الفصل الثالث عشر: النساء السخيفات
"أنا الأم التي حاولت قتل ابنتها حديثة الولادة بيدي هاتين."
صمت.
ثم، بابتسامة بدت كالجليد يعبر الروح، أضافت،
"لكنني فشلت."
رازيل، الذي كان واقفاً باستقامة، متوقعاً بعض اللقب العظيم أو المقدمة المهيبة، تجمد.
ضربته الكلمات بقسوة أكبر من أي تفجير سحري أو نصل على الإطلاق. احتبس أنفاسه. ارتجفت روحه.
أي نوع من المقدمات هذه...؟
دارت أفكاره. لا أحد... لا أحد يقدّم نفسه بهذه الطريقة.
لم يكن هذا شريراً بل كان أبعد من أن يكون مسخاً. التوى بطنه، وسرى شعور بالبرودة صعوداً في عموده الفقري بينما تشكلت الصورة في عقله. طفلة بالكاد تتنفس، عاجزة، وأم، أمها بالذات، تحاول أن...
لم يستطع حتى إتمام الفكرة.
أهذا ما يجب أن أصبح عليه أيها النظام؟ أهذا هو نوع المسوخ المفترض بي محاكاته لكي أكون "شريراً"؟ إن كان الأمر كذلك... فأنا أفضّل ألا أكون. لا أمهمني ما يكون هذا المكان أو مدى قوتها، أخرجني من هنا.الآن. إنها تقرفني.
تصدى صوته داخل فراغ عقله، بارداً وحازماً.
[استمع إليها بالكامل، أيها المضيف.]
[لا بد أنه كانت لديها أسبابها. لا يقوم أحد بأي شيء من دون سبب. هذا هو درسك الأول، كل فعل، مهما كان مظلماً، له مسبب. حتى أصغر اللحظات.]
لا. لا أؤمن بأن أي سبب في العالم قد يبرر ما قتلت للتو. لا يعنيني إن كانت ملكاً أو شيطاناً. إنها... مثيرة للاشمئزاز. لا أود التواجد في حضرتها، فضلاً عن التعلم منها. رد بهدوء الآن، لا بخوف، بل برفض بارد.
[ستفهم إن توقفت عن التصرف كطفل انضج. لا أحد يولد الشرير. ولا حتى الأشرار.]
صك رازيل على أسنانها. قبض قبضتيه بإحكام، وغرست أظفاره في راحتي يديه.
أغمض عينيه. أخذ نفساً عميقاً.
اهدأ. فقط استمع.
عندما فتحهما مرة أخرى، كان صوتها قد استأنف حديثه بالفعل.
"لقد أنجبت ابنتي. ولكن بسبب الإرهاق الشديد... لم أستيقظ للأيام الأربعة التالية."
صمت.
"عندما استيقظت... لم أرى زوججي. ولم أكن في المنزل الذي اعتدنا العيش فيه معاً."
"أخبرتني المشرفة أنني أنجبت فتاة... وأن زوجي وعائلته أيضاً لم يرغبوا بابنة."
"أخبروني بأن "أنظف الفوضى"... وأعود للمنزل وكأن شيئاً لم يكن. حتى أمي الخاصة قالت إن عليّ فعل ذلك."
"كنت ضعيفة... هشّة... لكني ذهبت مع ذلك. ذهبت لرؤية ابنتي للمرة الأولى. حملتها بين ذراعي للمرة الأولى."
"لا أعلم بما كنت أفكر... لقد وقفت هناك فقط. لا أذكر للمدة التي مضت."
وقف رازيل صامتاً، بعينين لا تتحركان. لكن في عقله، تشكلت صورة باهتة، باردة، ثقيلة. رسمت كلماتها مشهداً لم تعشه، لكنه كاد يشعر به: هواء مرير، أطراف هشة، طفلة ولدت غير مرغوب فيها.
تصدى صدره. كانت المشاعر معقدة. قبيحة. حقيقية.
واصلت حديثها، وصوتها ثابت... ثابت أكثر من اللازم.
"لم أمتلك الجرأة... لأقتلها بيدي. لم أستطع."
كان وجهها بلا تعبير الآن، سوى سكون بدا وكأنه عاش فيها لسنوات. كانت تتذكر. شيئاً لم تنسه قط.
"لذا أخذتها إلى الخارج."
"كان ذلك خلال الشتاء. موسم الصقيع. بارد لدرجة تجميد الفكر ذاته."
"لم يكن أحد في البيت. لقد تركوني وحدي ربما ظناً منهم أنني سأفعل ما لم يستطيعوا قوله جهراً."
"في تلك الليلة، تركت ابنتي في البرد القارس. عارية. في الثلج العاري."
"وأنا... جلست على عتبة الباب فقط. أنتظر. أنتظر اللحظة التي ستتجمّد فيها حتى الموت."
"وبطريقة ما، غلبني النوم على تلك الحال... جاقفة هناك فقط."
احتبس نفس رازيل. سرت برودة في عموده الفقري، كالجليد الذي يتسلل عبر عروقه. ارتعشت عيناه، لكنه لم يتكلم.
"عندما استيقظت في الصباح... كنت خائفة. كنت مرعوبة من الخروج إلى الخارج. خائفة من رؤية ما اقترفته."
لم يرتجف صوتها. ولا لمرة واحدة. ولا حتى شرخ واحد.
"لكن عندما خرجت..."
"كانت هناك. تمد في الثلج. فاقدة للوعي. مدفونة نصفياً في الصقيع، لكنها مع ذلك... كانت على قيد الحياة."
"جلدها... كانت زرقاء من رأسها حتى أخمص قدميها. لكنها كانت تتنفس."
عند هذا، أدار رازيل رأسه بعيداً. اشتد تعبيره، وكأنه يحاول مقاومة الصورة ذاتها التي تخمش عقله.
طفلة. متجمدة. تموت. لكنها على قيد الحياة.
"...وفشلت."
"فشلت في قتل ابنتي"، قالت.
صمت. ثم تغير شيء في نبرتها ليصبح أنعم، لا ألطف.
"ولكن حينها... فكرت، إن كانت ابنتي قادرة على محاربة الموت طوال ليلة كاملة... فلم لا أستطيع أنا القتال من أجلها، لمرة واحدة فحسب؟"
"لماذا... كنت مستميتة إلى هذا الحد للاستسلام؟ لماذا كان العودة لتلك العائلة أهم من طفلتي الخاصة؟"
"بما كنت أفكر... في ذلك الحين؟"
"لذا نهضت"، قالت، متثائبة عرضاً، "وقلت العائلة بأكملها. زوجي، أمي، أهل الزوج... كل من أخبرني بقتلها."
في تلك اللحظة، التوى المشهد في عقل رازيل كعظمة منكسرة. الشفقة التي كانت تتشكل تدريجياً داخله تحطمت إلى ارتباك حاد.
ماذا...؟
طرف بعينيه، وقد أُخذ على حين غرة.
قبل ثوانٍ معدودة، كان على حافة فهمها. من الاشمئزاز الخالص إلى... الشفقة؟ التعاطف؟
العنة... كيف بحق الجحيم حدث هذا التحول؟
أأفقد عقلي حقاً؟ ما زالت تحاول قتل ابنتها. هذه الحقيقة لا تتغير. لا ينبغي لي أن أشعر بهذا النوع من المشاعر تجاهها.
لكن... في ذلك الحين، ماذا كان بإمكانها أن تفعل أصلاً؟
تسللت الفكرة، هادئة لكن لا يمكن إنكارها.
أهذا يجعلني فاسداً أنا الآخر؟
قبض رازيل قبضتيه قليلاً، وتاه صدره بعدم ارتياح. لم استطع تبين الأمر، لكنه لم يقاطعها أيضاً. اكتفى بالاستماع بينما استمرت قصتها.
"بدأت في تربية ابنتي"، قالت. "وفي خضم نموها، حاولت جمع بعض الدعم المالي. لذا فكرت في فتح متجر في المدينة باستخدام آخر جزء من المال الذي ادخرته... عائداً من عائلتي."
كان صوتها مسطحاً، لكنه ثابت. تردد نوع من الفخر الهادئ فيه.
"ولكن حينها... جاء بعض الناس. أشخاص مقدسون. قالوا إنني لا أستطيع فتح متجر لأن هناك تمثالاً لملكهم بجانبه."
زفر رازيل ببطء.
يا لها من مسكينة.
أنا أعرف هذه الكليشيهات السخيفة جيداً، "يا للهول المقدس" في الروايات تعني دائماً أن شخصاً ما سيعاني.
والآن سيجبرونها على إغلاقه، ويتركونها مفلسة، ويجعلونها تعاني بينما يدعون القداسة... يا لها من أصالة.
تنهد، متوقعاً حكايتها المأساوية مسبقاً.
"لذا"، أضافت، مطرفة عينيها ببطء، "في اليوم التالي، نقلت تمثالهم إلى الأطراف."
حدق رازيل.
مرت لحظة. ثم قهقه بهدوء، واضعاً يده بقوة على وجهه.
ملوك... ماذا كنت أتوقع؟
إنها ليست البطلة. إنها شريرة، يا صديقي.
بالطبع فعلت ذلك.
مع ذلك، ارتسمت ابتسامة خبيثة على جانب شفتيها.
مؤكد أن مؤخرات أولئك الفرسان المقدسين المغرورين قد احترقت لسماع ذلك.
"لذا أطلقوا عليّ لقب ساحرة"، تابعت ملوحة بكتفيها، "وقالوا إنهم سيطردون الأرواح الشريرة مني. لذا قتلتهم أيضاً."
"واستمر الأمر هكذا."
قالتها كشخص يحكي عن الطقس. ليست دراما. وليست مأساة. مجرد... استمرارية.
"وبعد مرور بعض الوقت، استمرت هذه الأشياء الصغيرة في الحدوث. ثم ذات يوم، حاول ابن أحد الأباطرة لمس ابنتي."
"لذا قتلته هو أيضاً."
طرف رازيل عينيه مرة أخرى. هذه المرة ببطء أكثر.
انتظر، ماذا...؟ لقد تصاعد الأمر بسرعة.
"حسناً... أشياء مملة. استمر الأمر برمته. لقد جاؤوا. تقاتلنا. قتلت. لم أخسر قط. ولا لمرة واحدة"، قالت، دون أدنى تلميح للفخر.
"وحينها فكرت... لم لا أساعد النساء اللاتي يشاركنني ذات المصير؟ ليدعن يحصلن على عدالتهن بأنفسهن. لذا علمتهن أيضاً. كيف يصبحن أقوى."
"لقد دمرت بنات. أبناء. أحفاد. أجداداً. كل من وقف في طريقري."
توقفت، ثم أضافت بحتمية شخص يتلو تقريرا عن الطقس:
"خلال حياتي، قتلت تريليونات من البشر."
حولَت نظرتها مباشرة نحو رازيل الآن، وكان صوتها هادئاً، وكأن كل ما للتو لم يكن سوى مقدمة شخصية مهذبة.
"واسمي هو زارا رافاريرن."
"هذا كل شيء عني. مقدمة كاملة."
أنهت كلامها وسكتت.
وقف رازيل فحسب. مذهولاً. وعقله مشتت.
أي جحيم بحق الجحيم من المقدمات تلك؟!
لقد مرت بححيم، بلا شك... ولكن بعد تلك الحادثة الأولى، يبدو أن عالمها قد انقلب إلى وضع السهولة اللعين!
لم يستطع استيعاب الأمر.
ومن الناحية التقنية... لم تخبره بشيء. لا عمرها، ولا ألقابها، ولا قواها، ولا رغباتها. لا ما تحبه أو تكرهه.
فقط اسم.
وحقيقة أنها قتلت تريليونات.
كان ينبغي لهذا وحدها أن يكون كافياً لإثارة الخوف، أو الرهبة، أو على الأقل بعض أشكال التوجس. لكن في هذه اللحظة، لم يترك سوى طعم مرير من الارتباك.
أطلق رازيل زفرة حادة، هازاً رأسه بتنهيدة حملت الإرهاق والإحباط المعتدل معاً.
"انسَ الأمر"، فكر في نفسه.
ربما... ربما لم يكن ذكاؤها مبنياً على التفكير المنظم. ليس بالمعنى التقليدي. على الرغم من قوتها، ربما لم يكن العقل نقطة قوتها.
مطهراً حلقه، استقام في وقفته وقرر اختصار المحادثة.
"حسناً إذن... سيدتي"، قال، وبات صوته أكثر توازناً، رغم أنه ما زال مشوباً بضبط النفس الجاف. "سأكون مباشراً. ما الذي سيتعين عليّ فعله... لأقنعك بتعليمي شيئاً ما، أي شيء قد يساعدني على أن أصبح أقوى؟"
سقطت كلماته بثقل في الهواء الراكد. وللمرة الأولى، لم يكن يلويها، ولم يكن يلعب دور النبيل أو الغامض. لقد أضاع وقتاً كافياً في الدوران حول الشكليات. لم يتبقَ وقت للإهدار.
كان عليه أن يصبح أقوى هنا والآن.
كان لا يزال بحاجة للخروج من هذا المكان. الخروج إلى العالم، حيث يمكنه الصيد وجمع نوى العناصر، تلك التي لا تسقط إلا من قتل المسوخ الحقيقيين. وإن فشل في فعل ذلك...
فسيفشل.
ولم يكن ذلك خياراً مطروحاً.
لم تقدم الكثير عن نفسها، لذا لم يقل رازيل الكثير هو الآخر. لقد برر عدم مبالاتها عدم مبالاته. ومع ذلك... لم يستطع إنكار الأمر: بطريقتها الغريبة والالتفافية، لقد غيرت العدسة التي ينظر من خلالها إلى أمور معينة. تحول خفي. صغير، يكاد لا يلاحظ.
لكنه تحول مع ذلك.
حتى وإن كانت... الفلسفة عديمة النفع بالنسبة له. في الوقت الحالي.
بدون قوة، لم يكن كون المرء فيلسوفاً يختلف عن كون المرء أحمق تائهاً في ضجيجه الخاص.
القوة هي الحقيقة. وكل ما عداها ضجيج.
أمالت المرأة رأسها، وكأنها أدركت أخيراً الثقل الكامن خلف كلماته. ومن ثم
"أهذا؟ كلا. ليس لدي ما أعلمه لك"، قالت بجفاف، مبتسمة بطريقة افتقرت حتى لتظاهر بالدفء. "لا تبدو كمادة صالحة للتعليم."
التف صوتها حول العبارة كنصل كسول.
"وأكثر من ذلك" انحنت إلى الأمام قليلاً، ضيقة عينيها. "لم أرى حتى ومضة من الاحترام الحقيقي في نظرتك."
طرف رازيل عينيه ببطء.
"كنت ترغب في الابتعاد قبل حتى الاستماع إلي بالكامل، أليس كذلك؟"
كانت كلماتها حادة. ساخرة. باردة.
"هذا ليس تصرف شخص موهوب. وليس شخصاً يستحق الاستثمار فيه."
صمت. وبعد ذلك، هكذا تماماً...
"كلا."
نهائي. قاطع.
حل السكوت، ثقيلاً كالكفن.
'هذه... المرأة السخيفه...'
صك رازيل على فكه، وارتعشت عيناه.
إن كانت تنوي الرفض منذ البداية، فلماذا كل هذه التمثيلية؟ لماذا إضاعة وقته بكلماتها المتعرجة؟ كان بإمكانه أن ينصرف لكسب حود أو أسرار شرير آخر بحلول الوقت الحالي.
أراد رازيل لعن هذه المرأة حرفياً.
ارتجفت يده مع تدفق الفكرة.
النظام...
ولكن في اللحظة التي كان على وشك استدعائه فيها
تغير تعبير وجهها.
مثل خلل يقتحم ابتسامة، أشرقت عيناها بشيء مفاجئ وخبيث. ابتسامة عريضة وشريرة ارتسمت على وجهها، غير بشرية، مفترسة.
كان شيء ما قد انقر في عقلها الملتوي.
'انتظر... ألا يصلح كمادة تجارب مثالية؟' تفككت بصمت، بينما اتسعت حدقتا عينيها بإثارة مجنونة.
"أعتقد... أن لدي ما أعلمه لك"، أعلنت فجأة.
كان التغير في نبرتها فورياً، مبتهجاً، متقلباً.
رفع رازيل رأسه ببطء، وتشبك الحذر في حاجبيه.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما
تجمد.
قبضت برودة على عموده الفقري، متسللة إلى الأسفل مثل جليد أسود. روحه... ارتجفت.
تلك الابتسامة
لم تكن بشرية.
'ما هذا الجحيم من الابتسامات...؟'
كان هناك خطب ما، خطب جسيم جداً.
ما الذي... كانت تخطط له؟