الفصل 366: سرقة؟ [2]
في كل الوقت الذي عرفْتُ فيه المايسترو، كانت هذه أوّل مرةٍ أشهد فيها غضبه وسَخطه. حتى عندما أهنتُ عمله في أوّل سيناريو جمعني به، لم أرَ منه مثلَ هذا الغضب والاشمئزاز.
’…ما الذي يحدث بحقّ السماء؟’
خفق قلبي بعنفٍ في صدري.
لم يهدأ غضب المايسترو، واهتزّت الأرجاء.
رَعْد! رَعْد!
"كيف تجرؤ…"
ازدادت الغرفة اهتزازًا، وعندها أدركتُ أنّ عليّ التحرّك.
"انتظر لحظة."
مددتُ يدي نحو المايسترو، محاولًا جذب انتباهه. كان شيءٌ ما يتحرّك في المكان بفعل غضبه. لم أدرِ ما هو، لكنني علمتُ أنّ عليّ إيقافه قبل فوات الأوان.
"اهدأ قليلًا. دعني أفهم ما الذي يجري."
"أفهم…؟"
تحوّل صوت المايسترو إلى نغمةٍ أكثر ظلامًا، فاقشعرّ شعر ذراعي، واختنق نفسي.
"ما الذي هناك لتفهمه؟"
تردّد صدى صوته الأجشّ في المكان، فتوقّف نفسي لحظة.
ومع ذلك، ومع ازدياد ارتجاف الأرجاء، علمتُ أنّ عليّ التصرف.
"فـ… فقط اهدأ لحظة." تمكّنتُ من نطق الكلمات بصعوبة رغم الضغط الذي كان يملأ الغرفة.
’لشخصٍ يعتمد على قوّتي بهذا الشكل، إنه يخنقني حقًا.’
التقطتُ نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة صوتي المرتجف.
"دعني أفهم الموقف جيدًا. الغضب لن يفيد في شيء الآن، ولن يحلّ المشكلة."
كنتُ أملك فكرةً تقريبية عن سبب غضب المايسترو. لم يكن الأمر يحتاج إلى عبقريّ ليفهمه، لكن مع نوبته الحالية لم أكن أملك وقتًا لتحليل الموقف بهدوء.
لو أنّ المايسترو فقط يمكنه أن—
"…حسنًا."
تلاشى الضغط دفعةً واحدة.
توقّف الاهتزاز، وخفَّ الثقل عن صدري.
ما هذا…؟
فوجئتُ بالتغيّر المفاجئ، لكنني بلعتُ ريقي بصمت، وأعدتُ تركيزي، ونظرتُ مباشرةً نحو المايسترو قبل أن أوجّه نظري إلى الكبسولة.
التقطتُ عدّة أنفاسٍ عميقة، وخرجتُ من الكبسولة، ثم توجّهتُ نحو حاسوبي المحمول.
’سرقة، سرقة…’
لم يكن هناك سوى سببٍ واحد قد يجعل المايسترو يقول مثل هذا.
’لابدّ أنّ موسيقاه قد سُرِقت.’
كان ذلك هو التفسير الوحيد الممكن. وبالتفكير في الشعور الغريب الذي كنتُ أحسّه كلّ مرةٍ تُعزف فيها الموسيقى أثناء اللعب، كنتُ قد شعرتُ فعلًا بشيءٍ غير طبيعيّ في اللعبة.
جلستُ أمام الحاسوب، وأعدتُ تشغيل اللعبة مجددًا، لكن هذه المرة من دون خاصية الواقع الافتراضي. كانت اللعبة قابلةً للّعب دونها لبساطتها الشديدة في التصميم.
بالطبع، كانت أفضل مع الواقع الافتراضي.
"لنرَ."
بدأتُ في نفس غرفة الأمن كما من قبل.
ظهرت الدمى في كل زاوية من الكاميرات، وبدأت الأضواء في الأعلى تومض.
انتظرتُ بصمتٍ وأنا أتنقّل بين الكاميرات حتى—
دا~ دا~ دا!
بدأ اللحن بالعزف.
وفي اللحظة ذاتها التي انطلقت فيها النغمة، اضطرب شيءٌ في صدري، وغامت أفكاري. تلاشى تركيزي، وبحلول الوقت الذي استعدتُ فيه وعيي، وجدتُ نفسي أتنفّس بصعوبة.
"يا للهول…"
وضعتُ يدي على فمي، أحدّق في الشاشة بعينين واسعتين.
رَعْد! رَعْد!
اهتزّت الأرجاء مرةً أخرى، وكان المايسترو واقفًا بجانبي، لكن هذه المرة لم أوقفه، إذ أبقيتُ نظري معلّقًا على اللعبة أمامي، مذهولًا تمامًا.
إن كنتُ أشكّ في السابق، فلم أعد أشكّ الآن.
هذه اللعبة…
’إنها تنسخ موسيقى المايسترو.’
***
استوديوهات فورج نايت مير.
دررررر—! تَررر!
الاستوديو المعتاد على الهدوء والكآبة كان يعجّ بالنشاط كما لم يحدث من قبل؛ كانت الهواتف ترنّ باستمرار، والموظفون يهرولون في أرجاء المكتب حاملين الملفات من مكانٍ إلى آخر.
"أسرع! أسرع!"
"تلقيتُ عرض رعاية! إنها شركة نيوزي!"
"…ما حالة إصلاح الأعطال؟ هناك عدّة تقارير جديدة!"
"لقد ظهرنا في الأخبار!"
"نحن نصعد في التصنيفات!"
رغم انشغال الجميع، ساد جوٌّ احتفالي. كانت اللعبة تُحقّق نجاحًا مذهلًا، وبما أن الجميع سيحصل على مكافآتٍ بناءً على ذلك النجاح، كانت المعنويات مرتفعة في كلّ مكان.
كانت هذه أوّل مرةٍ منذ زمنٍ طويل تنجح فيها أحدث ألعابهم بهذا الشكل. وكان من الطبيعي أن يشعروا بالسعادة.
مكتب المدير التنفيذي.
"اللعبة يُتوقّع أن تصل إلى صدارة الترتيب الوطني. هناك احتمال أن ندخل التصنيف العالمي أيضًا."
المتحدّث كان دانيال مير، شابًا أشقر الشعر أزرق العينين.
كان يرتدي بذلةً أنيقةً مكويّة بعناية، واقفًا باستقامةٍ مثالية، مظهره هادئٌ واحترافي. بصفته خريج جامعة يويستون مالوفيا، كان من النخبة اللامعة التي التحقت مؤخرًا بالشركة.
في الحقيقة، كان مسؤولًا جزئيًا عن نجاح اللعبة.
"أوه؟ قد نصل إلى الترتيب العالمي؟ هذا خبرٌ رائع."
ابتسم المدير التنفيذي، رجلٌ في الستين من عمره، ببهجةٍ واضحة. ارتفعت حاجباه الكثّان عاليًا، وشعر رأسه الخفيف كان مصفّفًا بعناية فوق جبينه. أبرز ما فيه كان شاربه الأنيق المشذّب بعناية، الذي كان يلمسه دائمًا حين يفرح.
"…ما مدى ثقتك في دخولنا التصنيف العالمي؟"
"الاحتمال كبير."
أجاب دانيال، ناظرًا في اللوح الإلكتروني بين يديه.
"بناءً على سجلات المبيعات الحالية، وحقيقة أن اللعبة بدأت تصل إلى جمهورٍ خارج الجزيرة، يمكنني القول إنه من الممكن أن نحتلّ موقعًا ضمن الألف الأوائل."
"الألف الأوائل؟"
تنفّس المدير التنفيذي بعمق، وارتجف صدره من الحماس.
رغم أن ’أفضل ألف’ لا يبدو إنجازًا ضخمًا، إلا أنه في الواقع نتيجة مذهلة. فهذا يعني أن لعبتهم ضمن أفضل ألف لعبة في العالم بأسره، لا في جزيرتهم فحسب، بل في الجزر المجاورة أيضًا.
كان ذلك إنجازًا تاريخيًا.
شيئًا لم يحقّقه أحد في الجزيرة أو المناطق القريبة. وسيجعل من الاستوديو الخاص بهم أول من يبلغ هذه المرتبة، فاتحًا أمامهم عصرًا من الشهرة والنموّ غير المسبوقين.
ارتجف شارب المدير التنفيذي من الحماس.
"رائع. رائع. سيكون أمرًا عظيمًا إن تمكّنا من تحقيق ذلك."
وبينما كان يتحدث، التفت نحو دانيال، مرسومًا على شفتيه ابتسامة امتنان.
"لم يكن أيٌّ من هذا ممكنًا لولاك. لقد أنقذتَ الموقف حقًا."
"…شكرًا لك."
أخفض دانيال رأسه مبتسمًا، ثم رفعه مجددًا ونظر إلى المدير التنفيذي وقد خفّت ابتسامته قليلًا.
"لكن، إن كنا صادقين، ما كان لأيٍّ من هذا أن يحدث لولاك."
"أنا…؟" توقّف المدير لحظة، ثم انفجر ضاحكًا. "هاها، حسنًا، يمكن القول ذلك بالفعل."
ارتسمت ابتسامة مشابهة على شفتي دانيال.
"من كان يظنّ أن مقطوعةً موسيقية يمكن أن تترك مثل هذا الأثر؟ لقد حاولتُ البحث في الأمر أكثر، بل وأرسلتُها إلى المكتب للتحقيق، لكن دون جدوى. اعتبروها موسيقى عادية، لكنني واثق أن الأمر ليس كذلك. لا بدّ أن هناك سرًّا وراءها."
"ولم لا؟ لقد جمعنا بالفعل فريقًا كاملًا من المهندسين لتحليل الشيفرة المصدرية لألعابه، علّنا نستخرج شيئًا آخر يمكننا دمجه في لعبتنا."
"صحيح."
ارتفعت زاوية ابتسامة دانيال أكثر.
وطرأت على ذهنه فكرة.
"أتظنّ أنه سيعترض؟"
"هو؟"
رمش المدير التنفيذي، ثم ضحك مجددًا. وبينما يفعل، أخرج من درج مكتبه عقدًا، وضربه على الطاولة بضربةٍ حادّة.
"إلى الجحيم إن اعترض. في الواقع، رتّب لقاءً معه. أرغب في التحدّث إليه جيدًا. فبعد كلّ شيء…"
نظر المدير إلى العقد.
"…كلّ ما صنعه يخصّني. هذا ما ينصّ عليه العقد."