د د ساعة الحائط بصوت هادئ ومتقطع، ودورات تروسها تطحن بانتظام.فوح عبق عتيق للكتب القديمة من الخزانة المزخرفة والمركونة في زاوية غرفة الدراسة.خلع نويل نظارته وأغمض عينيه هنيئة، وشعر بتوتره يتلاشى تدريجياً وهو يحدق بشرود في التوهج الكهرماني الناعم لمصباح المكتب السحري.بغض النظر عما إذا كان لنس يمثل وحسب، كان في هدوء ابنه وتزنه ما يبعث على الطمأنينة.وما إن ظن نويل أن ابنه مغادر حتى قال لنس: "أبي، سأحتاج إلى بعض المال قبل اجتياز امتحان القبول. أتضمن لي ما يكفيني من مؤونة طوال الأشهر الثلاثة المقبلة؟"سأل نويل بحذر: "وما عزمك على فعله؟"ساوره شك في أن ابنه يريد انتزاع أكبر قدر ممكن من المال منه قبل الامتحان لإنفاقه أجمع في جلسة لهو أخيرة."يتطلب صنع البطاقات المسحورة أموالاً طائلة لشراء المواد، وأحتاج أيضاً إلى استئجار معلم كفء".ظلت مبررات لنس وصوته هادئين ومتزنين، ولم يبد قط كأنه يكذب.وكان لنس صادقاً بطبيعة الحال.فقد عزم على دراسة كيفية صنع البطاقات المسحورة فور انتهائه من مطالعة قوانين المملكة.سأل نويل مذهولاً: "أتقن أنت صنع البطاقات المسحورة؟"لم يرد لنس فوراً.فهو في الحقيقة لا يجيد ذلك.ولذا، احتاج إلى ذريعة محكمة ليدفع أباه إلى الثقة به وتمويله.فجأة، تدخل الخادم الواقف خلف نويل قائلاً: "أنا كفيل السيد الشاب".ثم انحنى قليلاً وهمس في أذن نويل: "اذهب إلى غرفة السيد الشاب وتأمل اللوحة المعلقة هناك. وأنا واثق من أن مخاوفك بشأنه ستتبدد"."أحقاً؟" رمق نويل الخادم بنظرة مدهوشة، ثم عاد فرمق لنس باهتمام. "لنس، أأخذت ترسم من جديد؟ لا بد أن عملك رائع ليُثني هانس عليك بهذا القدر".كان هانس هو الاسم الشخصي للخادم، بيد أن لنس القديم لم ينادِهِ به قط.وحافظ لنس على تلك العادة ولم يخاطبه قط إلا بلفظة "أنت" حين يحادثه.ابتسم الخادم وهز رأسه.السيد حقاً لا دراية له بمدى موهبة لنس.عكس نبرة نويل ذلك، وكأنه يمدح طفلاً أبله. "الأمر لا يقتصر على—"أطبق لنس شفتيه هنيئة وقاطع الخادم قبل أن يستطرد: "لطالما كان هانس لطيفاً معي، لكنه يبالغ بعض الشيء".كان من الأفضل ألا يرى نويل بورتريه تاليا المعلق في غرفة نومه.وإلا، فإن صادفه أباه مصادفة، فقد يقع سوء فهم سخيف."حسناً إذن". لم يأخذ نويل شيئاً من ذلك محمل الجد.وكل ما أثار دهشته هو تواضع لنس.فمن وجهة نظره، لكان ابنه اغتنم الفرصة ليتفاخر بمواهبه ويظفر بالمال الذي يبتغيه.بعد أن قُطع حديث الخادم، صمت ولم يُبْدِ أي نية لقول المزيد.ابتسم بخفة وتراجع إلى خلف نويل. "حسناً. آمل حقاً أن تجتاز امتحانات القبول. يا هانس..." نظراً لسلوك لنس الطيب اليوم وتدخل الخادم، حسم نويل أمره ووافق على طلب ابنه.وعلى أي حال، لم يكن الأمر كأنه يعجز عن تدليل ابنه الأحمق قليلاً.آمل أن ينضج قريباً. ليُباركه الملائكة. كم سيكون رائعاً لو أنه لا يتظاهر اليوم، بل صار حقاً بهذا الثبات والاتضاع والأدب.***مع حلول الظلام، أشرقت أضواء الممر الواسع في الطابق الثاني بنعومة، وغمرت الردهة بأسرها في سكينة وطمأنينة.وأنهى معظم الخدم في القصر أعمالهم لليوم وتوجهوا للراحة.وهناك بالطبع خدم لم ينتهوا من عملهم بعد.وانتظرت خادمة تدعى فرانسين لنس حين غادر لدراسته.وهي إحدى الخادمات الأقل رهبة منه.وفي القصر بأسره، لم تكن سوى فرانسين وهانس على استعداد لأخذ لنس مأخذ الجد."أيها السيد الشاب، أتأكد أنك لا تمازح أباك؟" سألت برفق بعد أن تحيته بأدب.وكانت تتبع لنس وهو يعبر الممر.فقد تنصتت على الحديث الدائِر في غرفة الدراسة، وأدركت تماماً أن لنس لم يكن يدرس.وتختبر امتحانات القبول لكلية الكيمياء العضوية المرشحين في مجموعة واسعة من المواضيع، مثل الرياضيات، وعلم الأدوية، ومعالجة المواد، والهندسة السحريّة الأساسيّة، ونظرية الكيمياء.وحتى لو استأجر لنس أفضل المعلمين الآن، فقد فات الأوان لحشو كل تلك المعلومات."إنه مجرد امتحان قبول"، ضحك لنس وأغمض عينيه هنيئة.ولم ترهبه صعوبة الامتحان البتة، وبدا جلياً أنه لا يعتزم المذاكرة بجنون."أوه، حسناً..." أُخذت فرانسين على حين غرة بردّه المبالي.أترى السيد الشاب قد استسلم حقاً وانغمس في اللهو مرة أخيرة؟وعلى الرغم من ذلك، أدركت أيضاً أنه إن أخفق في الامتحان، فلن يعود إلى منزله ناكس الذيل، ولن ينتهي به المطاف نائماً في شوارع العاصمة.إذ بوسعه تدبير معيشة مرنة لنفسه.فوحدها لوحاته تكفي لجلب مبلغ طائل.واستشعاراً لقلق الخادمة، ابتسم لنس ابتسامة ساطعة.وبدت نظراته صافية ومركزة وهو يطمئنها. "لا تقلقي بشأني. سأطلع على قواعد الامتحان وضوابطه الليلة"."هذا يسعدني... انتظري، قواعد الامتحان؟" تفاجأت فرانسين.ولم تستطع التخلص من شعور بأن ثمة معنى خفياً وراء كلمات لنس.ومع أنها عادة ممتازة أن يطالع المرء الإرشادات بعناية قبل أي امتحان، فما الذي يدعو تحديداً إلى "دراسة" قواعد وضوابط الامتحان لكلية الكيمياء العضوية؟تمنى لنس لها ليلة سعيدة بأدب وانسحب مسرعاً إلى غرفة نومه، تاركاً الخادمة واقفة في الممر.وبدا وجهها مرسوماً عليه الذهول والحيرة.***حين عاد لنس إلى غرفة نومه، أغلق الباب، واستلّ دليل امتحان القبول من رف كتبه، وجلس بهدوء إلى مكتبه.وما إن التقط قلماً، حتى أمعن النظر في الكتاب الماثل بين يديه وشرع يخطط لجدوله الزمني للأشهر الثلاثة المقبلة.ولم يكن مازحاً حين وعد أباه باجتياز امتحانات القبول.غير أنه لم يحدد الكلية التي ينوير الالتحاق بها حقاً.وفي غضون تقليبه لكتاب القبول، تمتم لنس لنفسه: "مع إيماني بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفض النزاعات، إلا أنه إن آل الأمر حقاً إلى قتال، فلا أرى نفسي خاسراً على الإطلاق، شريطة أن تتاح لي وقتاً كافياً للاستعداد".كانت كلية الكيمياء العضوية وكلية الهندسة السحريّة مكانين يُوليان الأولوية للبحث النظري والدعم اللوجستي.ولذا، اشتهرت امتحانات قبولهما بصعوبتها البالغة.وبات محاولة حشو المعلومات لأجلهما أمراً يكوا مستحيلاً.بيد أن الجامعة ضمت أيضاً كليات تشدد بصورة أكبر على القتال المباشر والتطبيق التكتيكي: كلية الحكماء وكلية الفرسان.وكانت خطة لنس بسيطة: سيسلك مساراً مختلفاً للقبول.وحين يحين الأوان، سيكون جلّ ما عليه فعله هو تحويل طلبه من كلية الكيمياء العضوية إلى كُليّة أخرى.وعلى الرغم من اختلاف التقييمات العملية للكليات القتالية في تفاصيلها، ظلت المبادئ الأساسية ثابتة على مر السنين.فهي تختبر دائماً قدرة المرء على التكيف الفوري، وشخصيته الأخلاقية ومزاجه، وكفاءته القتالية الفعلية.وارتبطت متطلباتها ارتباطاً وثيقاً بأصعب زنزانة في هذا العالم، وهي عالم الظلال.وعليه إتمام استعداداته خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.إذ نوى صنع بعض البطاقات المسحورة المتوافقة مع أسلوبه القتالي، وشراء القليل من البطاقات المكملة لتشكيل مجموعة مندمجة.وفور الفراغ من ذلك، وثق لنس بقدرته على تقديم عرض مذهل إلى حد يذهل كافة مسؤولي الأكاديمية دون استثناء!
أقسم أنني لست شيطاناً يتنكر في هيئة بشر الفصل 48 — ساند
اقرأ أقسم أنني لست شيطاناً يتنكر في هيئة بشر الفصل 48 — ساند باللغة العربية على مانجا تايم.