الفصل 403: التحقيق [2]
توتر الجوّ في الغرفة حين وجّه المحقّقان أنظارهما إلى الرجل الجالس أمامهما.
منذ البداية، كان في حضوره شيء يثير قلقهما معًا.
أهو في عينيه؟ أم في شحوب وجهه؟ أم في هدوئه الغامض الذي لا يُقرأ؟
لم يستطع أيٌّ منهما تحديد السبب، لكنّ الشعور بعدم الارتياح ازداد كلّما طال نظرهما إليه… وكأنّ شيئًا فيه كان معوجًّا على نحوٍ لا يمكن إنكاره.
"المحقّقان؟"
لم يستفيقا من شرودهما إلا حين تكلّم سيث من جديد، فتبادلا نظرةً متوترة قبل أن يجلسا ببطء على الأريكتين المقابلتين له.
"صحيح، أعتذر عن ذلك."
"…نعم."
أخرج لوك دفتر ملاحظاته مجددًا، وألقى بنظره نحو سيث.
"لا بدّ أنّك سيث ثورن، أليس كذلك؟"
"أنا هو."
لم يبدُ على سيث أيّ اندهاشٍ لكونهما يعرفان اسمه، فقد ذكره بنفسه للمساعد، غير أنّ هذا لم يكن السبب الرئيسي.
"أنا متأكد أنّهما تحدّثا عني، أليس كذلك؟"
"….."
"….."
لم ينبس المحقّقان بكلمة.
ظلّا صامتَين.
لكنّ ذلك لم يُربك سيث على الإطلاق، إذ تابع حديثه بنبرةٍ هادئةٍ ثابتة. "في الواقع، يمكنكما القول إنّ علاقتي بهما ليست على ما يرام. وأنا واثق أنّكما اطّلعتما على الأمر، وتعلَمان أنّهما اتّهماَني بسرقة برامجهما."
ظلّ المحقّقان صامتَين، يتركان له المجال ليقول كلّ ما يريد قوله.
"لم أسرق شيئًا منهما قط. تلك البرامج من تطويري أنا، غير أنّ…"
مدّ يده إلى جيبه وسلّم ورقةً بعينها.
تبادل المحقّقان النظرات، قبل أن يمدّ لوك يده ليلتقط الورقة ويطالعها سريعًا، وما لبثت ملامحه أن تغيّرت.
"هذا…"
"ما الأمر؟"
أخذ أدريان، المحقّق الآخر، العقد وتصفّحه بنفسه، وما إن قرأه حتى اتّسعت عيناه قليلًا، ورفع بصره نحو سيث.
"لقد عملت في هذه الشركة لسنوات. وهذا نوع العقد الذي وقّعته معهم. ما رأيكما؟"
ساد الصمت الغرفة مجددًا، لكنّ هذه المرّة لم يكن تَحفّظًا، بل عجزًا عن الكلام.
تجمّد الاثنان في مقعديهما، مذهولين تمامًا من الشروط الموضوعة أمامهما.
هذا…
أيّ نوعٍ من العقود الافتراسية هذا؟!
كلّما تابعا القراءة ازداد ذهولهما أكثر.
’يُدفَع 'المكافأة' فقط بعد أن تخصم الشركة جميع التكاليف الممكنة: التسويق، الإنتاج، الإعلانات، التوزيع، رسوم المنصات… وجميعها تُحدَّد بقرارٍ من الشركة نفسها. ما يعني أنّ العائد قد يساوي الصفر. بل إنهم لا يحصلون على أيّ أجرٍ ما لم يتجاوز المجموع مئة دولار.’
بند سيّئٌ يتلوه بندٌ أسوأ.
لكنّ الطعنة الأخيرة كانت في البند الأخير الذي قرآه:
البند (1.1.7): أيّ عملٍ أو ابتكارٍ أو ملكيةٍ فكريةٍ يطوّرها الموظّف خلال ستة أشهرٍ بعد إنهاء هذا العقد، إن كانت على صلةٍ بأعمال أو منتجات أو خدمات استوديوهات 'فورج نايت مير'، تُعدّ ملكًا خالصًا للاستوديوهات.
"هذا ما قصَدوه بقولهم إنّي ’سرقتُ’ منهم."
سكن الهواء في الغرفة، والمحقّقان يقلبان العقد للمرّة ’المليون’ تقريبًا.
كانا مذهولَين من أنّ عقدًا بهذه الوحشية يمكن أن يوجد أصلًا، وبدآ يشعران بالتعاطف مع سيث، غير أنّهما في الوقت نفسه…
"هذا لا يفسّر ما حدث بعد ذلك."
قال لوك وهو يزفر طويلًا ويضع العقد على الطاولة.
"صحيح أنّي أشعر ببعض التعاطف تجاهك بالنظر إلى نوع الشركة التي عملتَ فيها، لكن هذا لا يغيّر حقيقة أنّ هناك شذوذًا استُخدم في اللعبة. هل من الممكن أنّك أنت مَن زوّدهم بذلك الشيء؟ ربما انتقامًا؟ أو متنكّرًا في هيئة برنامج؟"
توتر الجوّ من جديد، وضاقت نظرات المحقّقَين.
غير أنّ ملامح سيث لم تتبدّل.
"في الواقع، لم أقدّم لهم أيّ برنامج."
"هممم؟"
"ماذا…؟"
ناولهم سيث ورقةً أخرى.
"هذه كشف حسابٍ بنكي لدفعةٍ ماليةٍ قدّمتُها لهم. المبلغ الإجمالي مليون وأربعمئة ألف دولار، وهو كلّ ما جنيتُه من الألعاب. فعلتُ ذلك كي لا أضطرّ لإعطائهم برامجي."
غيّرت هذه المعلومة المفاجئة مجرى التحقيق تمامًا.
لم يكن التحقّق من كشف الحساب أمرًا صعبًا، وبعد أن طلبا من مساعدتهما التثبّت، عادت بعد قليل وهزّت رأسها مؤكدةً.
تبدّل الموقف مرّة أخرى.
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
"في الواقع، ثمة أمرٌ آخر أردتُ مشاركتكما به."
بدا سيث متردّدًا قليلًا، لكنه في النهاية حسم أمره وأخرج ورقةً أخرى، دفعها على الطاولة، وما إن ألقيا نظرةً عليها حتى أدركا ما هي.
اتفاقية عدم إفشاء (NDA).
"لقد وقّعت عليها، ومن الناحية القانونية قد أُعرّض نفسي لمشكلةٍ خطيرةٍ بإظهارها. لكني أعتقد أنّهم يحاولون استخدامي ككبش فداء، ولهذا شعرت أنّ عليّ المجيء إلى هنا. والسبب في أنني أريتُكما كلّ هذا أولًا… هو كي تفهما طبيعة هؤلاء الناس."
أخرج قلمًا من جيبه ووضعه على الطاولة. في الظاهر كان قلمًا عاديًا لا يثير الانتباه، لكن ما إن ضغط على رأسه، تغيّر كلّ شيء.
—كَررر…
صدر صوت تشويشٍ منه.
استمرّ بضع ثوانٍ، قبل أن يتردّد في الغرفة صوتٌ خافت.
—…سلّم… البرامج.
ومع مرور الثواني، بدأ الصوت يزداد صفاءً.
—أعلم أنّك دفعتَ المال، لكن لديّ طرقًا كثيرةً لجعل حياتك أكثر بؤسًا. لا تظنّ ولو لثانيةٍ أنك تمسك بزمام الأمور. لديّ علاقاتٌ في أماكن كثيرة… حتى في النقابات!! إن لم تسلّم البرامج، فسأتّصل بهم وأجعلهم يلفّقون لك تهمةً ما!
—كن… مطيعًا وسلّمها.
توقّف التسجيل عند هذا الحدّ.
ساد الصمت، وعجز المحقّقان تمامًا عن الكلام.
"كما ذكرتُ سابقًا، لم أقدّم لهم البرامج أبدًا. سجّلتُ هذا رغم توقيعي على اتفاقية عدم الإفشاء لحماية نفسي. وبالنظر إلى ما آل إليه الوضع، أؤمن أنهم يحاولون الإيقاع بي."
ناولهما سيث القلم.
"يمكنكما التحقّق من صدق التسجيل. لا توجد أيّ تعديلاتٍ عليه. هذا بالفعل صوت المدير التنفيذي وهو يهدّدني."
ولم يكتفِ بذلك.
بل دفع ببطاقةٍ صغيرةٍ إلى الأمام.
"هذه بطاقة هويتي النقابية. ستجدان فيها كلّ تعاملاتي مع النقابة، ويمكنكما رؤية ما إذا أخذتُ شيئًا منها أم لا. أؤكد لكما أنّكما لن تجدا شيئًا يُذكر. لقد بدأت عملي هناك منذ نصف عامٍ فقط."
ولإكمال الصورة، مدّ ذراعه قليلًا إلى الأمام.
"أنا أيضًا بلا حولٍ ولا قوة. يمكنكما فحصي إن أردتما، ليس لديّ حتى عُقدة. أحاول إنشاء واحدة، لكني لم أنجح بعد. في الوقت الحالي، لستُ سوى مواطنٍ عادي."
نظر إلى المحقّقين، وابتسم.
"أظنّ أنّ هذا يكفي لإثبات براءتي، أليس كذلك؟"