس هذا لقب ماغنوس بين الكائنات الخارقة المحلية؟"
زمجر ماغنوس واندفع إلى الغرفة. كان التلفاز يعرضه وهو يسحق الرخامة بتعبير مبتهج.
وفي الوقت نفسه، أعلن المذيع عن نهاية الحرب المفاجئة على يد "سيد الشياطين"، أحد القدماء.
وتابع المذيع يشرح كيف سيصبح كل شيء أفضل من الآن فصاعداً. فمع انهيار معظم الحكومات القديمة، بات لزاماً إعادة بناء المجتمع. بالطبع، يعلم الجميع أن هذا هراء محض. لكن طالما يمنع هذا الناس من النهب والسلب، فلا بأس.
تابعتُ التقرير للحظات، ثم قبلتُ ماغنوس على خده: "أظن أنه من اللطيف أنهم غيروا لقبك من سيد الشياطين إلى بطل. إنه يناسب أفعالك أكثر."
احتج ماغنوس بصوت حاد: "أنا لست بطلاً لعين! يجب أن يهابوني! هذا التقرير يصوّر الأمر وكأنني أطلقت الرخامة لأجل إنقاذ العالم!"
زممتُ شفتيَّ وشرعتُ أعدُّ أفعاله على أصابعي: "لكنك أنقذتني، وآويتَ مجموعة من المشردين بلا مأوى، وأوقفتَ مجنوناً شريراً كان يسعى للسيطرة على العالم، وأنهيتَ تهديد الجنيّين. تبدو لي أفعال بطل."
ضرب بقدمه الأرض: "أنا لست بطلاً. اختطفتكِ بالقوة، وتعاونتُ مع الشيوخ للحفاظ على ممتلكاتي، وأجبرتُ بعض الضعفاء على قسم الدم، وتخلصتُ ممن هدد أرضي، وأبَدتُ عرقاً بأكمله. أنا لست بطلاً."
تمتمت تينا: "الأمر كله يعتمد على زاوية الرؤية."
"تباً! لا بد أن أحدهم سرّب كل هذا للإعلام. من؟"
رمق تينا بنظرة حادة.
رفعت رئيسة العشيرة الأخرى يديها: "بالتأكيد لم أفعلها. لكن ألا يسعدك سمعتك الجديدة؟ الآن وقد صار كل ما فعلته يُرى في ضوء إيجابي، سيحاول الكثيرون الانضمام لعشيرتك. ربما ينسون حتى سمعة أرضك السيئة كفخ للموت."
أصدر صوتاً مكتوماً: "لا بد أنه شخص له مصلحة في جعل باثوميوس مشهورة. لا يوجد سوى شخص واحد يريد للعشيرة أن تكون بالحجم الأكبر. أويليل!؟"
أظن أنه كان من الحكمة من أويليل ألا تظهر وجهها في ذلك اليوم. ولا في اليوم التالي.