الفصل 46: تجسد الفوضى
— وجهة نظر كايل فالتر —
تبا!
ظللت كلمة واحدة تتردد داخل جمجمتي مثل كرة معدنية ثقيلة ترتد بين جدران عقلي منذ أن غادرنا ذلك الفراغ البنفسجي المسمى "ملازم الفراغ".
كنت جالسا في الزاوية المظلمة لمكتب الفرقة ألفا، أطيل النظر إلى شاشة حاسوبي التي تعرض بيانات لم أكن أقرأ حرفا واحدا منها.
كان عقلي لا يزال مشلولا، يعيد شريط ما أخبرني به داميان في تلك الليلة المشؤومة، وكيف ربطت خيوطه باعتراف فاليسرا الصادم.
كان داميان قد أخبرني من قبل عن ذلك الاجتماع الأمني المرعب. أخبرني وعيناه تفيضان خوفا حقيقيا، كيف دخل قيصر درافيون، الحاكم الأسمى لإيليسيوم، وكيف سحق الحاضرين بهالته، وكيف تحدثت معه فاليسرا -الفتاة المراهقة التي تقود فرقتنا- كندية مساوية لها، بجرأة لا تُتصور، منادية إياه باسمه المجرد "قيصر".
وأخبرني كيف أن الأسمى، بدل محوها من الوجود، تنهد وقال لها: "أنت محقة".
في ذلك الوقت، اعتقدت -واعتقد داميان، واعتقد جميع قادة الاستخبارات- أن فاليسرا كانت منسية أو محمية بشكل مطلق.
كنا نعتقد أنها تمتلك حصانة عليا، أو أنها مدعومة مباشرة من عرش إيليسيوم.
لكن... بعد اعترافها الهستيري في قاعة الإعداد -بأنها لم تره سوى مرة واحدة في حياتها، وأنها لا تملك أي سلطة عليه- انهارت كل تلك النظريات، كاشفة عن حقيقة أكثر رعبا بكثير.
تبا لذلك! تبا لتلك المرأة المعتوهة!
لقد كانت تلعب البوكر مع حكام العالم باستخدام أوراق فارغة تماما!
لقد مشت إلى عرين أسد، ووضعت رأسها داخل فمه، وبدأت تملي عليه الشروط -دون حتى أن تحمل عصا لتضربه بها!
والأكثر سخافة... أن الأسد، لسبب مجهول -ربما من شدة الصدمة من جرأتها- جارها في اللعبة!
"يا له من شيطان مختل..." تمتمت بين نفسي وأنا أفرك وجهي بيدي.
في عالم قد يكلفك فيه خطأ واحد في صياغة الكلمات أمام الأشخاص رفيعي المستوى حياتك، كانت فاليسرا ترقص على حبال المشنقة وهي معصوبة العينين.
وعلى الرغم من رعبي المطلق من طيشها، لم أستطيع إنكار إعجاب مريض مظلم بدأ ينمو داخلي تجاهها.
إنها تجسد الفوضى... والفوضى هي السلم الوحيد الذي يمكن لشخص مثلي تسلقه.
لكن وراء جنون فاليسرا... كان هناك شيء آخر يشتت انتباهي.
شيء ينبض في دمي، وفي أعصابي... وفي "ظلي".
رفعت يدي اليمنى وأمعنت النظر في راحة كفي.
خلف قفازي الأسود، وتحت طبقات الجلد، استطعت أن أشعر ببرودة غريبة. برودة معدنية حادة لا تنتمي إلى هذا العالم.
كانت تلك البرودة تنبعث من "النصل المنسي".
السيف الأسطوري المصنوع من العدم الخالص، والذي يستقر الآن داخل صدع صغير في الزمكان مرتبط بروحي، مستعد للتجلي لحظة أن استدعيه بإرادتي.
ومنذ أن حصلت على المهارة الجديدة [تمزيق الظل – الرتبة إس ناقص]، كان هناك شعور بالحكة... حكة مرضية ملحة ومزعجة تزحف عبر أطراف أصابعك.
كنت أتوق -لا، بل كنت أتلظى جوعا- لاستخدام النصل المنسي للمرة الأولى.
لقد استخدمت المهارة من قبل لقتل آرثر، وتمزيق وتر فارغاس، وإصابة إيفا، لكن كل ذلك تم باستخدام مسدس إيترا عادي وسكين تكتيكي.
أسلحة مثيرة للشفقة مقارنة بمهارة من الرتبة إس.
ماذا سيحدث لو استخدمت "النصل المنسي" نفسه؟ السيف المصنوع في مقبرة الأسمى لتمزيق الواقع إربا؟
تخيلت نفسي واقفأ في غرفة مليئة بالأعداء، دون الحاجة إلى التحرك على الإطلاق.
فقط غرس ذلك النصل الأسود في ظلالهم... ومراقبتهم وهم ينقسمون إلى نصفين بينما يصرخون رعبا، بحثا عن قاتلهم غير المرئي.
أرسلت الفكرة وحدها قشعريرة من النشوة السادية أسفل عمودي الفقري.
لكن... الواقع قيدني بسلاسل من المنطق البارد.
قالت فاليسرا: "ابحث عن أدلة".
ضربت المكتب الخشبي برفق بقبضتي.
"هل يتعين علينا حقا جمع الأدلة؟" تمتمت بانزعاج لنفسي.
نحن لسنا رجال شرطة نبحث عن بصمات الأصابع!
نحن وحدة اغتيالات واستخبارات! لماذا نلعب دور المحققين الشرفاء؟
يجب أن نقتحم المكان ونقبض على المسؤولين! مديري الأقسام، والأطباء الرئيسيين-حتى ذلك القديس اللعين إيلاريوس!
يجب أن نقبض عليهم ونغرس مهارتي في جماجمهم لاستخراج ذكرياتهم ودمائهم معا!
لا بد أنهم يعرفون شيئا عن العقل المدبر! لا بد أنهم يعرفون من هم الفراغيون الستة!
لكن على الرغم من غضبي، كنت أعلم أن فاليسرا كانت على حق.
نحن نتحدث عن مستشفى القديس إيلاريوس. أحد أعمدة مدينة العاصفة.
مؤسسة طبية ضخمة يعتبرها المدنيون معبدا للرحمة، يحرسها مئات المرتزقة رفيعو المستوى، ويديرها وحش اخترق الرتبة إس زائد.
إذا هاجمنا بدون خططة، وبدون أدلة دامغة تجبر قيصر درافيون على التدخل وحمايتنا، فسوف نُباد، ويُصنف كإرهابيين، وتُدفن القضية إلى الأبد.
لذا... كان الاستطلاع ضروريا.
كان علينا دخول فم الوحش -ليس كصيادين، بل كفرائس.
[بعد ساعتين – القطاع المركزي – ساحة مستشفى القديس إيلاريوس]
توقف المطر، تاركا وراءه سماء رمادية ثقيلة وجوا مشبعا بالرطوبة.
كنت قف على الرصيف المقابل، رافعا ياقة معطلي القديم الممهوك لحمايتي رقبتي من نسيم البرد.
لم أكن أرتدي بدلة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأنيقة، ولا أحمل أي سلاح ظاهر.
كنت أرتدي ملابسي القديمة -تلك التي كنت أستخدمها عندما كنت مجرد لص بائس في الضواحي.
قميص قطني باهت، وسنط جينز ممزق عند الركبتين، وحذاء رياضي مهترئ.
لم أكن بحاجة إلى الكثير من المكياج أو الجهد لأبدو كشمري على وشك الموت.
كان وجهي شاحبا بطبيعته كشمعة ميتة، والهالات السوداء العميقة تحت عيني الحمراوتين الباهتتين تحكي قصة ألف ليلة بلا نوم.
كنت أبد تماما كشاب من القطاعات الدنيا -التي استنزفت طاقتها إيترا فاسدة- جاء يتوسل للحصول على علاج خيري.
أخذت نفسا عميقا ورفعت نظري نحو المبنى.
"مستشفى القديس إيلاريوس".
الاسم وحده جعل معدتي تتقلب الآن.
لم يكن المبنى مجرد مستشفى -بل كان أقرب إلى كاتدرائية ضخمة مصممة لتمجيد حكام الطب.
بنيت واجهته بالكامل من رخام أبيض نقي يلمع بنظافة غير طبيعية، وكأنه يرفض أي غبار من تلوث إيليسيوم.
عكست نوافذه الزجاجية الضخمة ضوء الشمس الباهت، وأمام المدخل الرئيسي كانت تقف نافورة مياه نقية عظيمة، تتوسطها تماثيل ملائكة بأجنحة ممدودة، تسكب مياه الشفاء من جرة ذهبية.
كل شيء كان يصرخ بالطهارة والرحمة والخلاص.
لكن... بالنسبة لي، مع كل خطوة خطوتها نحو البوابة الرئيسية العريضة، زحفت القشعريرة عبر جلد آلاف الحشرات الباردة.
انزلق الأبواب الزجاجية التلقائية بهدوء.
دخلت.
في اللحظة التي تجاوزت فيها العتبة، صدمتي تكييف الهواء المركزي.
هواء بارد ومنعش، معطر برفق بالخزامى ومطهرات كيميائية عالية الجودة.
كانت قاعة الاستقبال خلية نحل من النشاط البشري.
مئات الأشخاص يتحركون في كل اتجاه.
عائلات تنتظر بقلق على مقاعد جلدية فاخرة، أطفال يركضون في كل مكان، ممرضات بزي أبيض نقي يبتسمن بلطف ملائكي أثناء توجيه المرضى، وأطباء يمشون بثقة، يحملون أجهزة لوحية إلكترونية ويتحدثون بنبرات هادئة ومطمئنة.
كان المكان... طبيعيا جدا.
طبيعيا بشكل مرعب.
وقفت في منتصف القاعة بينما كان الناس يمرون من حولي.
ضيقْت عيني وفعّلت حواسي الإيترا.
كنت أتوقع أن أشرع هالة الموت، أن أشم رائحة الدم الفاسد الذي رأيته، أن ألمح وميضا من الظلام خلف هذه الجدران البيضاء.
لكن... لم يكن هناك شيء.
لاشيء على الإطلاق.
لا تسريب سحري. لا هالات مشبوهة.
حتى حراس الأمن الواقفين في الزوايا كانوا يرتدون أزياء أنيقة ويبتسمون للزوار، وكانت إيتراهم هادئة ومستقرة -لا تتجاوز الرتبة سي أو بي للضباط الكبار.
"هذا مستحيل..." فكرت في نفسي، وتسارع نبض قلبي.
كيف يمكن لمكان أن يكون بهذه المثالية؟