وتابع غايوس قائلًا: "علاوة على ذلك، فإنني أعد حامل اللواء للفصيل المناهض للمملكة داخل الإمارة. وإن السبب وراء قدرتنا على اتخاذ موقف متشدد حيال المملكة يعود إلى أن المتشددين كانوا يكبحون المعتدلين. بيد أنني لو اختفيت من المشهد، فستقوى شوكة المعتدلين في الإمارة."
كان الفرق في القوة بين إمارة أميدونيا ومملكة إلفريدن واضحًا. سواء كان ذلك من حيث الأراضي أو السكان أو عدد الجنود أو الازدهار، فقد خسروا في جميع النواحي.
علاوة على ذلك، تشترك أميدونيا في حدودها مع دولة لوناريا البابوية الأرثوذكسية، وهي دولة ثيوقراطية في الشمال لها مجموعة فريدة من القيم، وجمهورية تورجيس في الجنوب، بسياستها التوسعية شمالًا، ودولة مرتزقة زيم في الغرب، وهي دولة محايدة ترسل قواتها إلى أي مكان مقابل السعر المناسب. لم يكن هناك من يدري متى قد يتقرب ضعاف القلوب من إحدى هذه الدول الأخرى في محاولة للحفاظ على أنفسهم.
لهذا السبب، وللحفاظ على أميدونيا كما هي، كان على غايوس أن يكتم مثل هذه الأمور في قرارة نفسه. وها الآن تحاول إلفريدن الإطاحة به.
اتسعت عينا يوليوس، من الصدمة: "لا… هل تقصد أن سوما دبر كل هذا فقط ليقطع رأسك يا أبي؟! حتى أنه استخدم أرضه كطعم؟!"
قال غايوس: "كن حذرًا يا يوليوس. هذا الملك الجديد لا يشبه ألبرت على الإطلاق."
لم يعد غايوس يستهين بسوما بسبب صغر سنه.
تابع غايوس قائلًا: "لهذا السبب لن تسمح لي إلفريدن بالهروب أبدًا. إذا حاولت التراجع، فسوف يلاحقونني ولو إلى أعماق الجحيم. هدفهم الوحيد هو قتلي، بعد كل شيء."
لم يقل يوليوس شيئًا.
أنهى غايوس كلامه قائلًا: "لهذا السبب سأبقى هنا، لأريهم فخر أميدونيا."
صرخ يوليوس: "إذن سأبقى معك!"
"لا يجب عليك! إذا خسرناك أنت أيضًا، فماذا سيحل بالإمارة؟!"
قال يوليوس: "لدينا روروا."
"همم… إنها ليست جيدة بما فيه الكفاية." على الرغم من أنه كان يتحدث عن ابنته، إلا أن غايوس قال تلك الكلمات باشمئزاز.
ثم تابع غايوس قائلًا: "يتطلب الأمر أفعى سامة لقيادة أميدونيا. أفعى سامة ستغرس أنيابها يومًا ما في المملكة وتقتلها. قد يكون لدى روروا دم أفعى ماكرة، لكنها تفتقر إلى السم."
حتى بينما كان يوليوس يرتجف خوفًا من الجنون الذي بدأ والده في إظهاره، قالل: "أبي، ما هو هذا 'السم' الذي تتحدث عنه؟"
قال غايوس بحدة: "الرغبة الجامحة في الانتقام من إلفريدن. حتى في ظل إحاطتها بدول قوية، حافظت إمارتنا أميدونيا على استقلالها، وطورت أرضها غير المنتجة، وتحملت الجوع، وحفرت المناجم في ظل ظروف قاسية، وحافظت على نفسها كدولة فقط بفضل سعينا للانتقام من المملكة. لقد دفعنا كرهنا للمملكة التي سرقت أراضينا الخصبة منا إلى أن نصبح أقوى وأكثر ازدهارًا. ولكن… ولسوء الحظ، قد يكون لدى روروا موهبة في مجال المال، لكنها تفتقر إلى دافع الانتقام. أنت الوحيد يا يوليوس الذي ورث سمّي، ولو جزئيًا."
بهذه الكلمات، نهض غايوس من مقعده ووضع يديه على كتفي يوليوس.
"لهذا السبب يجب أن تنجو. أنت الوحيد القادر على مواصلة رغبتي في الانتقام والحفاظ على أميدونيا كما ينبغي أن تكون."
قال يوليوس في حيرة: "أبي…".
هل كان ذلك السم يجري في عروقه؟ بالتأكيد، رأى يوليوس المملكة عدوًا لدودًا. ومع ذلك، هل كان بإمكانه أن يحترق بنفس الشغف الذي رآه في غايوس؟
بينما كان يوليوس لا يزال في حيرة من أمره، قال له غايوس: "في هذه المرحلة، لا يمكننا تحمل القلق بشأن تحويلنا إلى دولة دمية. يجب أن تطلب مساعدة الإمبراطورية. إذا فعلت ذلك، فيجب أن يمنع ذلك على الأقل المملكة من ضم أميدونيا لأراضيها."
قالل يوليوس: "لكن… كما كنت تقول من قبل، هل ستسامحنا الإمبراطورية على مخالفة إعلان البشرية؟"
قال غايوس: "ألقِ اللوم كله عليّ في ذلك. رفض شيطان أميدونيا المنتقم الاستماع حتى لتحذيرات ابنه وتآمر لغزو المملكة ضد رغبات الإمبراطورية. هذا كل ما في الأمر."
ابتلع يوليوس ريقه. لم يكن غايوس ينوي الموت هنا فحسب، بل كان ينوي تحمل كل السمعة السيئة لأفعالهم. بل حتى يوليوس، المعروف ببرودته وهدوئه، شعر بقلبه يتحرك من ذلك. ومع ذلك، في الوقت نفسه، كان هناك غضب تجاه المملكة في عينيه.
عندما رأى غايوس تلك العيون لدي ابنه أومأ بارتياح، ثم دفع يوليوس بعيدًا عنه قائلًا: "اذهب يا يوليوس. يجب ألا تدع روح أميدونيا تُمحى أبدًا."
"…سامحني." قال يوليوس ذلك وهو يؤدي التحية العسكرية، ثم استدار على وغادر.
حتى بعد أن راقبه إلى أن اختفى عن الأنظار، وقف غايوس هناك لبعض الوقت. ثم أخذ نفسًا عميقًا، وتغير تعبيره.
لم يعد يشعر بالعجلة أو التردد. ثم سحب سيفه من غمده بتعبير صارم كمحارب.
"الآن، كل ما تبقى هو أن أقوم بواجبي كمحارب وأريهم روح أميدونيا."
◇ ◇ ◇
"…يبدو أن الأمر قد يكون سيئاً" قالت كارلا ذلك فجأة وهي تقف بجانبي.
كان جيش الإمارة يُظهر بالفعل علامات هزيمة حاسمة، مع وجود الكثير من الجنود الفارين والمستسلمين. أما الجنود الذين كانوا لا يزالون يقاومون قرب المعسكر الرئيسي، فقد حوصروا تمامًا. وبدا وكأن كل ما تبقى هو انتظار القضاء عليهم.
ما الذي قد يبدو سيئاً في ذلك؟
قالل سوما: "ما المشكلة؟"
أجابت كارلا: "لا يوجد أي أثر لهروب غايوس الثامن. لقد اختار أن يموت هنا."
"ليس لدي أي نية للسماح له بالهرب، أليس هذا مناسباً؟"
"…لقد فرّ الجبناء، وسقط الضعفاء، ونتيجة لذلك، تتجمع نخبة الجنود حول غايوس بينما يواصل مقاومته. إذا شكلوا فرقة انتحارية، فلن يتمكن أي رجل عادي من إيقافهم. خاصة وأن جنود الجيش، بمجرد ضمان النصر، يصبحون أكثر حرصًا على حياتهم."
عندما نظرت إلى ساحة المعركة بعد أن أشارت إلى ذلك، رأيت 40 ألف جندي من جيشي يبدو أنهم غير قادرين على القضاء على القوة الرئيسية للعدو، والتي لا بد أنها انخفضت بالفعل إلى أقل من 500 جندي. بغض النظر عن عدد الجنود الذين لدينا، والذين يبلغ عددهم عشرات الآلاف، فإن ثلاثة أشخاص على الأكثر يمكنهم مهاجمة أي جندي في وقت واحد. وإذا كانوا متجمعين معًا، فإن هذا العدد يكون أقل.
ناهيك عن حقيقة أن قوات العدو قد تقبّلت موتها وأصبحت الآن لا تخشى شيئًا، بينما جنودنا بصفتهم المنتصرين، كانوا يُقدّرون حياتهم أكثر من أي وقت مضى. لن يكون هناك أي مكافآت أو مجد إذا ماتوا. لهذا السبب لم يتمكنوا من مواصلة الهجوم.
سرت قشعريرة باردة في عمودي الفقري. كنت أعرف أمثلة تاريخية على ذلك.
على سبيل المثال: في حصار أوساكا، قاد يوكيمورا سانادا 3000 رجل في هجوم انتحاري اخترق جيش تاداناو ماتسودايرا المكون من 13000 جندي وكاد أن يصل إلى قائدهم الأعلى، إياسو توكوغاوا.
مثال آخر كان في الصين: بعد معركة غايكسيا، عندما هُزمت قوة مطاردة قوامها عدة آلاف من الرجال أرسلها ليو بانغ المنتصر عدة مرات على يد شيانغ يو المهزوم وثمانية وعشرين من أتباعه.
عندما يكون هناك فرق كبير جدًا في إرادة القتال، يفقد الفرق في عدد الجنود كل معنى. الجيش الذي لا يملك إرادة القتال لا يمكنه أبدًا أن يفوز، مهما كان عدده كبيرًا.
…أراهن أن تلك القوة ستتجه مباشرة إليا لأخذ رأسي.
بصراحة… كنت خائفًا. قال سون تزو ألا تقاتل فرقة انتحارية أبدًا.
ومع ذلك، لم أستطع السماح لغايوس بالهروب من هنا. إذا فعلت ذلك، فستكون كل تضحياتنا قد ضاعت سدًا.
لكن… إذا حدث الأسوأ…
استدرت وتحدثت إلى كارلا قائلًا: "اسمعي يا كارلا."
"ماذا؟"
"…علينا أن نتحدث."
◇ ◇ ◇
"لا تستهدفوا سوى رأس ملك العدو، سوما كازويا!" صاح بذلك غايوس الثامن من على ظهر حصانه.
جمع غايوس خمسمائة فارس من نخبة حاشيته حوله. كان على وشك شن هجوم انتحاري باتجاه المعسكر الرئيسي لإلفريدن. كانت المنطقة المحيطة به مكتظة بعشرات الآلاف من الأعداء. سيكون طريقًا إلى الموت مليئًا بجنود العدو، طريقًا لن يعود منه أبدًا.
حتى لو نجحوا في القضاء على سوما، فلن يعني ذلك سوى سقوط الملك على أيدي جنود عاديين. ومع ذلك، فإن ضغينتهم ضد إلفريدن -التي توارثها الأبناء عن الآباء على مدى الخمسين عامًا الماضية- قد تغلغلت في نخاع عظام أتباعه. فلن يترددوا ولن يتوانوا عن تحقيق مرادهم.
صاح غايوس في جنوده قائلًا: "دعونا نُظهر لإلفرايدن روح وشجاعة شعب أميدونيا!"
"يااااااه"
عند سماعه صرخة الحرب من القوات خلفه، وجّه غايوس سيفه نحو وسط جيش المملكة ولوّح به قائلًا: "هجوم!"
اندفع ما يقرب من خمسمائة فارس من نخبة سلاح الفرسان نحو وسط جيش المملكة.
وضعوا أي جندي في طريقهم تحت السيوف، ساحقين العدو والحليف المقاوم على حد سواء تحت حوافره احصنتهم وهم يتقدمون بقوة عاصفة هوجاء. كانوا مثل شعلة تتألق للمرة الأخيرة قبل أن تنطفئ.
لهذا السبب تألقوا بقوة أكبر.
"غايوس الثامن؟! هل جنّ؟!" قال ذلك لودوين -الذي كان يدافع عن الوسط- وهو ينظر إلى تلك المجموعة الهائجة من على حصانه الأبيض بنظرة اشمئزاز واضحة.
لم يكن هذا النوع من الهجوم المتهور سوى انتحارًا.
حسنًا، ربما يكون انتحارًا، أدرك ذلك. الآن بعد أن تقبلوا خسارتهم في الحرب، يبحثون عن مكان جيد للموت، وليس هناك شرف أفضل للمحارب من الموت في ساحة المعركة. بصراحة، أفضل ألا أضطر إلى مجاراة ذلك…
ارتدى لودوين الخوذة التي كان قد خلعها، ورفع رمحه نحو السماء. صاح في فرسان الحرس الملكي خلفه: "جلالته خلفنا! نحن درع هذه المملكة! باسم الحرس الملكي، سنوقف تلك المجموعة حتى لو كلفنا ذلك حياتنا!"
""""هيااااه!"""
صاح فيهم لودوين: "هيا بنا!"
اندفع ما يقرب من ألفي فارس من الحرس الملكي بقيادة لودوين إلى الأمام. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً حتى اصطدموا بمقدمة خمسمائة من أتباع غايوس.
عندما اصطدموا، طار ما يقرب من نصف أتباع غايوس في لحظة. كما طار عدد مماثل تقريبًا من الحرس الملكي، ولكن بالنظر إلى أنهم كانوا يتمتعون بالتفوق العددي في البداية، يمكن القول إن خسائرهم كانت أقل خطورة. ومن هناك، تحول الأمر إلى اشتباك عنيف مع دوي حوافر الخيول.
في خضم تلك الفوضى، ظل لودوين يبحث عن غايوس. إلى أن قال: "لقد وجدتك يا غايوس!"
كان الرجل الذي بدا أنه غايوس ضمن مجموعة من الفرسان يندفعون بشدة نحو المعسكر الرئيسي، وكان يرتدي عباءة رائعة. عندما رأى الرجل ذو العباءة لودوين، وجّه سيفه المسلول نحوه.
"أنت! من أنت؟!" صاح الرجل.
"أنا قائد الحرس الملكي، لودوين آركس."
"همم، وحدة مبهرجة من العاصمة، إذن"
"قل ما شئت! بمجرد أن نقضي عليك، ستنتهي هذه الحرب!" حثّ لودوين حصانه المفضل على التقدم. عندما فعل ذلك، انقسم الحراس المحيطون بالرجل ذي العباءة في اتجاهات مختلفة، كما لو أنهم أشاروا لبعضهم البعض للقيام بذلك.
هل تخلى حراس غايوس عنه؟!
اعتقد لودوين للحظة أن سلوكهم غريب، لكنه كان بحاجة الآن إلى التركيز على الرجل الذي أمامه. بدا أن كل ما يستطيع الرجل ذو الرداء فعله هو صد طعنات رمح لودوين بسيفه.
همهم الرجل قائلًا: "آه… أنت تقاتل جيدًا، بالنظر إلى أن وحدتك موجودة فقط لتتباهي."
قال لودوين: "بغض النظر عن المكان الذي يعرضني فيه، فإن رمحي موجود لاختراق أعداء جلالته!"
دفع لودوين السيف الذي كان يُلوّح به نحوه جانبًا برمحه، وطعن بكل قوته في جذع الرجل الذي أصبح الآن بلا حماية. أصاب رمحه الهدف، واخترق الرجل وعباءته.
بصق الرجل دمًا وأطرق رأسه، لكنه كان يبتسم. "أحسنت… ومع ذلك، هذا لا يعني شيئًا…"
"ماذا؟"
ثم رفع الرجل وجهه وصاح: "يا صاحب السمو! حقق أعظم أمنياتنا…!"
نظر لودوين إلى الرجل المحتضر، فصُدم.
عندما فكر في الأمر، لم يكن لديه أدنى فكرة عن شكل وجه حاكم دولة لا تربطهم بها أي علاقة دبلوماسية. على سبيل المثال، لو كان غايوس قد جعل أحد أتباعه يرتدي عباءته، لكان لودوين قد ظن أن ذلك الشخص هو غايوس.
ماذا لو كان غايوس أحد هؤلاء الفرسان الذين تفرقوا في اتجاهات مختلفة من قبل…؟!
اخذ لودوين نفسًا عميقًا، ثم قال: "جلالته في خطر!"
عندما استدار لودوين، رأى فارسًا وحيدًا يندفع نحو المعسكر الرئيسي.
< ما رأيكم في طريقة تفكير غايوس وخطته النهائية، أخبروني اراءكم في التعليقات. >