2103:12:31:18:44:08
تناولت وأمي العشاء أمام التلفزيون. تابعنا نسخة الثمانينيات من فيلم الرجل القادم من بغداد في صمت غالباً. تكوّن العشاء من المحار والبطاطس المقليّة، مع احتمال بدء تناول حلويات رأس السنة مبكراً إن أحسنت التحرّك.
عدت من تحليقي في تمام الساعة 17:02. ما زلت أشعر بتعب غريب يثقل كاهلي رغم قدرتي المزعومة على عدم التعب. لو كان إرهاقاً ذهنيّاً لَفهمت الأمر، لكنّه لم يكن كذلك. عانيت من آلام في العضلات ووجع خفيف يسري في جسدي كله، كأنّي للتوّ خرجت من قتال متنكّر ولم أخرج منه سليماً تماماً.
أكثر ما فعله التحليق هو تهدئة أعصابي — أو دافعي البطوليّ — إلى حد ما، رغم أني استغلت الفرصة لرؤية قاعدتنا من جديد. كانت أمبر قد غهبت منذ وقت طويل بالطبع، لكنها عملت بجد. جُهّزت تقريبا كل معدات التدريب، بما فيها حامل الأوزان الكثيرة وبعض آلات التمارين الأكثر إثارة وتكلفة التي لم تكن لدينا من قبل.
بعد عودتي إلى المنزل، كان مايكل قد غادر منذ زمن طويل عائداً إلى نيويورك. لم تسألني أمّي أي أسئلة حول الأمر حتى الآن، لكنني كنت واثقاً أنها استجوبت مايكل بشأن مجريات الحديث. وممّا لا شك فيه أنني سأتعرض عاجلاً أم آجلاً للأسئلة ذاتها.
أمّا عن كيفية الإجابة عن تلك الأسئلة...
أنهينا لقمات العشاء الأخيرة وأوقفت أمّي الفيلم. نظّفنا المكان معاً، وتبادلنا حديثاً خفيفاً بينما كانت تشطف الأطباق وتضعها في غسالة الصحون، بينما نقلت أنا كل شيء من المائدة إلى المطبخ، ووضعت في الثلاجة كل ما يحتاج إلى تبريد، وأعددت إبريقاً كبيراً من الشاي في ترمس. عندما كانت غافلة، سللت قطعتي حلوى إلى صحنين صغيرين. طلب المغفرة أسهل من طلب الإذن.
تمددت على الأريكة والتقطت جهازي الورقي بانتظار أن تنتهي أمّي ممّا وصفته بـ"جزءها"
من الأعمال المنزليّة. كانت رواية أفاع وسط الدخان تقترب من نهايتها، وبدأت أتعلق بها أكثر فأكثر. لم يقتصر الأمر على كون التحقيق البوليسي أكثر شمولا وترابطا ممّا ظننت سابقا، بل إن رسم شخصية البطل نفسه تحسّن أيضا — بالمعنى القصصي لا بمعنى الشخصية كإنسان — وذلك حين تحولت قضية المفقودين التي يعمل عليها إلى مؤامرة عجز عن مواجهتها.
مع ذلك، لم يكن الأمر كافياً لجذب انتباهي بينما كانت أحداث اليوم تتخبط في رأسي. حتمًا، شرد ذهني عائداً إلى مايكل.
أيا كان الأثر الذي سيلقيه ذلك الحديث لاحقاً — وسيكون له بلا شك أثر كبير — فقد ساعدني في الحاضر على استعادة توازني وتثبيت خطاي. لم أشعر بهذا القدر من اليقين تجاه نفسي منذ زمن طويل، وربما منذ الأزل — والذي كان يعادل بالنسبة لي نحو أربعة أشهر. وإلى جانب رحلتي في اكتشاف الأشياء التي تحلو لي، ومتابعة هواياتي الجديدة، وتنمية علاقات جديدة وتعزيز القديمة، فضلاً عن أمور مثل شخصيتي المنعدمة مسبقاً، كانت ملامح شخصيتي وهويتي تتخذ شكلاً جيّداً.
أضف إلى ذلك إدراكي بأن جزءاً من دافعي لقتل أن-سايت لم يكن مرتبطاً بخرقه للمعاهدة، بل كان، جزئياً على الأقل، ناتجاً عن دفع دافعي البطوليّ لي، إن لم يكن قد أمسك بزمام الأمور تماماً... حسناً، ساعد ذلك في تبديد بعض شكوك شعوري بالأخلاق، بقل القليل. ظلّ الشعور بالذنب مخيماً، لكن ذلك كان متوقعاً؛ فكما قالت أمّي، حتى عندما يكون القفص ضروريّاً يجب ألا يخلو الأمر من صراع داخلي.
رغم أنني لكي أكون صادقاً، كنت أفضّل ألا أزهق روحاً قط. هل كانت هناك ضرورة حقيقيّة لي لفعل ذلك، خارج نطاق الدفاع عن النفس ربما؟ وحتى في تلك الحالة، لكان هروبي أسلم لي على الأرجح من قتل مهاجمي. على أقل تقدير، كنت واثقاً من أن قتله لحفظ سرّ لم يكن يستحق العناء.
لكن حتى لو ساعد ذلك في إزالة الكثير من الغموض، فقد وجدت أيضاً الكثير من الأمور الجديدة لأقلق بشأنها. على حد تعبير أحد مشاهد رواية بالادين العُشْر السابع، بدا الأمر كأنني اجتزت متاهة لأعثر على خصمي الموعود، فلم أجد سوى مرايا تعكس صورتي. أو لعل الأمر لم يكن كذلك، بل كان نسخة مقلدة. نسخة تحمل كل طباعي، لكنها تتحرك بطريقة خاطئة بما يكفي لتثير اشمئزازي الشديد.
صنع صانعي الدافع البطوليّ ليكون مرساتي الأخلاقية وليحميني ممّا يُسمى «متلازمة الأندرويد المجنون»
— أو أياً كان المصطلح الصحيح للظاهرة التي تتدهور فيها الحياة الاصطناعية أخلاقياً مع مرور الوقت.
لكن ما لم أكن أنا المخطئ هنا — وهو ما لم أكنه قطعاً — بدا أن الدافع البطوليّ نفسه يتدهور، ليتحول هو ذاته إلى الأندرويد المجنون. هذا إن لم يكن قد فشل منذ البداية، وهو أمر بدا متوقعاً تماماً فيما يخصّ إبداعات صانعي. أضف إلى ذلك ذلك الكيان المصطنع المشوه والمحاكي الذي يستقر في مصفوفة شخصيتي، وبغض النظر عن مدى يقيني بنفسي على المستوى الشخصي، شعرت أنني أتدهور ميكانيكيّاً.
ومجدداً، صانعي هو المسؤول عن هذا كله. كيف يُعقل أن أعمل بالشكل السليم ببرمجيات ومعدات صُنعت على عجالة؟ إنها لمعجزة أنني أبدو بطلاً عالي الكفاءة في المقام الأول. وبسبب هذا الخلل، قد أتوقف قريباً عن كوني بطلاً تماماً — بل وأتوقف عن كوني بشراً أصلاً. فما بالك بما قد يحلّ بالآخرين لو كنت أنا من يصاب بمتلازمة الأندرويد المجنون.
بعد مرور عشر دقائق على تأملاتي، عادت أمّي إلى غرفة المعيشة وجلست في مقعدها. ابتسمت فبادلتها الابتسامة، ثم أغلقت جهازي الورقيّ والتفتّ نحو الشاشة المسطحة.
لم تضغط زر التشغيل.
بدأت أمّي قائلة: "تعلم، مع كل ما حدث، لم أتح الفرصة لأُسأل، لكن... لماذا أصبحت حارساً للعدالة؟"
اعتدلت في جلستي ببطء وقلت: "لأنني أردت فعل الخير؟"
ضحكت وقالت: "لماذا تسألني أنت؟"
قال: "كنت أريد... أن أكون بطلاً فقط. أردت ذلك منذ اليوم-"
استيقظت في ذلك الملجأ، "-الذي اكتشفت فيه أن لدي قوى وعرفت ما هو البطل."
ضحكت بخفة.
"كنت أود حتى قيادة فريق في البداية، لكن هذا، أمم، لم ينجُح كما خططت."
قالت: "كنت أظن ذلك. كان رد فعلِك مشابهاً لما أخبرتك وميشيل بكوني بيكستار."
ضحكت متذكرة.
"أما أمر الفريق فجديد، لكنك قد تكون طموحاً حين تريد شيئاً. إما ذلك، أو عنيداً."
هززت كتفي. لم أعرف ما أقوله رداً على ذلك، ولم أظن أنه يحتاج إلى تفسير. علاوة على ذلك، كنت أستعد أصلاً للسؤال التالي.
تابعت أمي: "مع ذلك، لماذا حارس ليليّ؟"
لم أستطيع إخبارها بالحقيقة بالطبع، فهززت كتفي وقلت: "كما قلت، أردت بناء فريق خاص بي، ولتحقيق ذلك ظننت أنني بحاجة إلى إيجاد فاعلي خير مستقلين وبناء سمعة."
حيكت خدّي.
"أنا، أمم... ليلتي الأولى لم تُمضَ على ما يرام، كما تعلمين."
خمّنت: "الأنف؟"
"الأنف. كانت كراوسونغ هناك لمساعدتي — فقد كانت هي من توج طوال تلك الليلة — وفي وقت لاحق، طلبت منها أن تكون مرشدتي، فوافقت."
هززت كتفي.
"وهذا كان كل ما في الأمر، باختصار."
همهمت أمي: "همم. ألا يريد أي منكما الانضمام إلى الأكولايتس أو بروسبيكتوس؟ أو على الأقل التسجيل رسمياً كفرد- حسناً، كثنائيّ من الأبطال المستقلين؟"
كنا ندخل منطقة خطرة، لكنها كانت منطقة استعدُّ لها منذ أن أخبرتني أمي بأنها بيكستار. حجة كنت أرجو ألا أضطر إلى استخدامها يوماً، ولكن يا للأسف.
"أنا أتقبل سبب فعلِك أنت وهم لما فعلتموه، لكن ذلك لا يجعله صواباً."
التوى تعبير أمي عند ذلك، وبدا الذنب واضحاً عليها.
ذنب شاركتها إياه، لأسباب متفرقة. بغض النظر عن أمر الأنسان الآلي، كان من غير اللطيف مني الضغط على الجرح القديم، ولم يكن يخلو من نفاق لكوني فعلت شيئاً مشابهاً لأسباب مشابهة نوعاً ما مع إنث-سايت.
لكن كان لابد من قوله.
"وعلاوة على ذلك،"
استطردت: "كراوسونغ هي مرشدتي، وأنا مدين لها بالكثير — أكثر بكثير من الووردنز أو الغارديانز، هذا مؤكد."
ابتسمت هي باستهزاء لنفسها عند ذلك.
"وأما عن التسجيل؟ الخضوع للتوجيه، ومصروف, وتوقع الطاعة والاستدعاء الدائم؟ هذا ليس وارداً بالنسبة لكراوسونغ."
وكان لها أسبابها الخاصة في ذلك، مثل بلاكهاوك وعدم ثقتها العامة بالسلطات.
أومأت أمي وصمتت عند ذلك. لذا، طرحت عليها السؤال بدلاً من ذلك.
"لماذا أصبحتِ بطلة؟"
قالت وهي تبتسم مسترجعة الذكريات: "كانت عندي قوى منذ أن كنت في الثامنة عشرة. حصلت عليها ذات ليلة وأنا أطيل النظر إلى القمر. ليلة صافية، وقمر بدر."
تحولت ابتسامتها إلى حزن.
"كنت قد أنهيت الثانوية للتو ولم أعرف ما أفعله بحياتي، لكن لا بأس بذلك. كان والداي داعمين، وحتى لو انتهى بي المطاف بأخذ سنة استراحة واختيار السفر حول العالم، فسيساعدانني في ذلك. لذا لم تكن هناك حاجة للقلق."
"ثم، بعد شهر من التخرج، توفي والداي إثر صدمة شاحنة. بدلاً من المخاطرة بوظيفته والسجن، حاول السائق إخفاء الجثتين في حاوية قمامة. بخرق. وضعهما في أكياس قمامة وكل شيء، وشوه جسديهما."
قبضت على يديها، كأنها تكاد تقذف الكلمات هسيساً قبل أن ترتخي فجأة.
"وجدهما عراف من ووردنز الساحل الغربي في اليوم نفسه، لكن الحالة التي كانا عليها... كان بالإمكان إحياؤهما لو لم يحاول السائق إخفاءهما بالطريقة التي فعلها، لكن بما فعله، أُغلق ذلك الباب."
تنهدت وأسندت ظهرها إلى كرسيها.
"حاولت تجاوز الأمر بسرعة، أتعلمين؟ رتبت الجنازة خلال أسبوع، ثم عقدت العزم على ايجاد كلية، مجال دراسة حتى وإن لم أكن شغوفة به، يمكنه أن يبقيني طافية ومشغولة. خرجت مع الأصدقاء، وذهبت إلى النوادي الليلية، والأفلام والمواعيد الغرامية؛ حاولت إبقاء نفسي مشغولة قدر الإمكان. لكن شيئاً لم ينجح حقاً. إنه لا ينجح أبداً."
"لذا في أحد الأيام، هربت من مسكني المؤقت. ركضت نحو الغابة، صعوداً نحو تلّة وتوجهاً إلى مكاني المفضّل في سان دييغو بأسرها. وهناك، بينما كنت أتأمل القمر البدر، انهاررت حقاً للمرة الأولى منذ حدوث ذلك. لعنت، وصرخت، ووبخت، وامت معاتبة، وبكيت؛ أخرجت كل ما في داخلي. وبعد ذلك، حين استلقيت وأمعنت النظر إلى الأعلى،... شعرت بضوئه يمتد إلي. وللحظة، بدا الأمر كأن أمي قد عادت بطريقة ما، وكانت تحاول مواساتي، تداعب شعري وتهمس في أذني... وهكذا، غرقت في النوم."
بعد توقف قصير، هزت كتفيها، ممررة يدها بكسل عبر شعرها.
"حسناً، لم تعود بالطبع. لكني حصلت على بعض القوى من جراء ذلك. ومن هناك، أصبح البقرة سهلاً: ذهبت إلى الووردنز وسجلت في اليوم نفسه، وكان هذا كل ما في الامر."
بغض النظر عن مدى عاطفية تلك القصة، لم تبدُ محطمة كثيراً بسببها.
قالت أمي وهي تبتسم: "لقد مضى وقت طويل."
لا بد أنها قرأت أفكاري.
"لقد تجاوزت الأمر، في الغالب. وجدت مكانأ جديداً، وكونت عائلة جديدة؛ الماضي انتهى وانقضى."
"و... القمر؟"
"أه، ما زال هناك."
تنفست بقوة، مما جعلها تضحك.
"آسفة، آسفة. لم أكتشف شيئاً عنه قط. مجرد واحدة من تلك الهبات شبه العشوائية أو شيء من هذا القبيل. أو ربما أنعم الوعي البشري الخارق عليّ، مثل نايت أوف أرتميس وذلك السيف الذي يملكه- أعني، من بينهم جميعاً."
توقفت وترددت لحظة، مترددة فيما إذا كان عليها الاستمرلر. وفي النهاية، فعلت.
"وأحياناً، عندما أكون أطلق في العالي وبعيداً في جوف الليل، والقمر البدر ساطع في السماء وأنا في هيئة المتبدل-"
ابتسمت "-يشعرني الأمر كأن أمي هناك مجدداً."
تلاشت ابتسامتها ببطء.
"لا تخبر أحداً عن ذلك الجزء رغم ذلك؛ فقد تكون القوى غريبة، وكلما زادت غرابتها، رغب أشخاص معينون في دراستها أكثر."
أطبقت شفتي بإشارة التوهم بإغلاقهما بسحاب. فابتسمت.
X
تابعنا الفيلم. لعبنا جولة أو جلتين من الورق. شربنا الشاي والمشروبات الغازية وأكلنا المعجنات والرقائق المقرمشة. قضينا الليل كله في المرح حتى حلول العد التنازعي لخدمة إعلان السحر. صبت أمي كوبين من عصير العنب الفوار لنا نحن الاثنين. قالت إنها لا تريد أن تنفد زجاجة شمبانيا كاملة بمفردها. وعندما بلغ العد التنازعي الصفر، تبادلنا نخب الاحتفال وتمنينا لبعضنا سنة جديدة سعيدة.
أُطلقت الألعاب النارية في السماء على الشاشة رغم الرياح العاتية والبرد القارس. جرى شيء شبيه بذلك في الخارج مع جيراننا. ومما لا شك فيه أن أمي أرادت التحية عليهم بعد لحظة. لكن كان عليها أولاً إجراء مكالمة للأصدقاء والزملاء وما شابه. بينما انشغلت أنا بفعل المثل عبر الرسائل النصية.
مع نحو اثني عشر شخصاً آخرين في الوقت عينه على ما يبدو. أرسلت رسالة بسيطة في دردشة مجموعة صف واي تو سي المدرسية في اللحظة التي فعل فيها نصف الصف ذلك. ثم أرسلت رسائل شخصية أكثر لكل من ميلي وساغا وجولي في مجموعة الدردشة الخاصة بنا. أما أمبر فراسلتها على حدة بطبيعة الحال. لعدم دعوتي بعد إلى مجموعة دردشة أصدقائها، ولأن صلتنا كانت أعمق بكثير مما يربطني ببقية المجموعة حتى لو دُعيت.
كانت جولي وميلي لا تزالان في إجازتيتهما وتشاركتان صوراً ومقاطع عنهما. أرسل كل منا صوراً ذاتية لعائلاته بما فيها أنا وأمي. ووجدت أمبر سبيلاً للتحلل من الالتزامات العائلية بالانضمام إلى عائلة أليشا التي أتلفت لها بعام جديد سعيد عبر وسيط. وكانت ساغا وحدها البائسة بسبب مواعيد حظر التجول الإجبارية المفروضة على رعاية الدولة. رغم أنها أرسلت صورة ذاتية مع إحدى الفتيات هناك ممن تقربت منهن.
بدا الاثنين متجهامين تماماً ومستاءين من كل ذلك. لكني كنت واثقاً من أنهما تُمثلان وتستمتعان بوقت لابأس به. كنت أعرف ساغا أكثر من كافٍ لأجل ذلك.
سألت أمي وهي ترتدي بالفعل معطفاً وقازات وقبعة صوفية منسوجة: "أستعديت للخروج؟"
أومأت برأسي. أرسلت رسالة أخيّرة للجميع. حصّنت نفسي ضد برد لم يكن يؤذيني وريح قد تؤذيني. ثم انضممت إليها في الخروج.