"لكلّ امرئ مشاكله الصغيرة."
- ذكرى من الأقدمين.
***كارنتيا*** ***سيلي***
مضى أسبوع كامل منذ أن قررت الجنّية شنّ حرب سافرة علينا، والعالم يتداعى شيئاً فشيئاً في بشاعة. مات ملايين البشر في الليلة الأولى، وتتراكم أعداد الضحايا بلا توقف. لا يهمّ أن معظم البشر غيروا مواقفهم فجأة وباتوا يتعاونون مع الكائنات الخارقة الآن. تقدم مختلف العشائر يد العون أيضاً. في بعض الحالات، تولى أبناء جلدتنا قيادة المقاومة، وهو أمر شجّعه شيوخنا علانية. لكنّ هذا لا يغير حقيقة أن العالم لن يعود كما كان بمجرد انتهاء هذا الكرّ والفرّ.
تشير التقديرات التقريبية إلى أن القتلى يُعدّون بالملايين. أوه، لا شك في أن بإمكاننا إيقاف الجنّية لبعض الوقت على الأقل. يتمتع أبناء جلدتنا ببارعة فائقة في أساليب الحرب غير التقليدية. لا يبدو الجني العادي، وأعني الجندي التقليدي، أقوى بكثير من البشر حين يتعلق الأمر بالسحر. يبدو أن طرق التكاثر لديهم أضعفت الإمكانات السحرية لنسلهم مع كل جيل جديد. ربما لهذا السبب يبدون بهذه اليأس الشديد.
مع أن سحرهم ضعيف، إلا أنهم كثيرو العدد، وأسرع وأقوى من البشر العاديين. يتميزون أيضاً بقدرة شفاء فائقة لا يمكن لأي بشر أن يحلم بها. علاوة على ذلك، يمكنهم مقاومة معظم المواد الفتاكة المُستخدمة في الحروب الكيميائية. وأخيراً، فهم مدججون بالأسلحة الحديثة، مما يجعلهم متفوقين على أي جيش بشري. فطن أحدهم داخل العشائر سريعاً إلى هذا الأمر، فابتكر تعديلاً على الحجاب الخاص به، مانحاً إياه القدرة على إطلاق تعويذة مساحية مركزة تسعى لإشعال المواد القابلة للاشتعال.
الأمر ليس مثالياً إذ لا تُشعل سوى قذيفة واحدة من كل عشر، لكن هذا يكفي تماماً. أطلقْها على جيش يعتمد كلياً على الأسلحة النارية، وستكون النتيجة مدمرة للغاية. التعويذة بدائية، وصعبة التصويب، وفوضوية للغاية. لكن هذا هو سرّ تفوقها. ما يتسم بالفوضى يصعب تصدّيه. انفجار قذيفة واحدة من كل عشر لا يعني أن قوات الجنّية ستجد نفسها بلا أسلحة فجأة. لكنه بالتأكيد يستهدف جميع مخازن الذخيرة.
ومهما بلغت سرعة الجنّية وقوّتهم، فإن الاكتفاء ببنادق ذات طلقة واحدة يُحدث فارقاً هائلاً عندما يمتلك عدوك أسلحة أوتوماتيكية. كما أن حمل سلاح قد ينطلق في أي لحظة دون إذنك ليس بالأمر المطمئن أبداً. ابتهجت العشائر جميعها بهذه الفكرة، وأنا متأكد تماماً من أن جميع الحجب حول العالم باتت تملك مثل هذه الوظيفة الآن. إلى جانب بعض المفاجآت الأشد سوءاً. سمعت أن إحدى العشائر عثرت على طريقة لزيادة الضغط في شبكة الصرف الصحي للمدينة، وضخّت الفضلات كلها نحو المنطقة التي تحتضن شجرة الحكايات لتغمرها تماماً.
إنهم ينتظرون تعفن جذورها الآن. أرجو أن ينجح الأمر وألا يتحول إلى مجرد سماد لتلك اللعينة. لكن هذا لا يغير حقيقة أن الجنّية موجة عارمة لا تكلّ، تتدفق من الأشجار الضخمة التي نبتت في كل عاصمة. مقابل كل جنيّ يُقضى عليه، يبرز اثنان لحمل سلاحه. في بعض المناطق، يجلبون حتى الأسلحة الثقيلة كالمركبات المدرعة والمدفعية. أو يستعملون تلك التي استولوا عليها من البشر. لست متأكداً تماماً من هذا الأمر.
ما أنا متأكد منه هو أن هذه ليست سوى الخطوة الأولى في حملة أوسع نطاقاً بكثير. كل ما فعل حتى الآن لا يعدو كونها إقامة رؤوس جسور. سيضطرون في مرحلة ما إلى التقدم لغزو بقية العالم. في بعض الأماكن، بلغ الوضع من السوء حدّ إجازة المسؤولين الحكوميين المتبقين لاستخدام الأسلحة القذرة. لجأت الصين والولايات المتحدة حتى إلى قصف عواصمهما بالأسلحة النووية. اقترح ماغنوس ذلك منذ البداية، لكنه لا يعير حياة البشر اهتماماً يُذكر.
طالما بوسعه اختبار دفاعات الجنّية لاستبعاد أسلحة معينة، فلا فرق لديه. لا أتوهم شيئاً حيال طباع شريكي العزيز. بطبيعة الحال، باءت الأسلحة النووية بالفشل. عثر الجنّية على طريقة لابتكار دروع قوية للغاية، يستعملونها للدفاع عن بواباتهم. أقرّ بأن القنابل النووية وفرت القليل من الوقت عبر القضاء على عدد كبير من الجنّية قرب البوابات، لكن هؤلاء سُدّ فراغهم بسهولة بمزيد من الجنود.
يواجه الجنود البشر الآن معضلة الإشعاعات بينما لا يبدو الجنّية مبالين بها كثيراً. لقد ورثوا هذه الخصلة وأعمارهم الطويلة منّا. تنهدت بعمق وأنا أنصت إلى مجلس الحرب الذي جُمع على عجلة من أمره في إقليمنا. يتألف من إيفا وبول وآدم. لقد أبلى الثلاثة بلاءً حسناً حتى الآن في منع البشر من الاستسلام للذعر. أعترف أيضاً بأن السيطرة على جهاز البث الإخباري المحلي كان له دور كبير في ذلك.
نحن نفرض رقابة صارمة على كل ما يلمّح إلى وقوع هذا الإقليم في خطر. في بدايات الأمر لم تكن إيفا متحمسة تماماً لفكرة الحرب الاعلامية، لكنها سرعان ما أقرّت بالهزيمة حين رأت كيف تتعامل دول مثل فرنسا مع الوضع ببالغ السوء. الأعداد الهائلة من اللاجئين الساعين للفرار من منطقة حرب إلى أخرى لا تسهم كثيراً في حفظ الأمن والنظام. لم تعد فرنسا في هذه المرحلة دولة تُذكر.
سألت الآخرين: "هل من شيء آخر بوسعنا فعله؟ يمكننا محاولة إغلاق الحجاب تماماً. إن كنتم ترون أن العزل التام خيار صديد. أنا متأكد تماماً من أننا لن نسمع شيئاً مفيداً من حكومة هذا البلد. لقد تخلى جيشهم عن هذه المنطقة تماماً حين أُمروا بالتحرك نحو العاصمة".
هذا إن كان لهذا البلد أي قوات تُذكر منذ البداية. سيجدون صعوبة بالغة في كبح الجنّية. حسبي أن العشيرة المسيطرة على فيينا عريقة وكبيرة. حسب ما بلغنني، أضحت المدينة كومة رماد الآن، لكنني على ثقة بأن الأسياد القدامى مالكي الإقليم لن يتخلوا عن وطنهم بسهولة.
تهز إيفا رأسها ولا يملك آدم سوى كلمات قليلة مطمئنة ليضيفها: "أمرت جميع الكرامبوس بفرض النظام. بل جندنا بعض البشر مساعدين لهم. إنهم أكثر من كافين للتعامل مع بني جنسهم".
يهمهد بول برأسه ويصدر أصواتاً حلقية. يعدّ هذا الرجل الصغير وقومه إحدى أوراق الرابحة الخفية في دفاعاتنا.
"البحيرة جاهزة. نحن مستعدون لتغيير الطقس في أي لحظة. إن قرر أحد التحرك ضد هذا الإقليم، فسيتعين عليه مواجهة المطر والعاصفة والغرق في طوفان من المياه".
"شكراً لكم. إن لم يكن هناك شيء آخر، فلتعتنوا بواجباتكم. سأتحدث إلى فياكر بخصوص الحجاب. ذكرت أنها قد تكون قادرة على ملاءمة بعض التغييرات الجديدة. في الوقت الحالي، يجعل الشيوخ كل ما قد يكون مفيداً متاحاً للعامة".
يقاطعني انفتح باب غرفة الاجتماعات ليسمح لي برؤية شقيقتي الصغرى. عيناه أنيا محمرتان وثمة دموع على وجنتيها. للحظة قصيرة، أرى عينيها تومضان بضوء أحمر. لكنه يختفي في طرفة عين، تاركاً إياي متسائلاً إن كان ما رأيته حقيقياً أم أنني تخيلته فحسب. تقتحم أنيا الغرفة وتعانقني.
"لقد فعلوا ذلك! لقد فعلوا ذلك حقاً!"
أوه، للآلهة. ماذا فعل الجنّية هذه المرة؟ لا بد أن الأمر مروع لتتأثر أنيا هكذا. لقد ربيتها لتكون امرأة صلبة قادرة على العناية بنفسها. لا شيء أقل من نهاية العالم ينبغي أن يبكيها.
"اشسش، يا عزيزتي. لا داعي للبكاء. ماذا حدث؟ أخبريني".
"لقد أسقطوا شبكة الإنترنت!"
شهقاتها المفعمة بالحزن هي الصوت الوحيد في الغرفة الهادئة سواه. أحاول إدراك مشكلة أنيا، لكنني أعجز عن تبين موضع الخلل.
"عذراً؟ لقد أسقطوا الإنترنت؟"
أحيل إجابتها إلى سؤال، أملاً في أن توضح الأمر أكثر.
"أولئك الأوغاد نسفوا الطرق السريعة للبيانات العابرة للقارات. ليس لدي وصول سوى لأجزاء صغيرة من أوروبا! هذا كل ما في الأمر! كيف يمكن لأحد أن يرتكب شيئاً مروعاً كهذا؟! الإنترنت مقدّس، وهو ينبوع هائل من المعلومات والترفيه!"
أرد بعناق. لا شيء آخر بوسعني فعله. أبهذه الخطورة؟ أتأثر أنيا هكذا لفقدان مجرد لعبة تقنية؟ عشت شطراً كبيراً من حياتي بلا حواسيب، وهي تصاب لانهيار عصبي لعدم توفر الاتصال بالشبكة؟
"أنا متأكد من أنه يمكن إصلاحه. سن..."
تدفع أنيا جسدي بعيداً عنها وتومض عيناها باللون الأحمر.
"يجب أن ينالوا العقاب! سأنزل إلى المختبر وأساعد هاتليكس وماغنوس في أي شيء يفعلونه! سنمحوهم عن آخر خلية!"
ثم تقتحم الخارج بالطريقة ذاتها التي دخلت بها.
"حسناً".
أتنحنح وأجبر نفسي على الابتسام. ثم أحول انتباهي مجدداً إلى حاشيتي الثلاثة من الكائنات الخارقة.
"الأمر صعب حين يبلغون سن البلوغ. كل تلك المشاعر غير المرغوبة. الغضب والإحباط يصيبان المرء بالجنون ببساطة. اضطرت عشيرتي لاعتقالي أسبوعاً كاملاً قبل أن أتوقف عن تحطيم الرؤوس عشوائياً. وما أفضل من جولة إبادة جماعية لتوجيه تلك المشاعر كلها نحو شيء منتف؟"
ينظر إلي الثلاثة بوجوه شاحبة. أستطيع أن أتبين رغبتهم في التواجد بأي مكان آخر.