الفصل 90 تماثيل
عدنا إلى القرية لنحمل إليهم البشرى السارة. لقد نفذوا تعليماتنا وبقوا داخل قاعة الولائم. لم أكن أشك لحظة في أن مخيلتهم كانت تسبح في شطحات جموحة وهم ينصتون إلى اصداء معركتنا البعيدة ضد سيد الظلام. لقد بدا عليهم الاطمئنان الشديد حيال فرص انتصار ريل – معذرة، أبو الصقيع العظيم – غير أني كنت متأكداً بالقدر نفسه من أن جذوة صغيرة في دواخلهم كانت تتوقع انفجار الأبواب للداخل في أي لحظة واقتحام ذئب ضخم لعتبتها.
من الإنصاف القول إنهم غرقوا في موجة من الارتياح والسرور تفوق الوصف ما إن فُتحت الأبواب ودخلت أنا وريل. ساد صمت مذهل لبضع ثوانٍ، ثم انفجرت القاعة بالصتاخ والهتافات، ونزر غير يسير من نحيب الفرج. لحسن الحظ، لم يتجمهروا حولنا. خمنت أن توقيرهم لريل بوصفه طيفاً سماويّاً ما كان كفيلًا بدفعهم إلى الالتزام ببضع حدود على الأقل.
قال العمدة سلوريك بعد أن خف الصخب قليلاً: "لا يمكننا أن نشكرك بما يكفي، يا أبو الصقيع العظيم. كل فرد في هذه الغرفة يدين لك بحياته".
هوى على ركبتيه أمام ريل ومرغ جبهته بخشب الأرضية.
"لا نملك شيئاً ذا بال لنقدمه لك، لكن إن شئت شيئاً، فما عليك إلا الطلب".
ألوى ريل بمخالبه زاهداً.
وقال: "إنه الواجب المقدس لأي طيف حارس أن يحمي عابديه... لا حاجة لتمنحوني شيئاً".
خفت صوته وهوى بصره على شيء قرب مؤخرة القاعة. تتبعت مسار ناظريه لأراه مطلاً بحدقتيه على تمثال أبو الصقيع العظيم. لقد حمل شبهاً ما بريل بلا شك. كان كائناً أشبه بالقوارض بذات النسب وذيل كثيف وعريض. بيد أن ثمة فروقاً ظاهرة أيضاً. بدا الخطم أطول قليلاً وأدق من خطم ريل وأقرب إلى شبه الجرذان. والعينان اختلفتا أيضاً. كانت عينا ريل دائريتين تقريباً، بينما اتسمتا في التمثال بالدقة وأشبه بالشقوق.
استطرد ريل قائلاً: "مع قولي هذا... لا أرى تمثالكم يجسد جلال كياني حقاً. بل إنه يكاد يصورني كجرذ وضيع. من تلك التي تعيث فساداً في أزقة المدينه".
اتسعت عيناه العمدة سلوريك وهو يقلب بصره بين ريل والتمثال.
هتف وهو يمرغ جبهته بالارض مجدداً: "أعتذر، يا أبو الصقيع العظيم! أرجو أن تغفر لنا. لقد نحت أسلافنا هذا التمثال منذ قرون خلت وتبوأ المكانة الأبرز في قاعة الولائم منذ ذلك الحين. تواترت الرقصات لأجيال عن صنعه. ويقال إنك ظهرت بنفسك لتكون نموذجاً للصناع كي يتمكنوا من التقاط صورتك الأصلية".
تردد ورمش بنظرة عصبية متوجسة إلى ريل: "لعل مهاراتهم المحدودة أفضت إلى بعض التفاوت..."
انتظر لحظة واحدة... لقد ظهر أبو الصقيع العظيم في القرية ليقف نموذجاً لتمثال؟ لم يكونوا مجرد كائن خرافي يعبده القرويون؟ كانوا موجودين حقاً؟ حككت ذقني. قد يكون هذا سيئاً... ماذا لو اكتشفوا أن ريل أمضى يوماً كاملاً متقمصاً شخصيتهم؟
ماذا لو اكتشفوا أن ريل وصف التمثال – ذاك الذي التقط صورته على ما يُزعَم – بأنه يبدو كـ "جرذ وضيع يعيث في أزقة المدينة؟"
ولعل الأمر الأشد إثارة للقلق برمته، ماذا لو علموا أن ريل أمر بتحطيم هذا الشيء وإعادة تصنيعه ليبدو أشبه بسنجاب؟ مليت في الاحتمالات لهيهة أخرى، ثم خلصت إلى نتيجة... من يكترث بحق الجحيم؟ إن كان أبو الصقيع العظيم موجوداً حقاً، فليذهب إلى الجحيم مباشرة. أين كان حين احتاج عابدوه العون؟ لو لم نظهر أنا وريل، لتعرض كل قروي في القاعة للذبح، قبل أن تُحصَد أرواحهم وتُستخدَم كنوع من الوقود السحري المشؤوم لابتكار تمزقات سيد الظلام العابرة للأبعاد.
إن ظهر أبو الصقيع العظيم يوماً وتبرم لأن تمثاله صار يشبه ريل، حسناً... يمكنه إيجادنا ورفع شكوى، وسيتكفل قسم خدمة العملاء لدينا – أي قبضتاي – بمساعدته على إيجاد حل مُرضٍ. لقد تغيرت رؤيتي برمتها لطبيعة الملوك والكيانات السماوية تغيراً جذرياً منذ الولوج إلى منطقة الاختبارات. على الأرض، لم أكن يوماً شغوفاً بالديانات. لم يكن الأمر تعارضاً صارخاً مع فكرتها؛ بل إنني لم أعرها قط تفكيراً عميقاً.
ورغم ذلك، راقتني دوماً فكرة وجود كائن كلي القدرة يتربص هناك ليكافئ الساعين جاهدين ليكونوا بشراً أخياراً بمنحهم الفردوس في الحياة الأخرى. لكن الآن؟ لقد عاينت واختبرت من الأمور ما ينوء به العقل بعد سبعة أشهر فقط في الاختبارات. استطعت الطيران. استطعت محو مبنى بلكمة واحدة. وراودني الشك في وجود أسلحة على الأرض قادرة على إيذائي فعلياً بعد الآن. استطاع ريل التحكم بالعناصر.
بوسعه انتشال البشر من حافة الموت بتعويذة وحيدة. وبإمكانه استدعاء جيش من المحاربين الموتى الأحياء. لو زار أي منا كوكب الأرض بهيئتنا الحالية، لما راودني أدنى شك في وجود وفرة من البشر المستعدين لعبادتنا كملوك. ثم هناك قصة زيوس الذي يتحكم بالأمور في الطابق الثامن من برج الإمكانات. الآن، كان احتمال كونه مجرد إسقاط سحري وارداً تماماً، أو ساحر برق قوي أُستأجر وأُلبس كي يتقمص الدور.
غير أن احتمال ارتحال ذات الشخص إلى الأرض قبل ثلاثة آلاف عام وقضائه وقتاً متظاهراً بأنه ملك كان وارداً أيضاً. حين استدعيت إيليريون قبيل المعركة ضد لوكتاينيف، ألقى خطاباً رائعاً بحق في اللحظات التي سبقت تحويله لندوريا إلى فطيرة.
علقت بذهني جزئية واحدة بعينها: "لقد عُبدتُ ملكاً... وأركعتُ الملوك".
كان إيليريون شقياً جباراً بلا أدنى شك. شخص يملك موهبة مذهلة في جعل توليفات الملابس شديدة الشطط تتناغم بطريقة ما. لكن أأعتبره ملكاً؟ ليس تماماً. من منظوري، شتان بين امتلاك القوة الكافية للعبادة وبين السيادة الحقة. بدا الأول شائعاً على نحو يثير الدهشة. أما الأخير؟ فما زلت غير متيقن من وجوده. بيتر بروكس، الفيلسوف.
جوهر القول إن ظهر أبو الصقيع العظيم الحقيقي يوماً وأثار جلببة بشأن قصة التمثال، فسأسحق مؤخرته «السماوية»
الغبية تلك تماماً. دفعت تلك الأفكار جانباً وعدت ببصري إلى الحاضر. كان ريل قد استولى على إحدى طاولات الولائم الطويلة وأخرج لفافة فارغة من مخزونه. واحتشد حوله ثلة من صناع القرية – أولئك المنوط بهم نحت التمثال الجديد. بيد أنني ما إن دنوت وأطلقت بصري من فوق كتفه، حتى اتضح جلياً أن ريل لم يعد ينوي استبدال الأصل بتمثال وحيد. لقد خُطت على اللفافة طرائق تخطيطية بالغة البدائية، حوت كل منها وضعيات ومستلزمات مغايرة.
أظهرت إحداها ريل وهو يميل للأمام قليلاً، ممسكاً بصاعقة برق في مخالبه وذراعه متأرجحة للخلف كأنه يهم بإطلاقها. وأظهرت أخرى واقفا بذراعين متقاطعتين، وتتطاير كرة لهب فوق ذيله، وملامح وجهه تعكس قوة عارمة وغروراً أعظم. وعرضت أخرى عديدة وهو يستخدم السحر العنصري بشتى السُبل، بل وحوت بعضها القائد أوسيان والسير روكنغتون الثالث. ربما بدت المسألة برمتها تعبيراً شاذاً عن غروره المريع، بيد أني مع تملي لتلك التخطيطات، لم أستطع كبح ظني بأن شركة جي إي سي ستجني أرباحاً طائلة من مبيعات المنتجات الترويجية إن أحسنت تدبير أوراقها.
مجسمات وألعاب قطنية للسيد ريل متوفرة في أي نظام شمسي قريب منكم.
قال ريل: "أظن أن اربعة تاتميل ستكون مثالية. تمثال لكل ركن من أركان القاعة".
وافق العمدة سلوريك قائلاً: "نعم، يا أبو الصقيع العظيم. يبدو هذا أحكم رأي".
* * *
تحولت الرسومات السريعة قريباً إلى مخططات دقيقة للغاية وبمقياس دقيق. وجدت الأمر برمته ممسياً ومسلياً لربما لدقيقتين، ثم تنفست الصعداء عندما أدركت أن ريل لا ينوي الانتهاء قريباً. تسللت خارج القاعة وارتفعت في الهواء، جارفاً أعلى فأعلى حتى حومت على بعد مئات الأمتار فوق القرية. إيليريوني النساج. ظهر سِنسي أمامي، وتحولت تعابير عدم اكتراثه الخفيفة فوراً إلى ذعر. وبصرير غير لائق بالمرة، سقط عدة أمتار قبل أن يتدارك نفسه.
صعد ليواجهني، ووجهه المكتسي بالسمرة والموسوم بالندوب محمر وناقم.
قال بصوت منخفض وخطير: "دعني أعطيك بعض النصيحة أيها الفتى. يعتبر من قلة الأدب استدعاء شخص على بعد مئات الأمتار فوق أرض صلبة دون تحذيره مسبقاً".
وضعت قبضة في كفّي وانحنيت.
قلت: "أنا آسف يا سِنسي"، ثم تخلّت سريعاً عن تمثيلية التلميذ المحترم لأحكّ مؤخرة رأسي.
"نعم... بالرجوع إلى الوراء، كان ذلك فظاً بعض الشيء. خطئي".
رمقني إيليريون بنظرة حادة لبعض الوقت قبل أن يومئ برأسه.
قال وصوته أقل حدة بشكل ملحوظ: "إذن؟ الطيران؟ هذا جديد".
أطلعته على مغامراتنا التي تلت المواجهة مع لوكتاينيف. لم تكن المعركة بحد ذاتها تثير اهتمامه كثيراً، وهو ما بدا منطقياً في ظنّي نظراً لعدم استخدامه لهالتي. ومع ذلك، تفاجأت أكثر بكثير بمدى انتعاشه عندما أدليت بتعليق عابر حول تحقيقي في الوجود المحتمل لذيل أوروريا. قهقه وأومأ بموافقة.
قال: "الفضول هو إحدى الصفات التي أُشجعها دائماً في طلابي".
ثم انحنى قليلاً إلى الأمام.
"هذه أوروريا... هل هي جذابة؟"
حدقت فيه لبعض الوقت بحق الجحيم ما علاقة ذلك بالهالة؟
قلت: "أعني... أفترض أن الجاذبية أمر نسبي، أليس كذلك؟ في رأيي، نعم، هي كذلك تماماً. ولكن يا سِنسي... لست متأكداً حقاً من فصيلتك. ربما يكون شكلُك الحقيقي نوعاً من سحابة طاقة عائمة. إن كان الأمر كذلك، فلا أظن أنها ستكون من نمطك المفضّل".
أجاب: "أه، لا تقلق بشأن ذلك أيها الفتى. عندما يتعلق الأمر بعلاقاتي العابرة مع الجنس اللطيف، فأنا أؤمن بتكافؤ الفرص والانفتاح الفكري".
قلت بصوت متقطع: "أنا– هذا– أنت–"
لم تخرج الكلمات. سِنسي؟ الشخصية شديدة الجدية، شديدة القدم، والمخضرمة في المعارك؟ هل يرى نفسه نوعاً من غواة النساء؟ تفحّصته لبعض الوقت. كالعادة، كان وجهه وشعره على حالهما، لكنه غيّر ملابسه قليلاً. وبمعاييره، كانت طبيعية... بشكل ملحوظ. ارتدى قميص كتان أزرق مفتوح الأزرار مع أكمام مرفوعة وتحته صدرية بيضاء. وكان النصف السفلي من زيه هادئاً بشكل مدهش أيضاً: سراويل صينية بلون الحجر وأحذية صحراوية جلدية بنية.
بدا وكأنه في أوائل العقد السادس من عمره. وكان ساعداه سميكين ومفتولين، بعضلات تأتي فقط من حياة عمل بدني شاق، وكانا مغطَيْن بشعر رمادي خشن. عاد بصري إلى وجهه المسمر والمندوب. كان هناك وميق في عينيه الزرقاواتين لم أره من قبل. بصراحة، الآن بعد أن فكرت في الأمر، كان رجلاً وسيماً للغاية. كانت لديه هيبة الشيوخ الجذابين تلك، وكان هناك الكثير من النساء اللواتي يعشقن هذا النوع.
امتلاء عقلي فجأة بعدة نظريات مزعجة للغاية حول كيف يمكنه الشروع في اكتشاف حقيقة وضع الذيل.
قال: "حسناً جداً أيها الفتى. بما أنك طلبت بلطف شديد، في المرة القادمة التي تعود فيها إلى مركز الاستكشاف هذا، أريدك أن تستدعيني وسأساعدك في تحقيقك".
بدأت بالقول: "ولكن يا سِنسي، لم أطلب–"
لكن إيليريون رفع يده ليقاطعني.
"لقد قلت كل ما أنا مستعد لقوله في هذا الأمر في الوقت الراهن. سنناقش الأمر بمزيد من التفصيل بعد أن تتاح لي الفرصة لتقديم نفسي لأوروريا. الآن، تابع قصتك".
فكرت باقتضاب في الضغط بشأن هذه المسألة، لكنني قررت أنه من الأفضل ألا تعرف أحياناً. واصلت حكايتي، ولم يقاطعني مرة أخرى حتى وصلنا إلى الجزء الذي استخدمت فيه هالتي في المعركة ضد أنوكيوم. شرحت نظرياتي حول سبب محدودية تأثيراتها عندما أطلقت هالة الرعب ضد فرقة المحاربين بأكملها: تمائم حماية محتملة ضد الهالة، أو مقاومة طبيعية للهالة مرتبطة بفصيلتهم، أو تخفيف للتأثير ناجم عن عدد الأهداف.
سأل: "وأي من تلك تعتقد أنه الأرجح ليكون صحيحاً؟"
درست إجابتي بعناية. كان ينظر إليّ بتقدير كبير، وكأن ردي قد يسهم بطريقة ما إما في تأكيد شكوكه في أنني أحمق أو إقناعه بأن الأمل لم يضيع بعد.
قلت: "أعتقد أن السبب يعود لوجود عدد كبير منهم".
همهم بموافقة.
"يبدو ذلك مرجحاً. لا تفهمني خطأ، من المهم أن تدرك وجود دفاعات بالفعل يمكن للمرء استخدامها ضد الهالة. ومع ذلك، تميل تلك لتكون عناصر نادرة نوعاً ما أو تقنيات متقدمة. من المستبعد وجود مثل هذه الأشياء في هذه المرحلة من المسابقة".
توقف مؤقتاً واتخذ تلك النظرة التي اعتدت ربطها بتنقيبه في ذكرياتي.
بدأ يقول: "فكر في هالَتِكَ على أنها إبريق مليء بالماء. هناك قدر محدود منه للتوزيع. تخيل كل فرد من فرقة أنوكيوم ككأس فارغة. إذا أظهرت هالَتَكَ وحاولت توجيهها إلى كل منهم بالتساوي، يجب تقسيم محتويات الإبريق بينهم. وكلما زاد عدد الكؤوس، قلّ الماء الذي يحصل عليه كل منها. وفي النهاية، لا يوجد ببساطة ما يكفي لملئها جميعاً. بناءً على وصفك للمعركة وتأثيرات هالَتِكَ، أظن أنك لم تفعل أكثر من ملء ربع كؤوسهم. لقد كان ذلك كافياً لإيذائهم، لكنه لم يكن كافياً لإحداث تأثير مضعف".
أومأت بتفکر. كان ذلك منطقياً.
خمنت أن حجم "كؤوسهم"
يتأثر بقوتهم النسبية أيضاً. وأنا متأكد أنه لو فعلت الشيء نفسه ضد عشرة أعداء أضعف مثل إيفالريا، لكان ذلك كافياً على الأرجح لتحطيم عقولهم تماماً. عبّرت عن هذه الفكرة.
قال إيليريون: "بالفعل. بشكل عام، سيكون الأعداء الأقوياء أكثر مقاومة للهجمات القائمة على الهالة. الأمر ليس بهذه البساطة تماماً، إذ توجد عوامل أخرى تؤثر عليه، ولكن بناءً على فهمك الحالي، لا داعي لأن نشغل أنفسنا بها بعد".
مر بقية القصة بتعليق ضئيل من إيليريون. وعندما انتهيت، لم يكن لديه سوى شيئين لإضافتهما: بعض الواجبات المنزلية وتذكير. كان الواجب المنزلي بسيطاً نسبياً، نظرياً على الأقل. كان يريد مني ممارسة استخدام هالتي ضد خصوم متعددين في وقت واحد مع التحكم في مقدار ما يوجه إلى كل منهم. كان التذكير أبسط بكثير. في المرة القادمة التي أزور فيها مركز الاستكشاف، كان عليّ استدعاؤه ليتمكن من المشاركة في مشروع بحثي الصغير.