تختلف تضاريس الجزر الجنوبية اختلافاً تاماً عن نظيرتها الغربية. تقلّ فيها الخضرة وتكثر التضاريس الصخرية. تكاد تخلو جزيرة من بنية صخرية ضخمة في مركزها. يبدو المكان كأنه صُنع خصيصاً لأجلها.
"نيكسينا، أمتأكدة أنكِ تعرفين إلى أين نتوجه؟"
سألتُ وأنا أرمق الجزر الممتدة تحتنا. وأسفلنا يعبر الأرخبيل، تسنحت لي الفرصة لأتفحص وايفيرن الأرض. لونها رمادي وبني بحراشف غليظة وأجسام ضخمة. القليلة التي رأيتها تحلق كانت تخفق بجناحيها بعنف وتتحرك ببطء. لاحظت أمرنا أثناء مرورنا، لكنها لم تمنحنا سوى نظرة عابرة قبل أن تعود إلى ما كانت تفعله.
"نعم، الكبيرة في إحدى الجزر الأكبر حجماً. هي من يجب أن نطلب منها المساعدة."
أصدرت صوت تذمر وحافظت على نظراتي متجهة نحو الأسفل. غياب العدوانية لدى وايفيرن الأرض يبدو أمراً شاذاً. تبدو لي كسولة ومملة. نصف ما حلّقنا فوقه كان يسترخي ببطء على الصخور، يستمتع بالشمس أو يغفو. بعضها كان يقرض الصخور حتى. لست متأكداً من سبب فعلها ذلك، لكنني أخمّن أنه يقويها بطريقة ما. وما إن اقتربنا من جزيرة جبلية ضخمة حتى حدث خطب ما. انحرفت نيكسينا فجأة وزادت سرعتها.
رأيت حجارة بحجم رأسي تخترق المجال الجوي الذي كنا لنسلكه، بسرعة كانت ستسحقني طحناً.
"ما الذي يحدث بحق الجحيم!؟"
صرختُ وأنا أقبض بإحكام على السرج بينما هددتني مناوراتها المراوغة بإلقائي من فوق ظهرها. لو كنت بشرياً عادياً بلا قدرة تحمل معززة بالنظام، لكنت فاقداً للوعي على الأرجح الآن.
"اختبار،"
قالت بلا مبالاة وهي تخلق رياحاً قوية لترد الرصاصات التي عجزت عن تفاديها تماماً. دققت النظر في الجزيرة، ملاحظةً أخيرًا عشرات [وايفيرن الحجارة] المصطفة وهي تبصق الصخور من أفواهها نحونا.
"من بحق الجحيم يضع اختباراً كهذا!؟"
بقي سؤالي بلا جواب بينما كانت نيكسينا تلتوي وتتفادى المقذوفات بمهارة. هبطنا بخشونة في النهاية على الجزيرة وتوقفت الهجمات. نظرت إلينا [وايفيرن الحجارة] للحظة قبل أن يفتر اهتمامها وتستلقي، كأن دقيقة الصراع الماضية لم تكن سوى تمرير بلا أهمية.
"لقد وصلنا،"
قالت نيكسينا، قاطعةً أي خطط راودتني للتعبير عن استيائي. نظرت إليها وتابعت اتجاه نظراتها وهي تحدق في كهف يؤدي إلى جوف الجبل. فتحة هائلة يمكن لعدة كائنات شقائق نعمان أن تنزلق عبرها دفعة واحدة.
"صحيح. لمَ ينتابني شعور بأنه يجب أن أسمع موسيقى الزعيم الآن؟"
قلتُ وأنا أتفحص بحذر الشقوق الكبيرة في الأرض وجدران المدخل. مهلاً، تلك آثار مخالب. تبّاً. أيّ شيء يقطن هناك يستطيع قتلنا كلينا على الأرجح. هذا ما تخبرني به آلاف السنين من خبرة حياتي.
"تعلم، ربما يجدر بنا العودة لاحقاً... بصحبة موتاي الأحياء... ومول. وخصوصاً مول."
"أُدخلوا إلى عِزّتي."
دوى زئير بلغة التنانين من داخل الجبل، عميقاً ومجلجلاً. كان مشبعاً بنوع من الطاقة، يشبه الهالة لكنه يختلف عنها تماماً بلا شك.
"آه، جيد. إنها مستيقظة. لنذهب ونقدم طلبنا،"
قالت نيكسينا وهي تخطو بثقة إلى داخل المأوى.
رفعت يدي في الهواء بيأس: "حسناً. إن مُتنا، فسألقي باللوم عليكِ."
"سيكون ذلك عسيراً إن كنّا ميتين معاً،"
تمتمت بضحكة.
"لا تلقي بمنطقك عليَّ. لست بحاجة إليه الآن."
ضحكت بقوة أكبر لكنها لم تبطق بكلمة. بعد شق طريقنا عميقاً نحو مركز الجبل، استقبلنا أكثر تنين مرعب وفائق البأس رأيته في حياتي. بحجم طائرة ركب، وكل بوصة منه مغطاة بحراشف معدنية سوداء سميكة ولامعة. تبرز من جسم التنين أشواك حادة في كل مكان، إضافة إلى ذيل طويل يعلوه شوك في نهايته. تخيل تنيناً، ثم تخيل طلاءه بدرع مستقبلي في كل مكان، ثم لونه بلون أسود حالك كمنتصف الليل.
أضف إلى ذلك عيوناً زمردية شقراء تخترق روحك، وحينها يمكنك أن تتخيل جزئياً روعة الكائن الماثل أمامي. بعد التحديق فيه لفملة طويلة، أطلقت أخيرًا [تحليل متقدم].
[وايفيرن أدامانتين]
المستوى 478
تعد وايفيرن أدامانتين التطور الرابع لوايفيرن [التراب]. نادراً ما تبلغ أي وايفيرن الرتبة الرابعة، لكنها حين تفعل، تنال جزءاً ضئيلاً من القوة الحقيقية لأسلافها. تُعرف وايفيرن أدامانتين بكونها شبه غير قابلة للتدمير. حراشفها صلبة كصلابة معدن الأدامانتين الخالص، مع امتلاكها القدرة على استخدام ترسانة من السحر الأرضي.
قلت باللغة المشتركة: "تبّاً".
حول التنين المجنّح انتباهه نحوي. ثمّ اهتزّت الأرض.
"همم. أمر مثق للاهتمام. لم أَرَ نوعكم من قبل قط، لكنني أشعر بصلة تجمع بينك وبين نيكسينا. مؤسف حقّاً. لوددتُ تذوّق طعمك".
جاءت الكلمات والأصوات من كل حدب وصوب من حولي. تردّدت صداها من الصخور والبلورات المتوهّجة، ومن الأنفاق من خلفي ومن جانبي، من كل مكان عدا التنين. تطلّب الأمر مني برهةً لأدرك أنّ الكلمات المنطوقة لم تكن بالتنينيّة، بل بالمشتركة.
"زيمينا، كفّي عن ألاعيبك من فضلك. جئنا نطلب مساعدتك".
راقبت بذهول وممتعاً نظري التنين الهائل المعروف بزيمينا وهي تقلّب عينيها، وتجرّ جسدها لتتخذ وضعيّة الوقوف، ثم تتمطّى. امتدّ جناها ومزقا شيئاً من التراب عن جانبي مسكنها. وحين سحبتهما للداخل، عاد الحجر المتضرّر ليتشكّل إلى حالته السليمة.
قالت، وهذه المرة بالتنينيّة، مع أن الصوت ظلّ يأتي من حولي أيضاً: "تبّاً. لم تزوريني منذ مدة طويلة وها أنت تأتين تطلبين خدمة؟".
غير أنني كنت أركّز هذه المرة واستطعت تبين الحيلة في ذلك.
قلت بالتنينيّة التامة: "جميل. أنت تجعلين الأرض تهتزّ بتردّد محدّد يتيح لك خلق موجات صوتية في الهواء".
قوبلت كلماتي بقدر ليس ببسيط من الدهشة لدى زيمينا. لغة التنانين ليست ممّا يُكتسب بأي مفهوم عاديّ. إنها لا تُمنح إلا بفضل النظام وفئتي.
"مستحيل. لساننا لا يمكن نسخه. إنه فريد لنا. كيف؟ كيف تعلّمته وكيف يمكنك النطق به؟".
هتفت نيكسينا باعتزاز: "سيدي بارع للغاية".
تنهّدت بصوت مرتفع، عاجزاً عن منع ابتسامة من التشكل على وجهي. ثم حللت أحزمة سرجي ووقفت على ظهر نيكسينا. وانحنيت تحيّةً.
"سررت بلقائك، [التنين الأدمانتي] زيمينا. أنا كواسي إيلودو وقد جئت لأساوم على حريتك".
نظرت إلي زيمينا بقدر كبير من الحيرة. ثم نظرت إلى نيكسينا التي انتظرت بهدوء، مخفيةً مشاعرها.
"أهوه. حريتي، تقول؟ تهديداتك ليست مضحكة".
هززت كتفي.
"إنها ليست تهديدات. مجرد حقائق"، بدأت ألوح بذراعي في كل الاتجاهات، "أنت محبوسة هنا، ليس في هذا الجبل، بل في هذا الطابق. أنت تحت الأرض وتعيشين في زنزانة، مقيدة هنا حتى تموتي".
خطوت خطوة للأمام وقفزت من على ظهر نيكسينا.
"لكنني أنوي غزو هذا القبو ومغادرته. أنوي إخراج الموالين لي إلى العالم الخارجي. وأنا أعرض عليك صفقة. ساعديني في دفع تنانين النار إلى الوراء، وأوصليني إلى الطابق التالي، وسأمنحك الحرية الحقيقية".
عبست زيمينا وهي تحرّك رأسها ببطء.
"لقد عشت حياة طويلة جداً، أطول بكثير من حياة أي تنين في هذا الطابق. لقد سمعت الكثير من مثل هذه الطلبات. لقد سأل الغارودا الطلب ذاته، وامتثلتُ لهم. ثم سافروا إلى الطابق التالي بينما كنت أشغل بهيموت، لكنهم لم يعودوا قط. ذهب العشرات وفشل الجميع في العود. ما الذي يجعلك مختلفاً؟ أي سبب لديّ لأضع حياتي على المحك من أجل طلبك؟".
لعقت شفتي بينما كان عقلي يتسابق. ولمما أثار ضيقي، لم يتبادر إلى ذهني أي سبب ملموس. إنها عجوز، لا شك في ذلك. والأرجح أنها أكبر مني بسنّ ملحوظة. أستطيع استشعار ذلك. روحها متطوّرة جيداً وتحمل قدراً هائلاً من المعرفة. تفوق عمر الخمسين ألف عام بسهولة.
"همم... أجل، أظن أنه ليس لديّ جديد. ما لم..."
حدّقت بفضول في التنين، ملاحظاً عمرها المتقدم وقوتها. ربما صادفتهم.
"تناديني Kitsune بالبطريرك. لا أظن أن هذا يعني شيئاً لك؟".
تجمد التنين في مكانها. تسمّرتا عيناها في عينيّ بينما بدأت تصدر أحياناً أصواتاً غاضبة. استشعرت غضباً عارماً، لكن ذلك الغضب لم يكن شيئاً مقارنة بالخوف الشديد. تمدد المانا من جسدها، ممّا جعل البيئة ترتجّ تلبية لندائها.
"أولئك".
قالت الكلمة هذه المرة. ليس عبر السحر، بل بصوتها الحقيقي. كشرت عن أنيابها في وجهي وتراجعت خطوة للخوار.
"أنت واحد من تلك الوحوش! لقد أعطيتها ما أستطيع من معلومات. ارحل... أو، أو... أرجوك ارحل فحسب".
رفعت حاجباً، متفاجئاً برد فعلها المفاجئ. وبعد التفكير في الأمر برهة، لم أستطع سوى افتراض أنها خاضت لقاءً مع كيتسوني، كيتسوني مميزة جداً تمتلك القدرة على جعل حتى شبه تنين مثلها يرتجف خوفاً. قلت بعرض حال وعفوية بينما أبعد يدي عرضاً عن جسدي وأطلق [فناء تآكلي]
بأكثر من تسعين بالمئة من مانا الخاصة بي: "يبدو أنك التقيْتِ فولبي. قوية، أليس كذلك؟".
اتخذت التعويذة شكلاً فوق راحت يدي. وتوهجت قوة التدمير المحضة لدرجة جعلت نيكسينا وزيمينا تتراجعان خطوة للوراء. مجرد خدعة. ومع أن مهاراتي تتمتع بإمكانات تدميرية مذهلة، إلا أنني أشعر أن زيمينا ستنجو رغم أنها ستُصاب بجروح. طالما أنها لا تعرف أنني قد استهلكت للتو ما يقارب كل مانا الخاصة بي، فإن التهديد سيكون مجدياً.
قلت ببساطة وأنا ألغي التعويذة وأدع المانا تتلاشى بلا ضرر: "لكنني لست سهساً أيضاً. كل ما أطلبه هو المساعدة في مسألة صغيرة لا غير".
ابتلعت زيمينا ريقها ثم أومأت برأسها ببطء: "سأساعدك"، قالت بخوف.
نظرت إلي نيكسينا بما توقعت في البداية أن يكون اشمئزازاً وخوفاً، لكنني رأيت ولاءً بدلاً من ذلك. كان ذيلها يهتز وفمها مفتوحاً. لقد هددت صديقتها بالعنف للتو...
قلت وأنا أحك جانب رأسي: "جيد. ستكون مساعدتك محل ترحيب".
خطوت بضع خطوات نحو نيكسينا ثم عقدت ذراعيّ مستنداً عليها.
تنهّدت زيمينا واستلقت على الأرض لكنها واصلت التحديق بي بغضب: "أتمنى أن تفهم أن مساعدتي محدودة، سيما الآن مع ضخامة أعدادهم".
سألت: "كيف ذلك؟".
تمتمت زيمينا بغضب لتهتز الأرض لاستجابتها.
"نوعنا ضعيف في الهواء. نحن خرقاء وغير رشيقين. وحدها الأرض حيث نتحارب بأفضل شكل. أنا متأكدة أنك لاحظت في طريقك إلى هنا مدى خطورتنا في وضع ثابت".
أومأت برأسبي، متذكراً الرصاصات التي كانت تطير محلقةً قرب رأسي بحفيف.
"لماذا بحق الجحيم كانوا يهاجموننا؟".
"لأن ذكور جنسي مهووسون بالتزاوج. التعامل معهم مزعج. ومن الأسهل بكثير السماح لأطفالي بإبقائهم في الخليج".
ارتخى فمي قبل أن أبدأ بالضحك وأهز رأسي.
"بالطبع. التزاوج. أطلقوا النار على الذكور من الـ... سماء..."
توقفت، مدركاً ببطء خطة تتشكل يمكنها دمج تنانين الأرض بفعالية في هجوم مؤثر للغاية.
"نعم... نعم! يمكن أن ينجح ذلك!"
صرخت قبل أن أبدأ بالضحك بشكل هستيري. نظرت إلي التنينتان بقلق، لكنني تجاهلتهما بينما كنت أجري حسابات في رأسي. الأرقام تأتي وتذهب. واستمر ضحكي بينما كانت الخطة المجنونة تتألف قطعة قطعة.
____________________________________________________________________
التفت بيتر برهةً، وألقى نظرةً خاطفةً على النظرات المرتجفة من بعيد، بينما ركع وقضم لقمةً من [تنين التجميد الدائم]. مضغ ببطء، مستمتعاً باللحم المثلج وهو يقطر من فمه. راقبه من بعيد تنِنان آخران من [تنين التجميد الدائم] برعب متصاعد بينما واصل بيتر التهام فريسته. حاول التنِنان المقاومة، لكن الخيوط التي كانت تقيدهما كانت سميكةً وقويةً ومرنةً حتى في درجات الحرارة المنخفضة.
كانا مقيدين، ومثلهما اثنا عشر تنيناً من [تنين التندرا]. لم يملكوا شيئاً سوى الانتظار حتى يحين وقتهم. حتى يأتي موتهم. تجاهلهم بيتر. ركّز على غدائه بدلاً من ذلك. لم يكن البرد يعنيه. أبقته فروته دافئاً بما يكفي واستطاع جسده حرق السعرات الحرارية بسهولة لتدفئة نفسه. امتلك كتلةً كبيرةً للحرق الآن... ومع ذلك، احتاج إلى المزيد. اقترب تطور آخر، وقدرة جديدة أخرى. لكنه احتاج إلى فريسة أفضل.
فريسة أقوى. شيئاً يقارب مستوياته أو يفوقه. ثم سمعها. زئيراً. رفع بيتر رأسه، وتحولت عيناه القرمزيان نحو مصدر الصوت. ظهر منافس جديد. وحش. فريسة جديدة. فتح بيتر فمه وأطلق زئيراً عنيفاً باتجاه [تنين العاصفة الثلجية] المتهادي نحوه.