الفصل 356: التخلّص من الجرذ [2]
‘هل سيوافق حقًا؟’
حدّقتُ في سيّد النقابة، وكان من الصعب عليّ تصديق أنّه سيوافق بهذه السهولة. لم يكن من ذلك النوع من الأشخاص الذين يوافقون بسهولة على أمورٍ كهذه.
ابتسامةٌ خفيفة ارتسمت على شفتيه، وعيناه الغائرتان الثاقبتان انغرستا فيّ، فبدأ شعورٌ متزايدٌ بالقلق يتسرّب إلى صدري.
‘…نعم، لا يمكن أن تكون الأمور بهذه البساطة. لقد قال إنّ لديه بعض الشروط. ما هي بالتحديد؟’
رغم الاضطراب الذي اجتاح عقلي، لم أدعه يظهر على ملامحي.
أخذتُ نفسًا عميقًا وهادئًا قبل أن أفتح فمي مجددًا.
"عندما تقول إنّ الأمر ممكن، أتعني بذلك أنّك مستعدٌّ للقيام به، أم أنّه ممكنٌ فحسب؟"
أجاب سيّد النقابة بابتسامةٍ بسيطة.
لا كلمات، لا شيء.
فقط ابتسامة.
ما الذي يُفترض أن يعنيه ذلك…؟ حاولتُ قدر استطاعتي إخفاء إحباطي الداخلي، وأنا أحاول فكّ نواياه.
‘لقد قال بوضوحٍ من قبل إنّه بحاجةٍ إلى عذرٍ جيّد للتخلّص من مايلز. وهذا يعني أنّه منفتحٌ على فكرة طرده في سبيل الاحتفاظ بي.’
وقد قال صراحةً أيضًا إنّه وافق على شروطي.
ما كنت بحاجةً إلى معرفته هو شروطه هو. ما هي شروطه تحديدًا؟ هل ستكون مفرطة؟ وإن كانت كذلك… وكأنّه قرأ أفكاري، تكلّم سيّد النقابة أخيرًا.
"الشروط التي أطلبها ليست شديدة القسوة. إن كنت ترغب بأن أتخلّص من مايلز، فسأحتاج منك أن توقّع عقدًا طويل الأمد مع النقابة. وبالطبع، سأمنحك شروطًا جيّدة في العقد. سواءٌ من حيث الراتب أو أيّ مطالب أخرى لديك، يمكنني تلبيتها. لكن في المقابل، ستبقى معنا لمدّةٍ طويلة."
انقبض قلبي بشدّة عند سماع الجزء الأوّل من شروطه. هذا… لا يبدو طلبًا مبالغًا فيه بالنظر إلى أنّني أتسبّب في طرد أحد ألمع المواهب من النقابة، لكن في الوقت نفسه، شعرت وكأنّني أقيّد نفسي بسلاسل إلى النقابة.
قد تكون الشروط مغرية على المدى القصير، لكن ماذا عن المدى الطويل؟
كم من الحريّة سأملك؟
‘في هذه المرحلة، عليّ أن أفكّر في الانسحاب.’
لم أرغب أن أكون مقيّدًا تحت سلطة أحد. كنتُ مقيدًا بالفعل بالنظام، وذلك كان مزعجًا بما يكفي.
"…أرى ما يدور في ذهنك، وأطمئنك أنّني لن أنتزع منك الكثير من الحريّة. ستبقى الأمور كما كانت دائمًا. ستبقى معنا فقط لمدّةٍ أطول. يمكن أن يكون الراتب متزايدًا أيضًا، أي يعتمد على نتائجك. وإن لم تصدّقني، يمكنك مراجعة العقد عندما يُعرض عليك لاحقًا."
"حقًا…؟"
حدّقتُ في سيّد النقابة بعينين حذرتين. لسببٍ ما، ما زلتُ أجد صعوبةً في تصديق كلماته بالكامل.
كان في نظرته وملامحه شيءٌ يجعلني أشعر بعدم الارتياح.
وكأنّني…
أتعامل مع الشيطان ذاته.
ها…
‘حقًا عليّ أن أتوقّف عن التفاوض مع أمثال هؤلاء.’
كان مؤسفًا أنّني دُفعت إلى هذا الحدّ. لقد سئمتُ من الجرذ ومكائده. لم نعد قادرين على التعايش، ولهذا اتخذتُ أكثر الإجراءات تطرّفًا التي استطعت التفكير بها للتخلّص منه.
"لا داعي للقلق كثيرًا، سيث. ستُعامل فقط كموهبةٍ من الدرجة العليا. هذا كلّ شيء. سيبقى كلّ شيء كما هو."
"أهكذا هو الأمر…؟"
رغم سماعي ذلك منه مباشرةً، لم أشعر بالطمأنينة الكاملة.
ومع ذلك…
قبضتُ على أسناني.
هذا هو الطريق الذي اخترتُه بنفسي.
لم يكن الأمر لمجرّد التخلّص من الجرذ. كان أكثر من ذلك.
حدّقتُ في سيّد النقابة أمامي، ثم سحبتُ يدي وجلستُ مجددًا على الأريكة وأنا أحدّق فيه. لم أقل شيئًا، ولم يقل هو شيئًا أيضًا، بل قابل نظرتي بهدوء.
وفي النهاية—
طرقة.
نقرتُ بيدي اليمنى على مسند الكرسي.
ارتفع حاجب سيّد النقابة، وانجذب انتباهه سريعًا إلى الشاشة أمامه.
فليك!
تذبذبت الشاشة، وظهر مهرّجٌ معيّن.
دا دا دا~
رنّ لحنٌ مألوف في الهواء، وللمرّة الأولى، اختفت الابتسامة عن وجه سيّد النقابة.
"مرسومي يُدعى مرسوم الراعي."
بدأتُ أشرح بهدوءٍ ما كان يراه.
"إنّه يتيح لي التحكّم في الشذوذات التي واجهتُها في الماضي. إلى حدٍّ ما، يمكنني حتى نقل قدراتها إليّ. ما تراه الآن هو إحدى الشذوذات التي تمكّنتُ من احتوائها. وأنا متأكّد أنّك على درايةٍ بهويّتها."
"…."
الصمت الذي تلا شرحي كان خانقًا إلى حدٍّ جعل كلّ شعرةٍ في جسدي تقف.
بَـدَتْ دَقّات قلبي تتسارع.
بَـدَتْ دَقّات قلبي تتسارع!
رغم محاولاتي للبقاء هادئًا، كان قلبي يخفق بجنون، وظهري مبلّلٌ بالعرق.
لكنني كنتُ أعلم أنّ هذه خطوةٌ لا بدّ لي من اتخاذها.
لقد منحني النظام خيارًا: أن أجد وسيلةً لكسر الختم عن جسد أرييل واستخدامها لإبقاء سيّد النقابة جاهلاً بالسرّ. لكنني في النهاية رفضتُ تلك المهمّة.
اخترتُ خيارًا آخر.
خيارًا… خرج عن النصّ.
‘سأعقد صفقةً مع الشيطان نفسه.’
لم يكن هناك شكٌّ في أنّ هويّتي كـ'المهرّج' ستنكشف في نهاية المطاف، بالنظر إلى كلّ ما حدث. كان ذلك أمرًا لا مفرّ منه، ورغم أنّ بإمكاني إخفاء السرّ لفترةٍ أطول، فإن كان الجرذ قد اكتشفه، فسيكتشفه الآخرون أيضًا.
وفي تلك الحالة، بدلاً من تأجيل الحتميّ، كان الأفضل أن أعترف بالحقيقة وأستغلّ هذا 'السرّ' لأنتزع أعظم فائدةٍ ممكنة.
‘ومع شخصٍ قويٍّ كسيّد النقابة، لن أقلق كثيرًا بشأن هويّتي وسرّي. فبفضل قدراته، أنا واثقٌ أنّه قادرٌ على حفظ السرّ عن الجميع.’
سأكسب أيضًا حليفًا قويًّا للغاية، وإن كان خطرًا.
كانت خطوةً محفوفةً بالمخاطر، لكنّها، في الوقت نفسه، الخطوة التي شعرتُ أنّها ستمنحني أعظم فائدةٍ على المدى البعيد.
أخذتُ نفسًا عميقًا.
"لقد حاولتُ البحث أكثر عن هذا المرسوم، لكن يبدو أنّني الوحيد الذي يملكه. إنّه مرسومٌ لا يملكه أيّ شخص آخر في هذا العالم، وهو الآن بيد شخصٍ ينتمي إلى هذه النقابة نفسها."
"…."
ظلّ الصمت يخيّم على الغرفة، وعينا سيّد النقابة تومضان بوميضٍ مريب. ضغطٌ خفيٌّ بدأ يهبط عليّ، حتى غدا تنفّسي أثقل.
تجاهلتُ الضغط ومضيتُ بالكلام.
"…أستطيع أن أؤكّد لك أنّ قيمتي ليست موضع شكّ. بيني وبين الجرذ… أعني مايلز، لا وجه للمقارنة."
أدخلتُ يدي في جيبي، وأخرجتُ قناعًا معيّنًا. ببطء، وبحركةٍ أقرب إلى الطقوس، رفعتُه نحو وجهي. وما إن التصق بي، حتى دوّى في الأرجاء رنينُ أجراسٍ خافتٍ. ومن خلال الشقوق الضيّقة في القناع، تلاشت معالم العالم من حولي، ولم يبقَ أمامي سوى شخصٍ واحد.
سيّد النقابة…
يحدّق بي مباشرةً.
"إن لم تكن متأكدًا من هويّتي من قبل، فأنا متأكّد أنّك الآن على يقينٍ منها."
طرقتُ بإصبعي على القناع فوق وجهي.
"أنــا الــمــهــرّج."