الفصل الحادي والربعون: شعور بلا اسم بعد
الفصل الحادي والربعون – شعور بلا اسم بعد
ضربت صاعقة من البرق الذهبي داخل زقة خافتة الإضاءة تقع خلف جناح إيزولدي مباشرة. وظهر أناستيسيا وإيمريس من وسط ذلك التفريغ المليء بالشرر والفرقعة، وبدت وجوههما جادة ومتجهمة.
دون أن يتبادلا حرفا، أسند إيمريس ظهره إلى الجدار، رافعا رأسه إلى أعلى، بينما كانت الأفكار تعتمل باضطراب داخلي في نفسهه.
نظرت إليه أناستيسيا والتزمت الصمت. كانت تعرف حالته الراهنة. فلم يكن إيمريس شخصا ينهزم أمام أقرانه في نفس فئته العمرية. حتى أولئك الذين بلغوا عالم تشرب النفس قد سقطوا أمامه، رغم أنه كان في عالم النفس الفانية.
لذا لم يكن المرء بحاجة سوى للتخمين ليدرك ثقيلة تلك الهزيمة عليه، حتى وإن كانت قد أصبحت ممكنة فقط بسبب غش كاسيوس.
وعند التفكير في ذلك الرجل ذي الشعر الأبيض والعيون الحمراء، تحول وجه أناستيسيا إلى عبوس شرس.
"أنا لا أطيقه يا إيم." قالت وهي تزمجر، متقدمة بخطوات حتى اصترع جسدها ملاصقا لجسد إيمريس. "وأريد جعله يدفع الثمن."
"سيحدث ذلك. بشرف ومجد." قال إيمريس، مخفضا عينيه الزرقاويين ليقابل بهما عينيها. "لكن أولا، علينا أن نتخلص من كل ما اعتقدنا أننا نعرفه عن ديسديمونا. كل ذلك كان خاطئا يا ثيسيا. كله، عدا ذلك التكبر لا يطاق."
صلبت نظرتاه. "لكن كاسيوس ديسديمونا ليس طفلا مدللا بلا عقْل. لقد رأيتيه. لقد استخدمكِ لكسر تركيزي."
"وكل ذلك لكي تفوز أختي." أضافت أناستيسيا، مضيقة عينيها. "مما يعني أنه كان يعرف تماما أنك أسرع من إيزولدي. وليس هذا فحسب." التوى فمها بسخرية. "إنه يعرفك جيدا بالقدر الذي يمكنه من التنبؤ بردة فعلك حين يقترب مني."
ابتسم إيمريس بلا مرح. "هذا بالضبط ما كنت أفكّر فيه." مرر يده اليسرى على وجهه. "وليس أنا وحدي، بل أنت أيضا يا ثيسيا. لقد استفزك لدخول هذه اللعبة بسهولة بالغة. بل إنه جعلك تطابقين رهانه بخاتمك لأنه كان يفعل المثل."
كشرت أناستيسيا وضغطت برأسها على صدره. "تبا، لا تجعلني أعيش اللحظة مجددا. سأصاب بالغثيان يا إيم. لقد عرف لسان ذلك اللعين بدقة كيف يخرجني عن طبيعتي المعتادة."
"إنه يفعل حقا." نجح إيمريس في رسم ابتسامة خفيفة. "مما يعني أننا لسنا الوحيدين اللذين يجمعان معلومات عن خصومنا." واصل حديثه. "كنا نعلم ذلك مسبقا، لكن لم يكن أحد منهم دقيقا إلى هذا الحد بشأننا حتى الآن. متى وأين زللنا يا ثيسيا؟ أنا لا أستلطف هذا الشعور."
"حدثني عن ذلك." تنهدت بتململ، ثم رفعت رأسها لتلتقي عيناها بعينيه. "يُدرج كاسيوس على قائمة الأشخاص الواجب مراقبتهم بحذر شديد."
وقررت حاسمة. "ونظرا لتلك السلوكيات التي لا تطاق، فسيكون في صدارة القائمة."
رفع إيمريس حاجبا. "فوق رافين وأخته إسميراي؟ كنت أنوي وضعه تحت كلاوس وكايشا. أمم، وربما ناتاليا أيضا."
"لا." هزت أناستيسيا رأسها رفضا. "كلاوس سهل القراءة والتنبؤ؛ فهو متكبر ويحب الاستعراض. وطبيعة كايشا واضحة هي الأخرى: خجولة جدا، وطيبة أكثر مما ينبغي رغم موهبتها. أما ناتاليا فلا تصبح خطيرة إلا حين تفقد السيطرة."
"وماذا عن بقية ورثة الفئة الثانية والفئة الثالثة؟"
"ليسوا مزعجين مثل كاسيوس." قالت. "حتى الأمير — رافين، الذي يصادف أن يكون عم كاسيوس رغم تقارب عمرهما — لا يمثل مشكلة بهذا الحجم."
بردت عينا إيمريس فورا. "لأنه يعجب بك."
ابتسمت أناستيسيا ببساطة أمام غيرته وضغطت بجسدها كله عليه. "وما المانع؟ أنت الوحيد الذي أحبه، إيمريس المفضل لدى العاصفة. ومشاعر الأمير تجاهي ليست سوى أداة لننال ما نريد، لنصبح أقوى ونكسب نفوذا."
"ما زلت لا أستلطف الأمر يا ثيسيا."
"أعلم." همست وقبلته برقة. "أعلم يا إيم. لكن احتمله الآن. إنه لا يلمسني ولا يمس شيئا مني. أنا لك وحدك لا شريك لك."
نظر إيمريس في عينيها فلم يجد فيهما سوى الإخلاص، والحب، والطموح، والعزيمة الفولاذية.
كانت أناستيسيا فريدة من نوعها حقا.
وكان عليه أن يعترف بأنه محظوظ لوجودها في حياته. مهما قال الآخرون عنها، ومهما أطلقوا عليها من ألقاب...
"أنا أثق بك."
...فقد كانت المرأة التي يحبها أكثر من أي شيء آخر ومستعد لفعل أي شيء من أجلها. بلا أدنى شك.
ابتسمت أناستيسيا، ثم تجمدت الابتسامة على شفتيها. "آه... خاتمي." قالت متذكرة ما تركته بداخله. ولا سيما—!
"ها هو." قال إيمريس بابتسامة هادئة، ممدا يده اليسرى التي تمسك بقطعة نقدية معدنية سوداء منقوشة بمنجل أحمر. "لم أملك سوى وقت كاف لالتقاط هذه حين سحبت الخاتم منك. أهذا يكفي—!"
لم يكمله. انقضت عليه أناستيسيا مقبلة إياه بحب جارف وغامر.
"أنا أحبك كثيرا يا إيم!" صرخت بنبرة دافئة قرب شفتيه، رافضة الابتعاد عنه. "هذا أكثر من كاف!"
لم تستطع تحمل خسارة تلك القطعة النقدية. فقد كانت طريقها نحو مكانة أرقى والحلم الذي كانت تسعى خلفه.
ضحك إيمريس وبادلها القبلة، مجاريا إياها بكل جوارحه. ولم يمض وقت طويل حتى افترقا على مضض، وقد ربط بين شفتيهما خيط رفيع من اللعاب.
لا تزال أناستيسيا معلقة به، ساقاها ملتفتان حول خصره، ويد إيمريس اليسرى تحتها لتحافظ على استقرارها، بينما استقرت ذراعاها حول عنقه.
"أكثر من كاف." كررتا وهي تتنفس بصعوبة وقد احمر وجهها. "والآن يا إيم، أنا متعطشة جدا للقاء كاسيوس مجددا. لكن هذه المرة وأنا مستعدة تماما."
"سنكون كذلك." أومأ إيمريس برأسه، ثم رفع حاجبا وقد تبادر إلى ذهنه أمر ما. "ألا تعتقد... أن ديسديمونا يحب إيزولدي حقا؟"
"هاه؟" ررفت أناستيسيا بعينيها، بعدما أدركت شيئا بديهيا فجأة.
"لقد رأيتيه." تابع إيمريس. "لقد فعل كل ذلك من أجل إيزولدي."
"مستحيل." هزت أناستيسيا رأسها. "كيف يمكن لأي شخص أن يحب إيزولدي؟"
"آه، حسنا،" ابتسم إيمريس بفتور، مستحضرا رد فعل طاقته الفطرية تجاه كل من كاسيوس وإيزولدي.
"أعتقد أنهما يتناسبان معا تماما."
"لا يمكن أبدا يا إيم! هذا مستحيل!"
"هاهاه، من يهتم على أي حال يا ثيسيا؟ تعالي، علينا أن نتمرن."
"لا! دعنا نتحدث عن مدى استحالة أن يرتبط أي شخص عاطفيا بإيزولدي!"
"حسنا. ولكن في غرفة التدريب."
أطلقت أناستيسيا هسيسا غاضبا بينما حملها إيمريس بعيدا على أي حال.
...
ظلت إيزولدي مطيلة النظر إلى الخاتم البنفسجي في كفها. لم تفكر حتى في تفقد ما بداخله بعد، فقد كانت مذهولة تماما بكل ما جرى للتو.
وللمرة الأولى في حياتها، وللمرة الأولى منذ أن وُلدت شقيقتها الصغرى... لقد فازت عليها.
نصراً لم يصبح ممكنا إلا بسبب الغش، نعم. لكن تماما مثل كاسيوس، لم تعبأ إيزولدي على الإطلاق بالطريقة التي فازا بها.
وما كان يهم حقا هو: أن النصر بات لها. النصر... كان لهما معا.
وعندئذ، حولت نظراتها نحو كاسيوس الذي كان لا يزال يتذمر بصوت خافت ضاغطا بيده على خده، مشتكيا من جرأتها على صفعه بعد تضحيته المجيدة لأجل انتصارهما.
وجدت إيزولدي نفسها تبتسم. ابتسامة بسيطة للغاية، صادقة تماما، وغير متكلفة، لدرجة أنه بمجرد أن رآها كاسيوس، تسمر في مكانه تماما. لقد تجمد، كمن يقف أمام أعظم آية خلقتها السماوات والأرض على الإطلاق.
ثم اجتاحته حالة من الذعر الصرف.
أخرج هاتفه الروني البنفسجي بسرعة جنونية والتقط لها صورة قبل أن تفلت اللحظة.
"أوه، يا بركة الملكة." تنفس بعمق وهو يحدق في الصورة. "تبا نعم! هذه ستكون خلفية شاشتي!"
ابتسم كأنما هو طفل يرى بطله الحقيقي شاخصا أمامه، ثم رمق إيزولدي بنظرة سريعة وقد احمر وجهها واهتزت شفتاها.
"أتدرين ماذا؟" منحها نظرة كريمة. "أنا أسامحك على الصفعة. فقط امنحيني صفعة أخرى مثلها. سأصنع منها ألبوما كاملا."
"ألا يمكنك التوقف؟" أطلقت إيزولدي هسيسا، محولة رأسها بعيدا فجأة وقد غمرها الإحراج الشديد من النظر إليه. "أم أتك ترغب في صفعة أخرى؟"
"ما رأيك بقبلة هذه المرة؟"
"تبا لك يا كاسيوس."
"أجل. وعليكم السلام يا عزيزتي."
كتمت إيزولدي ضحكة ساخرة. وشعر قلبها بشيء مختلف كليا عما اعتادت عليه عادة.
ولو أنها راودتها أي شكوك حول نوايا كاسيوس أو مشاعره تجاهها، فإن الأحداث التي مرت مع أناستيسيا وإيمريس قد محت آخر أثر لتلك الشكوك.
والآن أصبحت متأكدة. وأدركت بجنون وبلا رجعة أن شخصا ما في هذا العالم قد اختارها بكامل إرادته وفضلها على أختها.
شخص ما رآها وقبلها بطريقة لم يفعلها حتى والداها الحقيقيان قط.
اضطرب جوفها فيما بدأ شيء ما بالبراعم من عمق صدرها، متمددا ببطء في كافة أنحاء جسدها.
'لقد اختارني.' فكرت إيزولدي للمرة الأخيرة، قبل أن تعيد تركيز انتباهها نحوه.
كان كاسيوس يقف على حافة بركة المياه الصافية، معطيا إياها ظهره. ثم، وكأنه استشعر نظراتها، أدار رأسه ونظر إليها من فوق كتفه.
ابتسم. ولعنت إيزولدي نفسها في سريرتها بينما كاد قلبها ينفطر خارج صدره.
'إنه جميل جدا!'
"ما رأيك أن نحتفل بانتصارك الأول، والذي لن يكون الأخير بكل تأكيد؟" أخرج سيجارتين من جيبه، مادّاً إحداهما نحوها. "بعض سحب الدخان مع هذا المنظر الجميل، ما رأيك؟"
"التدخين؟" هتفت إيزولدي وهي تتقدم نحوه. "ولماذا التدخين؟"
"لنصنع ذكريات جديدة." أجاب. "حتى كلما شعرت برغبة في التدخين، تتذكرين هذا اليوم."
غمز لها بعينه. "يوم انتصرتِ على أختك وصديق طفولتك."
توقفت إيزولدي غريزيا وارتجف جسدها. نظرت إليه بعينين واسعتين واهتزت شفتاها مع تدفق المشاعر بداخلها كأمواج البحر التي تندفع نحو حفرة فارغة.
لقد غمرها الفيض، غمرتها المشاعر العارمة التي لا تزال ترفض تسميتها. ولعدم درايتها بما يجب فعله، أخفضت رأسها بينما تسللت الدموع إلى أطراف عينيها مهددة بالسقوط.
راقبها كاسيوس بعينين مليئتين بالحنان وبقي صامتا، وظلت يده ممدودة.
تابعت إيزولدي مسيرها، ووصلت إليه، وأخذت السيجارة بينما لا يزال رأسها منحفضاً.
وضع كاسيوس أخرى بين شفتيه وأشعلها بومضة من لهب قرمزي. ثم استدار نحوها، فرآها تنتظر، وضحك بخفة.
وضع إحدى يديه تحت ذقنها ورفع رأسها برفق، ليقابل عينين تلمعان بالدموع والمشاعر التي لن يفهمها سوى القليلون.
لكن كاسيوس كان يفهمها.
واحترم صمتها إزاء ذلك. التوت شفتاه لأعلى، وأشعل السيجارة عند شفتيها.
ثم دخنا معا جنبا إلى جنب، مأخوذين بمشاهدة الشمس الصفراء وهي تزحف ببطء لتعود إلى النوم، بينما كان النسيم العليل يداعب ملابسهما.
لم تُتبادل أي كلمات. ومع ذلك، فهم كاسيوس كل شيء عندما خطت إيزولدي خطوة صغيرة للأمام حتى تلامست بشرتاهما.
في ذلك اليوم، تغير شيء ما بداخل إيزولدي أماريس. وبدأ شعور جديد كليا لم تكن تتوقع اختباره مجددا في البزوغ من قلبها الجريح — وبدا أغلى ثمنا من المرة الأولى، لأن الرجل من خلفه قد اعترف بها، ورآها، ولم يُحول وجهه عنها بعيدا.
لقد قبلها. وساعدها في نيل أول انتصار حقيقي لها.
لقد أحبها بطريقة لم تكن تؤمن يوما أنها جديرة بأن تُحب بها.
لذا لم تبتسْم بكلمة، ودخنت معه بصمت، دون أن تدرك تماما أنه من ذلك اليوم فصاعدا، لم يعد التدخين فعلا تمردا أو عزلة يائسة في مواجهة عائلتها.
بل أصبح التدخين طقسا مقدسا للاحتفال.
وهكذا، ودون أن تفطن تماما، قررت إيزولدي أماريس أنها لن تدخن إلا من أجل الانتصارات ولأجل شخص واحد بعينه...
"ألن أحظى بقبلتي؟"
"ألا يمكنك قراءة الأجواء؟"
...ذلك الشخص المنحرف.
"
"قل كلمة أخرى أيها اللعين، وسأمنحك شعورا مبللا لن تنساه أبدا."
"أوه، لا تقومي ب—!"
"اخرس!"
'كم هو وقح.'
وهكذا انتهى اليوم الثاني.
---نهاية الفصل الحادي والربعون---