أقسم أنني لست شيطاناً يتنكر في هيئة بشر الفصل 45 — سند

اقرأ أقسم أنني لست شيطاناً يتنكر في هيئة بشر الفصل 45 — سند باللغة العربية على مانجا تايم.

ساد الصمت لبرهة. وجد لانس في الجو المشحون تلميحاً إلى أن هذا الحديث ينطوي على أهمية بالغة. بدا الأمر، قياساً على ملامح وجه أبيه، متعلقاً بالمستقبل والمسؤولية وشرف العائلة. لذا رأى من غير اللائق أن يتكلم قبل أبيه. التفت ببطء ولاحظ أن الخادم لصق تلك الابتسامة المصطنعة المعهودة. شعر لانس بوخز خفيف من القلق فصرف نظره فوراً. لم يبقَ ما يستحق التأمل سوى الكتب المتراصة باصطفاف أنيق على الرفوف الشاهقة واللوحة الزيتية المعلقة على الجدار. كانت اللوحة تحفة أثرية قديمة وورثتها العائلة أباً عن جد. وتحت النور الخافت للمصابيح السحرية، أضفت على غرفة الدراسة بأكملها شعوراً بالأناقة البسيطة. لكنها لم تبلغ شأن أعمال لانس. بعد صمت طويل، اتخذ نويل قراره أخيراً. قال: "لانس، لقد بلغت سن الرشد منذ شهر. وخلال هذه المدة، طمسنا أخطاءك مرات أكثر مما يمكنني إحصاؤه. لا يمكنك الاستمرار على هذا المنوال بعد الآن". أعقب ذلك صمت قصير آخر، أو ربما كان نويل ينتظر شيئاً ما. لم يكن متأكداً في قرارة نفسه مما إذا كان لانس سيثور غضباً بعد توبيخه. لم يبدُ التحول الذي طرأ في اليومين الماضيين حقيقياً تماماً. بل بدا أشبه بعرض مسرحي رتبه ابنه لتوه. ربما أدرك لانس أن العائلة على وشك قمع إسرافه وسلوكه الجامح. لذا، كان يكبح رغباته الجامحة على الأرجح، أملاً في اجتياز هذه العاصفة بأمان عبر التظاهر بحسن السلوك مؤقتاً. وخلافاً لكل توقعات نويل، حافظ لانس على هدوئه دون أن يظهر أي اضطراب على وجهه الساكن. وبعد أن أخذ لحظة للتفكير في الأمر، أومأ ابنه بجدية. قال: "أنا آسف حقاً. أعدك بأنني لن أرتكب منذ هذه اللحظة أي فعل يشين اسم العائلة". فوجئ نويل وفرك زاويتي عينيه لا إرادياً. تفحص لانس مرة أخرى. بدا ابنه بكل المقاييس شاباً مهذباً. ولمدة عابرة، شعر نويل بنوبة فخر لامتلاكه وارثاً بهذا الأدب والبريق في عينيه. إما أن الفتى نادم حقاً، وإما أنه ما زال يمثل دوراً. ومع أن نويل فضل الاحتمال الأول، إلا أنه أدرك أن الثاني كان الأكثر ترجيحاً. فمن المستحيل عقلاً أن يمر ابنه الأحمق بتغيير جذري مفاجئ نتيجة حدث عشوائي من العدم، أليس كذلك؟ لكن بغض النظر عن السبب، لم يكن ذلك مهمّاً. وسواء كان لانس يمثل أم لا، فقد كانت لدى نويل وسيلة ليكتشف الحقيقة ويقرر كيف يتعامل معه بناءً عليها. تنحنح نويل ثم اعتدل في جلسته قليلاً ورمق ابنه بنظرة مباشرة. سأل: "إلى أين وصلت في تحضيراتك لامتحان القبول في كلية الكيمياء؟" خفت صوته قليلاً، لكن المعنى الكامن خلفه كان أشد حزماً. "أقضي جل وقتي في الإمبراطورية بسبب أعمال العائلة، لكن هذا لا يعني أنني غافل عنك. إن كرمي معك مشروط بشرط واحد، وهو أن تثبت أنك تفعل شيئاً مجدياً بحياتك". لم يستطع الخادم الواقف خلف نويل إلا أن يوسع ابتسامته قليلاً. عاد جزء من ذلك إلى المتعة الهادئة في مراقبة السيد الشاب وهو يتلوى، لكنه فضول أيضاً لمعرفة كيف سيرد لانس. ظل لانس صامتاً، وقد داهمه الذهول لهذه المعلومات الجديدة. ومما تذكره من ذكريات سلفه، فإن لانس القديم لم يسبق له أن درس قط من أجل امتحان القبول! كانت كلية الكيمياء جزءاً من جامعة إيكريت الواقعة في العاصمة الملكية. وتعد أقدم مؤسسة في المملكة وذات صيت ذائع في مختلف أنحاء القارة الجنوبية. وهي تستقطب كل عام طلاباً واعدين من مملكة هوتون والدول المجاورة لها. وباعتبارها واحدة من الأقسام الأربعة للجامعة، اشتهرت كلية الكيمياء ببراعتها في الصنعة الكيميائية والبحث النظري. وكان امتحان القبول فيها صعباً للغاية لدرجة أن لانس القديم استسلم دون حتى أن يحاول الدراسة. ويا للأسف، دأب سلفه أيضاً على الكذب مراراً وتكراراً، زاعماً أنه يدرس بجد لنال القبول. فاطمأن والداه وظنا أن الأمور على ما يرام، مما سمح له بتبديد مبالغ طائلة من مصروفه على المجون بلا توقف. اللعنة! لقد استمتع سلفي اللعين بكل المزايا، وها أنا ذا أتحمل العواقب وحدي! بالطبع، في مجرى الأحداث الأصلي، لم يكن لانس القديم ليواجه قط المأزق الذي يعترض طريقه الآن. لقد وضعت تاليا حداً لحماقات سلفه الأبله بسهولة قبل أن يتمكن أبوه من مواجهته. قطب لانس جبينه متأملاً هذه الفكرة. ثم سأل: "أبابت، هل توجد أي أعمال أخرى في هذا العالم تحمل أيضاً اسم شركة ويلفورد التجارية؟" "مم؟" أثار تغير ابنه المفاجئ في الموضوع حيرة نويل، لكنه التقى بعيني لانس الجادتين وأجاب بمسحة واضحة من الفخر: "لا يمكنني الجزم بوجود مشاريع صغيرة تحمل اسماً مشابهاً، ولكن لا توجد شركات أخرى بهذا الاسم بين المؤسسات التجارية الكبرى التي تمارس التجارة عبر مملكة هوتون وإمبراطورية كراتي". أومأ لانس رداً على ذلك دون أن يتبدل تعبير وجهه. والآن بعد أن غير مصيره وتجنب القتل على يد تاليا، سيتعين عليه بدوره مواجهة مواقف معينة لم يكن سلفه الأحمق ليواجهها قط. طالما شعر أن اسم عائلته، ويلفورد، يبدو مألوفاً له، لكنه لم يستطع تذكر الموضع الذي صادفه فيه بدقة. تذكر أخيرفاً سبب شعوره بالألفة تجاهه. ففي الحبكة الرئيسية للعبة التي تدور أحداثها بعد عامين من الآن، توجد مهمة جانبية بعنوان "مأساة ويلفورد!"، ونص وصف المهمة على أن شركة تجارية متعددة الجنسيات انهارت فجأة بين عشية وضحاها لأسباب مجهولة، وتلا ذلك اغتيال الأفراد المرتبطين بالإدارة العليا للشركة الواحد تلو الآخر. كان لدى اللاعبين خيار التحقيق، لكن مستوى صعوبة المهمة صنف على أنه صعب للغاية. لقبه عائلي هو ويلفورد؛ والعمل العائلي يحمل اسم شركة ويلفورد التجارية. والآن بعد أن تأكد من أنها المؤسسة الكبرى الوحيدة متعددة الجنسيات التي تحمل هذا الاسم، فلا خطأ في الأمر: هذا ما سيحدث لعائلته بالذات. بدا أنه لا يستطيع مجرد الاسترخاء والتقاعد الآن. عليه أن يشمر عن ساعديه ويعمل بجد لنصف عام على الأقل، بمدة تكفي للتحقيق والقضاء على هذا الخطر الكامن مقدماً! فبعد كل شيء، كانت ثروة العائلة هي الأساس الراسخ لخطة تقاعده في سن العشرين؛ وكان عليه حمايتها حتماً. والآن بعد أن رسم الخطوط العريضة لما سيقوم به لاحقاً، قال لانس بهدوء: "أبابت، أعدك بأنني سأجتاز الامتحان وأنال القبول في الجامعة". لم يكن يمانع في الواقع اتباع توجيهات أبيه. بل إنه وفقاً لذكريات سلفه، تمتعت كلية الكيمياء بعظمة تقرب من السحر. فهي لم تمنح الطلاب فرصة الوصول إلى أحدث تقنيات الهندسة السحرية في هوتون ومجموعة من المرافق والموارد المتقدمة فحسب، بل قدمت لهم أيضاً مستوى من الحماية لا يُعارض. وبصفته عاطلاً عن العمل بلا أي قدرة قتالية، لم يمتلك لا القوة للدفاع عن نفسه ولا مكانة بارزة تكفي لتلقي حماية الجهات النافذة في المملكة. لذا، فإن اندفاعه بتهور إلى إمبراطورية كراتي للتحقيق في الجذر المحتمل لمصائب عائلته المستقبلية لن يختلف عن الركض نحو الموت. كان التطوير الذاتي أولاً أحكم. وكان هدفه بسيطاً: الصعود إلى الشهرة بأسرع ما يمكن، ونظل رضى السلطات والخبراء النافذين في هذا العالم، وبناء شبكة علاقات متينة. ولا شك أن صقل مهارة صنع البطاقات كان أقصر الطرق وأنسبها. فتطابقت مواهبه الفطرية تماماً مع تلك المهنة. وبدلاً من محاولة تعلم صناعة البطاقات بمفرده في هذه المدينة الحدودية، سيبدو استخدام موارد كلية الهندسة السحرية في جامعة إيكريت أكثر كفاءة بمئة مرة.[1] كما مثلت العاصمة مكاناً ألائق بكثير ليحلق فيه حقاً ويحقق الشهرة. وحتى لو فشل كل شيء، فبمجرد أن يجني ثروته هناك، يستطيع إيجاد طريقة لتفكيك أعمال العائلة قبل استهدافها. وسيمنع ذلك أيضاً الدمار المروع لعائلته! "مم؟" رفع نويل حاجبيه، غير مدرك البتمام لخطة لانس الهادفة لإنقاذ عائلة ويلفورد. بل كان يشكك في جسارة ابنه المطلقة في إعلان نجاحه باجتياز الامتحان. لقد افترض أن ابنه الأبله، الذي لا يختلف سلوكه مؤخراً عن سلوك قطاع الطرق، سيفضح أمره تماماً بمجرد وصوله إلى هنا. ومما أثار دهشته، أنه بغض النظر عن قطبة الحاجب العابرة، ظل لانس يطلق شعارات رنانة. في الحقيقة، جاءت كل ردة فعل من ردود أفعال ابنه خارج توقعاته تماماً. ومع أن نويل نادراً ما حظي بالوقت أو الطاقة للاهتمام بتفاصيل حياة لانس اليومية، إلا أنه كلما سأل الخادم وخادمة ابنه الشخصية، بذل الخادمان قصارى جهدهما للتستر على الفتى. لكن نويل لم يكن أحمق. فقد كانت لديه فكرة عن الكيفية التي يقضي بها لانس أيامه عادة. قال نويل بصوت منخفض وثابت: "بما أنك واثق إلى هذا الحد، فإذا اجتزت امتحان القبول بنجاح، فسأعترف بخطئي تجاهك وأعتذر..." واشتعلت عيناه بحدة شعلة نار وهو يحدق عميقاً في عيني لانس. "ولكن إن أخفقت في الاجتياز، ألا يثبت ذلك أنك كنت تكذب وتخدع العائلة طوال هذه المدة؟" أجاب لانس بهدوء وروية: "طبعاً. سيكون ذلك تقييماً عادلاً إن حدث". "إذن، لن أزعجك اليوم بعد الآن. واصل الدراسة بجد. سأشتري تذكرة القطار إلى العاصمة مقدماً، فلا تكلف نفسك عناء هذه الأمور". اقتنع نويل عند هذه النقطة بأن لانس قدم وعداً مباشراً ومقنعاً. وبما أن ابنه أصر على التمسك بقصته في الوقت الراهن، فلم يرَ بأساً في استغلال هذه الفرصة ليدع لانس يتجرع عواقب أفعاله. وبمجرد أن يعاني ابنه من بعض النكسات، سيضطر لقبول عقابه دون مجال للجدل. في الواقع، لم يصدق نويل للحظة واحدة أن لانس قادر على النجاح. كان الأمر مستحيلاً ببساطة. فامتحان القبول في كلية الكيمياء اشتهر بصعوبته البالغة. وعدد المواد التي يختبرها هائل، ووضع الكلية معايير قبول عالية للغاية. وأي شخص يرغب في القبول عليه التحضير بجد لمدة تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات على الأقل، بينما تبدأ امتحانات القبول خلال ثلاثة أشهر فقط. تطلب القبول في كلية الكيمياء أقل قدر من الموهبة الفطرية، ومع ذلك تجاوز ذلك ما يمكن لانس التعامل معه. أيقن نويل أنه ما إن يسافر ابنه إلى العاصمة ويصادف الأفراد الموهوبين حقاً الذين التحقوا بالكليات الثلاث الأخرى، حتى يدرك أخيراً مدى حماقة ورثاثة كسله وغطرسته وقصر نظره السابق. قال لانس بيقين: "أنا أفهم". ورغم أن أباه ما زال يضمر الشكوك نحوه، إلا أنه عبر عنها بطريقة دبلوماسية للغاية. بل وذهب إلى حد عرض إرساله إلى العاصمة. يكن لانس احتراماً حقيقياً لهذا الرجل. لذا، عزم على الارتقاء إلى مستوى توقعات أبيه. "طالما أنك مستعد لإرسالي إلى العاصمة ومنحي الفرصة لإثبات نفسي، فأنا أضمن لك أنك ستتلقى الأخبار السارة بأني قُبلت بنجاح في جامعة إيكريت". كاد نويل ينفجر ضحكاً. التقط فنجان الشاي، واحتسف رشفة، وكبح الابتسامة الساخرة التي كادت تظهر على محياه. تثبت نفسك؟ أنت ذاهب إلى هناك لتؤدي امتحان القبول فحسب. أتعتقد حقاً أنك ستنجز مآثر عظيمة؟ لم يتوقع نويل أن يمضي حديث اليوم بهذه السهولة، ولهذا استعد تماماً لمواجهة مزعجة نوعاً ما. كان عقاب لانس حتمياً، إذ احتاج لتعليم ابنه المغرور والمتعجرف أن المرء يدفع ثمن أخطائه. لكن على غير العدد، أدى موقف لانس المخلص إلى إبرام اتفاق ودي إلى حد ما. أما بالنسبة لنويل، فلم يعنِ الأمر سوى إتاحة الفرصة لابنه لرؤية العالم بنسبة أكبر قبل وقوع العقاب. على أي حال، سيظهر لانس بمظهر الأحمق في امتحان القبول لا أكثر. وأما عن السماح لابنه بالذهاب إلى العاصمة دون رقابة، فلم يقلق نويل أدنى قلق من جموح ابنه. استطاع لانس الإفلات بغطرسته وهيمنته في هذه المدينة الحدودية الصغيرة. لكن العاصمة وجامعة إيكريت قصة أخرى. فهناك تكثر الشخصيات البارزة والمهمة. ومن المحقق أن ابنه الأحمق لن يقدر على إثارة أي مشاكل على مسرح ضخم كهذا. لقد عرف نويل ابنه حق المعرفة. كان مجرد فتى أحمق مدلل يجيد النباح دون العض. ولم يكن بالتأكيد سيد شياطين فوضوياً يتحول بمجرد وضعه في البيئة المناسبة إلى إعصار جامح. أراحه ذلك وحده على الأقل. [1] للعلم، هذه هي البقعة التي يمكنك فيها تعلم صناعة البطاقات، وليست كلية الكيمياء. ولا يعد هذا سهواً من المؤلف. بل إن كلية الكيمياء هي فحسب المكان الذي ظن الأب أنه يجب أن يذهب إليه.