فوق المدينة، ما زالت بضعة نجوم تتلألأ بخفوت، شبيهة بأبيات شعر مُتلوة تتلاشى في سكون الليل. أقبل الفجر بهدوء متألقاً بحمرة ناعمة صبغت الأفق، وألقت أشعة الصباح الأولى توهجاً ضبابياً ساحراً على قصر ويلفورد. بدت غرفة لانس عنواناً للسكينة. ترشح ضوء ناعم عبر الستائر الشفافة، ليرقص كخيوط من أرواح نقية ومرحة. كان لانس مستيقظاً بالفعل. تحرك دافعاً الغطاء جانباً بينما أرجح ساقيه فوق حافة السرير. لامست قدماه السجاد، تغوصان في نعومته الوثيرة. فرك عينيه، متمتماً لنفسه وهو يستعيد حلم الليلة الماضية: "يا للهول، لم حلمت أنني في العالم السفلي؟ ذهب الملك ياما في إجازة طويلة، وكنت مسؤولاً عن تحديث كتاب الحياة والموت مكانه... آه صحيح، يجب أن أُعيد كتاب المكتبة ذاك". تمطى بحيوية منتعشاً، ثم نهض لينتعش. عوضاً عن التوجه إلى الطابق السفلي لتناول الفطور فوراً، سحب الستائر بجوار مكتبه، مستدفئاً بشمس الصباح الدافئة بلطف. حرك نسيم عليل الأوراق في الخارج، وغردت الطيور بعذوبة من قمم الأشجار القريبة. تسللت أصواتها النقية عبر النافذة، لتمتلئ الأجواء بسلام الصباح المبكر. مضى أسبوعان منذ أن استعار الكتاب القابع على مكتبه الآن. خلال تلك الفترة، نمت كومة كتبه باطراد إثر طلبه من الخادم شراء بضعة كتب تمهيدية متوفرة بسهولة في رابطة صانعي البطاقات المحلية. كان تعلم السحر وممارسته في هذا العالم صعباً للغاية ويتطلب موهبة فطرية. يشبه الأمر نيل درجة الدكتوراه في الرياضيات. إن لم تستوعبه، فليس لك نصيب. خلص لانس إلى حد كبير إلى افتقاره للموهبة الفطرية كي يصبح ساحراً تقليدياً، ممن يملكون القدرة على ممارسة السحر عبر التلاعب بماناهم الداخلية وتوجيهها. لحسن الحظ، يقدم هذا العالم بديلاً: البطاقات المسحورة. يكاد أي شخص أن يستطيع استخدام السحر متى ما حظي بالبطاقات الملائمة. بوسع من لا يملكون ذرة موهبة استخدام البطاقات المسحورة لتفعيل تعاويذ مريحة ومتواضعة النطاق. بالطبع، ثمة حدود لتركز السحر الذي تحتمله البطاقة المرتبطة بالروح. لذلك، لم يعوض مستخدمو البطاقات المسحورة أصحاب المواهب الفطرية. بل إنهم جعلوا الخبراء الحقيقيين أشد قوة فحسب. ولهذا السبب، حظي الحرفيون السحريون القادرون على صنع البطاقات بتقدير عالٍ. ومقارنة بصنع أنواع أخرى من الأدوات السحرية، تطلب صنع البطاقات فهماً عميقاً لمبادئ السحر إلى جانب إبداع استثنائي، وحفة ذهنية، ويداً مرنة بارعة في الرسم. لحسن الحظ، اكتشف لانس أن معارف الهندسة السحرية ذات الصلة المستخدمة في صنع البطاقات، كآليات تصنيع الأدوات المسحورة ومبادئ الأجهزة السحرية، كانت سهلة الاستيعاب بشكل مدهش. لقد فهم المادة بسرعة حتى وهو يتصفح النص سريعاً. فكر لانس ناظراً إلى كومة المراجع: "بالطبع، يحتمل أيضاً أن الكتب المدرسية كُتبت ببساطة من قبل شخص يبرع في تبسيط المواد المعقدة". صدفة، كُتبت جميعها بواسطة البروفيسور بورالو نفسه: أساسيات الهندسة السحرية في مملكة هوتون، الطبعة السابعة؛ والمزالق الشائعة عند صنع بطاقات مسحورة من الفئة الأولى؛ والمبادئ الإرشادية الأخلاقية لصانعي البطاقات. سمع من رابطة صانعي البطاقات المحلية أن بورالو محاضر في كلية الهندسة السحرية. للأسف، لم يكن يقبل أي طلاب شخصيين. وإلا، لكان لانس متخذاً قراره ببذل قصارى جهده طوال الأشهر الثلاثة القادمة واجتياز امتحان القبول لتلك الكلية. مقارنة بكلية الهندسة السحرية، التي تميزت بعبء عمل معقد وثقيل وتطلبت مرشدين، فضّل كثيراً المناهج الأكثر استرخاءً لكليتي الحكماء والفرسان. تميزت بقلة المقررات الإلزامية وتنوع واسع من المقررات الاختيارية. أمكن لأي طالب التخرج ببساطة عبر إتمام الصفوف المطلوبة وجمع رصيد كافٍ من النقاط. بعد دراسة متأنية لمعلومات جامعة إيكريت، استنتج لانس قدرته السهلة على دمج أي صفوف هندسة سحرية تناسبه في جدوله كمقررات اختيارية لاحقاً. حسناً، بما أنني درست النظرية، فقد حان وقت محاولة صنع بطاقة مسحورة بالفعل. مرت بضعة أيام منذ أن رسم بورتريه تاليا، فاستعادت مخزونه الشخصي من طاقة المانا. نوى التوجه إلى رابطة صانعي البطاقات اليوم لاستئجار ورشة عمل والتدرب. وبما أنه كان سينتقل إلى العاصمة الملكية خلال ثلاثة أشهر تقريباً، احتج إلى ترتيبات ضرورية تخص تاليا. رغم كونها شيطانية، جمعتهما علاقة منفعة متبادلة. ولعلها تتحول إلى شريكة تجارية قوية في المستقبل. تطلع لانس من النافذة ليفطن سريعاً إلى شابة ترتدي رمادياً بالكامل وتقف تماماً خارج فنائه. كانت عند زاوية شارع مظلمة وساكنة تماماً كأنها تمثال. تمتع قدها برقة تشبه الخزف الفاخر. رفرف رداؤها الرمادي الداكن بخفة في النسيم، مضفياً هالة من الغموظ. في تلك اللحظة، امتزجت هي ومحيطها بسلاسة كلوحة فنية. في الواقع، بدا الأمر وكأنها البؤرة الوحيدة لكامل المشهد. أسند لانس ذقنه إلى يده، متأملاً لنفسه وهو يرمق من بعيد أميرة الشياطين المتنكرة بإتقان في هيئة بشرية: "يا للأسف لتقدم سنها. لا بد من أن عمرها بضع مئات من السنين على الأقل". رغم اعتبار تاليا يافعة كشيطانية، فبالمقاييس البشرية، لم يكن وصفها بـ"العجوز الشمطاء" خاطئاً. ليس وكأنّه امتلك الشجاعة للقيام بذلك أمام وجهها. من يدري ما قد تفعله تاليا إن حدث ذلك؟ *** كأنها أحست بتحديقه نحوها، التفتت تاليا صوب الطابق الثاني للقصر. وما إن التقت عيناهما حتى ابتسم لانس ملوحاً بخفة. "صباح الخير!" تجاهلته تاليا. انزلقت خصلة من شعرها الرمادي الحريري فوق كتفها واستقرت بهدوء فوق رداؤها وهي تمسح المحيط بهدوء. كانت تفقد أي تحركات قد تشكل تهديماً لسكان القصر. بما أنه كان لانس وليس شخصاً قادراً على تهديده، فلم تعره أي اهتمام إضافي. اهتمت فقط بإنجاز واجبها المتمثل في حماية مخدوعها، وبلغ اهتمامها بشخصه حد الصفر. مع ذلك... لسبب ما، أحست أن أفكار الشام الباطنية كانت نشطة بشكل غير عيان قبل لحظات. علاوة على ذلك، راودها حدس بأنّه كان يفكر في أمر مسيء للغاية. من جهة أخرى، لم تستطع تحديد مصدر ذلك الإحساس بدقة، ولا استطاعت جزم ما يدور تحديداً في عقل الفتى. فبعد كل شيء، مهما فكرت في الأمر، كان يحييها بحماسة فحسب. لعل الأمر مجرد تخيل. منذ سقوط مملكة الشياطين، صاركت تكره البشر. كانت تضمر أحياناً شكوكاً تجاه شخص وديع وغير مؤذٍ كـ لانس. ماذا لو كان فرداً حقيراً وراء مظهر مثالي؟ مع ذلك، أكدت موهبتها في كشف الكذب، جنباً إلى جنب مع ملاحظاتها الخاصة، أن هذا البشري حظي بشخصية لا تشائبة فيها. تنهدت تاليا بنعومة. بعد سنوات من الترحال في الأراضي البشرية، ظنت أنها بدأت أخيراً في فهم البشر. بغية استعادة مملكتها الساقطة، توجب عليها التحمل لفترة أطول بينما تندمج بسلاسة في المجتمع البشري. استمرار تجرعها لكبريائها سيتطلب جهداً أكبر مما توقعت.
أقسم أنني لست شيطاناً يتنكر في هيئة بشر الفصل 47 — النهاية
اقرأ أقسم أنني لست شيطاناً يتنكر في هيئة بشر الفصل 47 — النهاية باللغة العربية على مانجا تايم.