قال: "لم يكن الأولون يدركون كيف يحصون أعداءهم. كانت لديهم مفردات لتسمية سبعة خصوم، فابتكروا نظام رتب مؤلفاً من سبع طبقات. للتأهل إلى الرتبة الأولى، وجب على الفتى قتل سبعة أعداء ليصير بالغاً. وكان عليه قتل سبعة مرفوعة إلى الأس اثنين من الخصوم ليصبح محارباً. وفي الرتبة الثالثة، يُعد المرء ساحراً. أما للوصول إلى الرتبة الأخيرة، فكان لزاماً عليهم قهر سبعة مرفوعة إلى الأس سبعة من الأعداء. إنجاز لا يتحقق إلا بإبادة الجنيّات، إذ ما من عرق آخر يضاهيهنّ عدداً".
— من ذاكرة الأولون.
***الجنية*** ***البستاني***
تتذمر سمر: "يا للخشب واللحاء! على البشر تعقبهم لا نحن!"
تبدو غاضبة لاقتحام أحد الأولون لمجال الجنية واغتياله لـوينتر. استغرق قادة الجنية الثلاثة المتبقون ثلاثة أسابيع لتطهير المكان من وباء السحر المظلم. عليّ الاعتراف بأن التعويذة التي أحالت وينتر إلى جثة متحركة أثارت فضولي. ذكّرت الجميع بسبب رهبة الأولون في شتى أنحاء العالم. لا تجرؤ أيّ من العصور طويلة الأجل على نسيان خطر استجلب اهتمام مخلوق يطوع السحر كالصلصال. تمثل التعويذة على وينتر المثال الأصفى، إذ ابتكرها ملوك الجنيات أصلاً قبل تحويرها، وما استُعملت قط خارج الممالك.
صادف ذلك الأولون التعويذة للمرة الأولى. أمعن النظر فيها وحورها إلى شيء مغاير تماماً. ما استغرق منا قروناً لفك طلاسمه، طوعه وأعاد تعريفه في غضون يوم. غالباً لم يكن يعي ما يفعله وقرر التجريب فحسب. أتنهد. وينوي ملوك الجنيات مقارعة أمثال هؤلاء. لعلهم لم يتعلموا شيئاً من الحرب الفارطة. أم هي الاستسلامية المحضة؟ هل سئموا الاختباء في الجنية حتى نسوا عمداً سبب وجودهم هنا أساساً؟
تجول أصابعي فوق لحاء الشجرة الباسقة. غرستها بنفسي في قلب هذه البقعة الخضراء الوضيئة. على مضض، أعيد تركيزي إلى سمر وأوتام وسبيرين. الثلاثة يستشيطون غضباً حيال مصرع نظيرهم ملك الجنيات. على ما يبدو، لا يهم أنه كان على وشك بسط سيطرته على الجنيات قاطبة، بما في ذلك أنداده.
أهمس: "أظنها مسألة مبدأ ليس إلا".
تبسط سبيرين يديها.
"ما راودني قط ظن بأن هذه الخطة الحمقاء ستنجح. للصدق، يذهلني حجم الشقاق الذي أحدثته. فما عسانا فاعلين الآن؟ أالفجوة التي غرسناها بين البشر والكائنات الخارقة جسيمة بالقدر الكافي لتبرير حرب شاملة؟ أم نفضل مواصلة الاختباء؟"
ينخر أوتام نافخاً رأسه يمنة ويسرى.
"كأن لدينا خياراً آخر. بما أن الأولون بثوا تسجيلاً لطقوسنا، سينقلب البشر ضدنا عاجلاً أم آجلاً. حتى أولئك الذين يرفضون تصديق حقيقة التسجيل. ومن يضمن عجز الأولون عن دس جاسوس آخر في الجنية؟ لآلاف السنين، ظننا أننا في مأمن، لنفاجأ بقدرة الأولون على ولوج ملاذنا الآمن كيفما شاءوا".
تزفر سمر حنقاً: "ولا زلنا نجهل كَيْفَ فعلوا ذلك!"
بينما كانت سبيرين وأوتام تتحدثان، تلذذت بسحق الزهور الرهيفة التي تنبت في بقع مبعثرة هنا وهناك في البقعة الخضراء. ترك موت وينتر الأثر الأعمق في نفسها. بين ملوك الجنيات، كان الأقرب إلى حليف قد تحظى به يوماً. تميل سبيرين وأوتام أكثر نحو التوسط والاحتراس. وربما يعمدان إلى إلغاء الحملة برمتها. لعل بضع كلمات حكيمة تبدو ضرورية.
"استغرق الأمر وقتاً، لكنهم أبانوا لنا أن الجنية ليست منيعة تماماً. ومع مزيد من الوقت، قد يعثرون حتى على سبي لمهاجمة الجنية، أو إبادتنا عن بكرة أبينا".
"أتقصد إذن وجوب المضي قدماً في الحرب؟"
ينقبض وجه سبيرين. تبدو غير راضية بوضوح. أطلق سمر ووينتر شرارة الأمر بأسره. والآن بعد زوال وينتر، بات الجناح المعتدل صاحب الكفة الراجحة بين الجنيات. مع ذلك، يبدون عجزة عن تبديل مسارهم. فأيّ منحى آخر يعني اضطرارهم للاعتراف بخطئهم. ومَن ذا الذي يطيق الإقرار بخطئه أمام نفسه؟ يا للأسف.
***كارينثيا*** ***ماغنوس***
تقتحم أنيا غرفة المعيشة وتجري نحو التلفاز.
صاحت: "إنهم يفعلون ذلك!".
أدارت الجهاز وراحت تضرب بأصابعها أزرار قناة الأخبار.
سألتها: "من يفعل ماذا؟".
كنت قبل لحظة أستمتع بحياتي الزوجية وأمدّ جَنبي على الأريكة وإلى جواري زوجتي الحامل. وجود شخص تحتضنه هو أروع ما في هذا العالم بأسره. كان الجدور هادئاً، وبدا لوقت قصير وكأننا لا نملك مشكلة واحدة حتى.
أعلنت أنيا بينما بدأ التلفاز ينبض بالحياة: "إنهم يغزون الأرض! الأمر يشبه ذلك الفيلم، الفيلم الذي هاجم فيه المريخيّون".
رفعت سيلي رأسها وضيّقت عينيها ناظرة إلى الشاشة: "يغزون ماذا؟".
كان مراسل يحاول بستماتة وصف الأحداث الأخيرة.
"نبتت أشجار ضخمة في كل عاصمة! وتتدفق أعداد لا حصر لها ظاهرياً من الجنود عبر هذه البوابات. إنهم جميعاً من الفاي، وهم يقتلون كل من يقف في طريقهم. يُنصح المدنيون بالفرار إلى الريف. وعلى كل قادر على حمل السلاح توحيد صفوفه مع الجيش في محاولة لاستعادة المدن...".
استمر المراسل في الهذيان بخصوص الفظائع الأخلاقية وجرائم الحرب. أنصتُّ في صمت مطبق لبضع ثوانٍ أُخر إلى أن بدا أن سائر المعلومات الأخرى بلا قيمة فورية.
"إذن فهم يختارون الطريق الصعب؟ أيعملون في أي مكان سوى المدن الكبرى؟".
هزت أنيا رأسها.
"لم استمع للكثير قبل أن أُسرع لتنبيهكم، لكنهم لم يذكروا حتى الآن شيئاً سوى العواصم. يبدو أن الفاي يريدون ضرب الحكومات البشرية وإضعاف قدراتها الصناعية".
فركت النعاس من عينيّ وأشرت لأنيا: "اذهبي وأحضري البقية. لدينا الكثير لنناقشه. وأساساً كيف ندافع عن منطقتنا إذا بدأ الصراع ينتشر خارج العواصم".
نظرت إليّ سيلي بعزم صارم يلمع في عينيها.
"أَتظن حقاً أن الصراع سينتشر؟ أليست علامة جيدة أنهم قصروا هجومهم على العواصم؟ هذا يعني يقيناً أنهم لا يملكون سوى جزء يسير من الجنود الذين خشيناهم".
هززت كتفي وخفضت صوت التلفاز. لا أحب الصراخ بلا دواعٍ.
"من يدري؟ أرى أن نتوقع الأسوأ. فحقيقة أنهم لاهاجمون العواصم وحدها حتى الآن قد تعني أيضاً أن قدرتهم على فتح البوابات محدودة. فقد قرروا مهاجمة التجمعات السكانية الكبرى أولاً. ومما يجعلني سعيداً أن منطقتي غير مهمة نوعاً ما".
مررت سيلي يدها في شعرها وأنصتنا إلى قنوات الأخبار البشرية فترة، ننتقل من واحدة إلى أخرى. وبعد هنيهة، بات واضحاً أن أياً منها لا يملك مزيداً من المعلومات ليعرضها.
انتظرنا انضمام بقية أفراد العائلة إلينا، لكن شيئاً واحداً اتضح لي بجلاء: "إنهم يتجاهلون المناطق الريفية تماماً. ويلتزمون بالمدن الكبرى. بضع قنابل نووية في أماكنها الصحيحة ستحل المشكلة".
التقطت زوجتي أنفاسها بذهول.
"البشر لن يفعلوا ذلك أبداً. ومن يقول إن الفاي لم يتخذوا احتياطاتهم؟ تكتيكاتهم برمتها تذكرني بالحرب الخاطفة. يريدون السيطرة دون تدمير الموارد الكبرى. فهذا الهجوم المنسق يتطلب بوضوح الكثير من التفكير والتخطيط. لم يفعلوا هذا نزوة، ولا لأن اغتيالك لـوينتر قد أثار رد فعل".
لقد أجبرهم بالتأكيد على الدفع بخططهم إلى الأمام. منحت نفسي لحظات من الصمت لأجمع أفكاري.
"أنت محقة على الأرجح في أنهم ما كانوا ليظهروا بهذه العلانية لو لم يكونوا قد أمّنوا أمراً بسيطاً كالنووي. وما زلت أرى أن عليّ تقوية حجابي لدرجة لا تسمح إلا للبشر بالمرور".
أغمضت عينيّ وركّزت وأعطيت التعليمات اللازمة. فالحجاب لا يتداخل إلا مع الكائنات التي تحمل مستوى معيناً من القوة السحرية. وكل ما عدا ذلك يمر دون إثارة مشاكل. وبصفتي صانع الحجاب، أستطيع تعديل إعداداته. ولن يمنع ذلك بالتأكيد شخصاً مصراً على شق طريقه، لكنه سيلفت انتباهي على الأقل إلى حقيقة أن أحدهم قد وطئ منطقتي. ومما يحزنني أن هذا لن يحميني من شجرة جنّية تفتح بوابة مباشرة في منطقتي.
تنهدت ونهضت على قدمي.
"تحدثوا مع البقية حول الخطوات اللازمة للدفاع عن أنفسنا. عليّ الذهاب إلى هاتليكس. يجب أن ننتهي من ذلك الشيء ونفعله أسرع مما توقعت. بضعة أسابيع أخرى من الاختبارات كانت ستعجبني أكثر، لكن القدر يبدو حاملاً لخطط أخرى".