الفصل 357: التخلّص من الجرذ [3]
رنّ خرير الأجراس برفق في أرجاء الغرفة بينما جلس شخصان متقابلان، تتشابك نظرات أعينهما الداكنة في صمت ثقيلٍ خيّم على المكان، كأنّ الغرفة نفسها تحبس أنفاسها.
حدّق سيد النقابة بالمهرّج الواقف أمامه، فمسح بعينيه جسده من رأسه حتى قدميه. منذ اللحظة التي وضع فيها سيث القناع، تغيّر جوّه بالكامل، حتى بدا وكأنّ شخصًا آخر تمامًا قد حلّ مكانه في الغرفة.
إلى حدٍّ ما، كان حضوره غريبًا عن هذا العالم.
كأنه يتعامل مع شذوذٍ لا مع إنسان، بالكاد استطاع أن يستشعر وجوده.
ولم يكن عجيبًا أن يُخطَأ في الظنّ بأنه شذوذ.
'مثير للاهتمام.'
كلّما ازداد تأمّل سيد النقابة، ازداد اهتمامه.
لم يتأثّر أبدًا بالضغط الخفيّ المنبعث من 'المهرّج' المقابل له، غير أنّه لم يستطع إنكار وجوده.
'إنه مثير للاهتمام.'
ظلّ قلبه ثابتًا كما كان منذ البداية.
بل إنّ نبضه تباطأ عند رؤيته للمهرّج.
'…رغم أنّني ربطت بينهما سابقًا، كنتُ أميل إلى الاعتقاد بأنّ له صلةً بالشذوذ أكثر من كونه شخصًا آخر. أتساءل كيف تمكّن من دخول البوابات إن كان الأمر كذلك.'
كانت هناك أسئلة كثيرة يرغب بطرحها في تلك اللحظة.
غير أنّ…
"هل تظنّ أنّ هذا كافٍ لإثبات قيمتي؟"
تردّدت كلمات المهرّج الناعمة الباردة بهدوءٍ في الغرفة، لتقطع سلسلة أفكار سيد النقابة.
حوّل نظره مجددًا نحو 'المهرّج'، فعادت الابتسامة إلى وجهه.
لم يُجب، لكنّ المعنى خلف ابتسامته كان واضحًا.
"نعم."
مدّ سيث يده نحو القناع ورفعه ببطءٍ عن وجهه، وفي تلك اللحظة القصيرة، اسودّت عيناه القاتمتان أكثر قبل أن تعودا إلى لونهما الطبيعي.
لم يَفُت هذا المنظر سيد النقابة، ففتح فمه ليتكلّم، لكنّ صوت سيث قاطعه.
"…لقد أريتُك قدري. آمل أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار حين تُعدّ عقدي."
وضع سيث كفّيه على طرفي مسندي الكرسي الذي جلس عليه، ونهض متّكئًا عليهما.
"كنت أودّ أن أبقي هويّتي كـ'المهرّج' سرًّا، لكن معرفتك بذلك لا تعني أنّ لك سلطةً عليّ. بل…" توقّف سيث، مثبتًا عينيه على سيد النقابة. "…إنّما أُتيح لك بهذه المعرفة أن تستخدم هذا السرّ لصالحك. لم أعد مهتمًّا بإخفاء الأمر، لكنّي متيقّن أنّك تدرك ما سيحدث إن علم العالم بمرسومي."
لم يتغيّر وجه سيد النقابة رغم كلمات سيث.
بدا وكأنّه يرى بوضوح نواياه، ومع ذلك، كان الأمر يصبّ في مصلحته أيضًا.
"لن يصعب عليّ أن أجعل من المستحيل على الآخرين ربطك بالمهرّج. هناك عدّة طرق لأفعل ذلك."
وهذا أيضًا كان يصبّ في صالحه.
سيكون من الخسارة الفادحة أن يُعلَن عن قدراته أمام العلن. هناك الكثير مما يمكنه فعله.
"…سيكون ذلك مثاليًا." أجاب سيث بعد لحظة صمت. "ما زلتُ أفضّل ألّا يعلم الكثيرون بهويّتي كمهرّج، فذلك سيجلب لي متاعب لا داعي لها."
"جيد."
ابتسم سيد النقابة وهو يراقب سيث يغادر الغرفة.
"سأقدّم لك عقدًا محدّثًا قريبًا. يمكنك الاطّلاع عليه بنفسك، وإخباري برأيك."
"…نعم."
"آه."
وكأنّ شيئًا تذكّره فجأة، فتح سيد النقابة أحد أدراجه وأخرج جهازًا أسود مستطيلًا طويلًا، وضعه على الطاولة.
"ما هذا…؟"
"إنه دَوري في الصفقة."
ثم رماه نحو سيث بابتسامة خفيفة.
"آمل أن تمنحني سببًا وجيهًا."
***
طنين—!
أغلقتُ الباب خلفي، وسرتُ نحو باب المصعد متجاهلًا موظفة الاستقبال. ولمّا انغلقت الأبواب تمامًا، أخذتُ نفسًا عميقًا، يعلو صدري ويهبط مرارًا، والعرق يلتصق بظهري بينما أحاول التماسك.
"اللعنة…"
رغم محاولتي إخفاء الأمر، كنت تحت ضغطٍ هائلٍ من وجود سيد النقابة. كلّ كلمة خرجت من فمي وجب أن تُوزن بعناية، وكأنني أسير على حبلٍ مشدودٍ فوق الهاوية، كلّ خطوة قد تكون الأخيرة.
"هوو… هوو…"
حاولتُ جاهدًا تهدئة نفسي، لكن رغم كلّ ما بذلته من جهد، لم أستطع التماسك تمامًا وأنا أتكئ على مرآة المصعد.
بينما أفعل ذلك، قبضتُ على قبضتيّ في صمت.
'لقد فعلتها…'
لم أكن أدري حقًا كيف أشعر بما أنا عليه الآن، لكنه كان ثمرة يأسٍ دفَعني إلى هذا الطريق.
من البداية، لم أكن أنوي أبدًا كشف هويّتي كمهرّج.
فذلك قد يقودني إلى الموت. لا يمكن أن أسمح لأحدٍ أن يعرف بأمر النظام. اللحظة التي يُكتشف فيها ستكون لحظة نهايتي.
كان من المفترض أن تظلّ الأمور كذلك، ومع ذلك…
'لقد فعلتُها.'
لقد كشفتُ هويّتي كمهرّج.
ولحسن الحظ، لم أعُد مضطرًا للقلق بشأن اكتشاف أحدٍ للنظام. الآن بعدما بلغتُ الرتبة الثالثة، لديّ طرقٌ أخرى لتفسير ما حدث في الماضي.
ولم يسأل سيد النقابة عن ذلك بعد، لكنّي شعرتُ بأنه ليس من النوع الذي يطرح الأسئلة كثيرًا. إنّه من أولئك الذين يُفضّلون المنفعة فوق كلّ شيء.
ما دمتُ أُفيده، إذًا…
'نعم، لهذا قرّرتُ فعل ذلك.'
كلّ هذا كان من أجل مصلحتي.
للتخلّص من الجرذ، وللحصول على شخصٍ ذي نفوذٍ يساعدني في بلوغ هدفي.
كنتُ أدرك أن هذا قد ينقلب عليّ، غير أنّي فهمتُ أيضًا أنه فرصة عظيمة لي.
فبوجود شخصٍ مثل سيد النقابة في صفي، كنتُ واثقًا أنّي سأتمكّن من النموّ أسرع بكثير مما مضى، كما سأحصل على معلوماتٍ لم يكن بوسعي الوصول إليها من قبل.
كانت هذه خطوةً ضرورية عليّ أن أتّخذها.
'نعم، كان عليّ اتخاذها.'
مطمئنًا نفسي بأنّني سلكتُ الطريق الصحيح، رفعتُ يدي ببطءٍ لأنظر إلى الشيء الذي سلّمني إيّاه سيد النقابة. بدا كقلمٍ مستطيلٍ صغير، لكن دون غطاءٍ له.
تأمّلته بهدوء، ثم أخرجتُ هاتفي ومسحت القلم بواسطة قاعدة بيانات النقابة.
'بما أنّ سيد النقابة هو من أعطاني هذا، فلا بدّ أنّه موجود في قاعدة بيانات النقابة.'
لم يستغرق المسح سوى ثوانٍ قليلة.
وبعد انتظارٍ قصير، ظهرت نتيجة التطابق.
لكنّ ملامحي تجمّدت ما إن رأيت النتيجة.
"هذا…"
نبض… خفق! نبض… خفق!
قفز قلبي داخل صدري، وارتفعت يدي إلى فمي بينما وجدت نفسي أضحك بخفوت.
"هاه."
هذا الشيء…
كان جهازًا ملائمًا تمامًا لما كنتُ أنوي فعله تاليًا.