الفصل 114 المرحلة الثانية؟
راقبت السير روكينغتون الثالث وهو يقود أعضاء جماعة الجمر إلى جانب الكهف. جمعهم في حلقة مضغومة قبل أن يقف أمامهم متمنعاً، وبدا جسمه الصخري العريض كأنه يخفيهم تماماً. لاحظ نظراتي ورفع قبعته تحية... ثم مد أحد أصابعه الهائلة ولوّح به في إشارة ذات مغزى. شعرت بحرارة تسري في وجهي وأنزلت نظري. لحسن الحظّ، كان رداء الفلاح في طريقه إلى الإصلاح وباتت عفتي محفوظة مجدداً. وعلى الرغم من أن الأمر منحني نقطة إضافية في المتانة، فقد عقدت العزم على عدم تلقي أي هجوم ناري إضافي من التنين.
لقد فقد كاجيرينث الكثير من تبجحه، وهو أمر مفهوم. بدا طفلاً متذمراً بحق عندما استيقظ للتو. وللحق، من لا يتذمر بعد أن توقظه صاعقة برق؟ لكنه ما إن استعاد توازنه، حتى تحول التذمر سريعاً إلى ذلك النوع من الفكاهة القاسية التي اعتدت عليها من أشرار منطقة الاختبار. الآن؟ اختفت هذه الفكاهة تماماً، وصار يرمقني أنا وريل بعينين باردتين حسابيتين. بدا أن وقت اللعب قد انتهى.
"مثير للاهتمام... أُقرّ بأنني كنت ألهو بتلك المخلوقات المثيرة للشفقة المختبئة خلف عنصر الأرض الخاص بك، أما أنتما الاثنان... فتملكان إمكانات حقيقية. انضما إليّ. اعملا رسولين لي، وأعدكما بثروة وقوة تتجاوزان جموح أحلامكما. ستكونان ملِكَين في هذا العالم، ولا تطيعان أحداً سواي".
"ملِكَين؟"
قلت وأنا أحك ذقني.
"يبدو هذا العرض مغرياً بحق... ما رأيك يا ريل؟ هل ترغب في إضافة لقب ملك إلى قائمتك؟ تخيل الأمر. الملك ريل".
طار ريل وحام في الهواء إلى جانبي.
ضاق عيناه الزرقاوان وتمتم بعبارة "الملك ريل"
بصوت خافت عدة مرات كأنه يجرب وقعها.
"تحمل الكلمة جاذبية ما، لكنني أعتقد أن لدي فكرة أفضل بكثير. لو قتلنا هذه العظاية متضخمة الحجم، لأصبحت ريل قاتل التنانين. أو ربما ريل مدمر التنانين".
"ريل قاتل التنانين أمر رائع للغاية. أي لقب يمكنني الحصول عليه؟"
بناءً على مدى الجدية التي بدا عليه وهو يدرس السؤال، كنت أتوقع أن يخرج بشيء رائع وملحمي بالقدر الكافي.
"بيتي ال..."
أومأت بحماس شديد.
"المتعري".
"تباً لك".
قال كاجيرينث: "أمر مخيب للآمال. أقدم لكما العالم، وهذه هي طريقتكم في الرد. نكات سوقية وقلة احترام تافهة. لاحقاً، حين أكون بصدد تنظيف عظامكم من بين أسنانكم، ربما تجدون أنفسكم في العالم الآخر نادمين على هذه الحماقة".
وما إن انتهى حتى زأر. لم تكن هناك نار هذه المرة، لكن ريل وأنا تعرضنا لريح قوية بدا وكأنها تشبه سحر حكم آفاتار إلى حد مخيف. وحتى وأنا في هيئة التيتان، جعلتني هذه الريح أتراجع عدة خطوات إلى الوراء. ثبتّ قدمي وانحنيت إلى الأمام، رافعاً ذراعيّ أمام وجهي. أما ريل، وبكل عقلانية، فقد استخدم الطيران ليتوارى خلفي ويحتمي. وهنا صار الجد جداً. لم أره قط وهو يضرب بذيله لأنني كنت أغطي وجهي.
لكنني شعرَتُ بها. اصطدمت بجنبي بضربة تهز العظام ودفعتني طائراً عبر الهواء. شغّلت الطيران وأوقفت نفسي قبل أن يصطدم رأسي بجدار الكهف. نبض جنبي بألم، وأنزلت نظري لأرى ثقباً في رداء الفلاح حيث أصابتني إحدى النتوءات العظمية في ذيل التنين. طعنت المكان بإبعادي وتألمت قليلاً. ثم ضحكت. أراهن أن الموظف المسكين في شركة جي إي سي والذي صمم المهمة كان غاضباً بجنون. لابد أنه تخيل جيشاً صغيراً من المتقدمين للاختبار يقصدون قتال التنين.
ولأُنفِقوا أياما يناقشون الاستراتيجيات والتكتيكات، ويوزعون أدوار المجموعة، ويدرسون كل قطعة معدات بعناية فائقة. وحتى مع ذلك، ورغم جهودهم المضنية وتخطيطهم الدقيق، لكانت معركة ضارية ما كان ليناجو منها الكثير من المتقدمين. لكن ماذا حصل عليه بدلاً من ذلك؟ رجلاً مرتدياً زي فلاح وسنجاباً. كنت أشعر بالفعل بخواتم الشفاء الخاصة بي وهي تباشر عملها على إصابتي. دقيقة أخرى أو نحو ذلك ولن كأن شيئاً لم يكن.
الآن وقد اختفيت من هناك كدرع بشري، حول كاجيرينث انتباهه نحو ريل، متوقعاً على الأرجح أن ضربة ذيله قد أخرجتني من ساحة المعركة. كان ريل يحلق في الهواء مغيرًا اتجاهه باستمرار لتفادي دفعات النار الهائلة الصادرة عن التنين. وكان يرد بضربات برق. اصطدمت تلك الصواعق بجسم كاجيرينث، ومع أن كل صاعقة بمفردها لم تكن تملك أي أمل في إسقاط التنين، إلا أنني استطعت أن أرى التأثير الفاسد لتميمة ريل وهي تفعل فعلها.
بدأت الحراشف المحيطة بكل جرح تأخذ لوناً داكناً. لقد حان الوقت. حان الوقت لكي يختبر كاجيرينث إحدى صفعات بيتر بروكس الشهيرة. رفعت يدي وتأملتها. في هيئة التيتان، كانت بحجم غطاء صندوق القمامة، وابتسمت وأنا أتخيل مدى رضا الصوت الذي ستحدثه الصفعة مع كل تلك المساحة السطحية الإضافية. غصت في قلب المعركة، ساحباً يدي إلى الوراء بينما كنت أقترب من التنين. لابد أنه استشعر اقترابي، فقد رأيت عينيه تومضان في اتجاهي ورأسه يبدأ بالالتفاف.
فوات الأوان أيها اللعين. تواصلت راحة يدي المفتوحة مع جانب وجهه بصقعة مدوية أحدثت موجة صدمة تموج عبر الكهف. تراجع ريل متخبطاً في الهواء، وأُسقِط السير روكينغتون الثالث أرضاً، مما أجبر عنصر الأرض على أداء حركات بهلوانية مبهرة لتفادي دهس أي من العفاريت. أطاحت الضربة بكاجيرينث تماماً، مما جعل التنين يرتطم بالأرض ككيس خاوٍ من العظام. تصاعدت سحابة ضخمة من الغبار، واختفى التنين عن الأنظار.
لولا صوت الحطام المتساقط على الأرض، لكان الكهف قد غرق في صمت مطبق. وحينها بدأ السير روكينغتون الثالث بالتصفيق.
"عرض ممتع حقاً يا بني! كانت تلك أروع صفعة سعدت بشهداتها، وصدقني، أنا أفهم شيئاً أو اثنين عن الصفعات. لقد رأيت صديقي العزيز اللورد روكسبي يرتكب خطأً مؤسفاً عندما أخبر الليدي روكينا أن فستانها الجديد يظهر مؤخرتها مسطحة".
ضحك السير روكينغتون الثالث بحنين ودفع روجوريم بخفة، مما جعل الساحر العجوز يتعثر.
"وأستطيع أن أخبرك الآن، لقد عاش ليندم على ذلك الفعل. روكينا امرأة رائعة، ولكن بحق الجلال، تمتلك ذراعاً تشبه المنجنيق. لم يستطع المسكين روكسبي مضغ طعامه بشكل صحيح لمدة أسبوع".
مديح عظيم حقاً. حين انقشع الغبار، لم أستطع إلا أن أفكّر في أن عنصر الأرض كان محقاً على الأرجح. كان جزء لابأس به من فك كاجيرينث قد اختفى تماماً، وما تبقي منه تحول إلى عصارة دموية من اللحم والعظام والأسنان. كنت أتوقع ظهور رسالة إكمال المهمة في أي لحظة، لكن يبدو أن الأمر لم ينته تماماً بعد. هبطت قرب التنين واقتربت منه بحذر. كان لا يزال يتنفس، لكن كل نفس كان يخرج بنوع من الأنين المختنق.
شعرت ببعض الأسف تجاهه في تلك اللحظة. سحبت مذراة لوروس من مخزوني مرة أخرى وأرجعت ذراعي للوراء، قاصداً إطلاقها عبر جمجمته كرمح لإنهاء عذابه. بدأ كاجيرينث يضحك. حسناً، أظنها كانت ضحكة، لكن كان من الصعب التأكد بالنظر إلى حالة وجهه. بدأت حراشفه تتوهج باللون الأحمر، فتراجعت خطوة للخوار تحسباً لأن تكون تلك مهارة تدمير ذاتي تنينية. كان الضوء خفيفاً في البداية، لكنه سرعان ما زاد حدة لدرجة أجبرت السير روكينغتون الثالث والعفاريت على حجب أعينهم.
وبفضل نظاراتي الشمسية ونظارات ريل، تمكنا من الاستمرار في المتابعة بينما بدأ التنين بالتحول. انكمش بسرعة، منكماشاً للداخل حتى اختفى جسمه تماماً. ومحل ذلك، ظهرت كرة نابضة من الضوء الأحمر تنبض بالقوة مثل شمس مصغرة. بدأت تتخذ شكلاً. أولاً الجذع، ثم الذراعان والساقان، واليدان والقدمان، وأخيراً الرأس. خفت الضوء كاشفاً عن هيئة بشرية. كان طويلاً ووسيمًا، بجلد أحمر شاحب وشعر أشقر منساب يصل إلى منتصف ظهره.
كان فكه منحوتاً، ويمتلك ذلك النوع من عظام الخدين التي تراها في صور "ما بعد"
في عيادة جراح التجميل. بصراحة، كان الشخص وسيماً بعض الشيء. لم يكن هناك سوى شيء واحد مشترك بينه وبين التنين الذي كانه يوماً: عيناه. كانتا لا تزالان صفراوين، وتتسمان بنفس البرودة والحساب. كان يرتدي درع صفيحة فضياً تتخلله أنماط متعرجة من الذهب تجري عبر المعدن. كان مصبوباً بإتقان شديد لدرجة أنه بدا كجلد ثانٍ لا درعاً. رفع يداً وتأملها باتمام، محركاً أصابعه بانثناء. وبدلاً من أن يكون الدرع جامداً، كان يتحرك معها.
وكان مربوطاً عبر ظهره سيف طويل هائل، يبدو مقبضه فوق كتفه. وُصِعت واقيته على شكل جناحي تنين مفرودين من معدن أحمر. انتظر دقيقة واحدة... هل كانت هذه هي المرحلة الثانية من معركة الزعيم؟ تباً، نعم.
"لقد مضى ما يقرب من ألف عام منذ أن تقمصت هذه الهيئة آخر مرة".
بدلاً من التحدث بالتخاطر، صار يملك صوتاً الآن. كان أعلى طبقة بقليل مما توقعت، لكنه ناسبه بطريقة ما. تحدث بمهابة راقية ووقورة تنم عن نبيل.
"مع ذلك، في تلك المناسبة، فعلت ذلك بمحض إرادتي".
أنهى تفحصه ليده ورفع نظره. وقعت عيناه الصفراوان عليّ، وانحنت شفتاه في سخرية.
"سيمر أشهر قبل أن أتمكن من العودة إلى هيئتي التنينية"، قال وهو يمد يده فوق كتفه ويسل سيفه.
"أنا أنوي جعلك تعاني لقاء ذلك".
لم يكن النصل معدنياً. كان مكوناً من دخان أحمر داكن ومتراص بكثافة، وبينما كنت أراقب، كانت خيوط رفيعة تتطاير من حوافه.
سخر ريل قائلاً: "ألم تعذبنا بما يكفي بالفعل؟ حين كنت تحاول شوائي بنيران تنينك، لم تكن الحرارة هي ما أثار قلقي. بل الرائحة. يبدو أن مئات السنين من النوم تفضي إلى أنفاس صباحية قوية بشكل لا يصدق".
"لا تكن غير منصف يا ريل"، قلت.
"ليس الأمر وكأننا منحناه فرصة لتنفيذ روتينه الصباحي. انتظر ثانية واحدة..."
فتحت مخزوني واستعرضت محتوياته.
"أعلم أن لدي الغرض المناسب تماماً... آه، ها هو ذا!"
سحبت علبة حلويات مطاطية اشترتها آخر مرة زرت فيها السوق في ستونهيفن. كان طعمها يشبه النعناع بشكل ملحوظ.
"هاك، خذ واحدة من هذه".
رميت العلبة نحو كاجيرينث. لم يلتقطها. بل إن ذلك الوغد هاجمها بسيفه. لم يقطع نصل الدخان العلبة فحسب؛ بل أشعلها، محولاً إياها بأكملها إلى رماد. اللعين الكريه. خمنت أن معظم الناس، عند رؤيتهم لنصل سحري يقطع ويحرق على ما يبدو، سيصابون بالذعر الشديد. وأنا؟ كنت أفكّر في مدى شدة رغبة القائد أوسيان في الحصول على تلك القمامة، وأن على ريل استدعاءه بمجرد انتهاء القتال ليتمكن من خطفها.
رفع كاجيرينث يده الحرة، وجعل راحتها لأعلى. بدأت خيوط من الدخان الأحمر، شبيهة بنصل سيفه، تتدفق من جلده. وبدلاً من أن تتلاشى، تجمعت في كرة دوارة تحوم على بعد بوصات فوق راحته. ثم اشتعلت لتصير نيرانًا حمراء داكنة. انطلقت ذراعه بقوة، مرسلة كرة النار تُمزق الهواء باتجاه ريل. وخلفت وراءها أثراً من الدخان الأحمر. قابضاً على سيفه بيديه الاثنتين، زأر كاجيرينث ثم اندفع هجوماً.
انطلق ريل للأعلى لتفادي التعويذة، ورفعت مذراة دفاعياً، مستعداً لصد الهجوم. اختار التيتان تلك اللحظة بالضبط لكي ينتهي أثره. لأنه بالطبع كان ليفعل ذلك تباً. بدأت أنكمش. أوقعني الإحساس المباغت والمشوش في مأزق كلي، إذ أخلت تغيرات حجمي السريعة بتوازني. انزلق نصل كاجيرينث عبر دفاعاتي وفتح جرحاً غائراً عبر جذعي. أُجبر على القفز بعيداً لتفادي صاعقة برق، مما منحني لحظة لأنظر لأسفل نحو الجرح.
كان النصل قد شق رداء الفلاح مباشرة، وفتح جرحاً بعرض عدة بوصات في معدتي. لم يكن عميقاً، لكن الدم كان يتدفق منه بحرية، وقد اسود اللحم المحيط بحوافه قليلاً. ربما لن تكون المعركة خيبة أمل كاملة بعد كل شيء...