الفصل 341: 71 [3]
الهمس جاء بطيئًا، أجشّ الصوت، يسحب كل كلمة كأنه يريدها أن تغوص تحت جلدي.
ما إن بلغني الصوت حتى تجمّد جسدي في مكاني. لم أستطع حتى التنفس بينما التفت وجهٌ خالٍ من الملامح وثبّت نظره الأجوف عليّ مباشرة.
"…بهذا، ينبغي أن نحصل على آخر تضحية لنا."
استقرّ في صدري شعور ثقيل وبارد بينما أحدّق في الوجه الخالي الذي يطلّ من الفتحة أمامي. تضحية؟ لأي شيء…؟
عبرت في ذهني كل أنواع الأفكار بينما أحاول جاهداً أن أستوعب ما يجري.
لكن قبل أن أتمكّن من إدراك الأمر تمامًا…
دويّ!
"…..!؟"
خرجت يد أخرى من الجدار، أصابع شاحبة طويلة تمتدّ وتشقّ الفتحة اتساعًا، بينما ظهرت عدّة هيئات أخرى. ازداد تنفّسي اضطرابًا وأنا أحدّق في الذراع البارزة من الجدار، وخلفها قاعة فسيحة، فيها وجوه بلا ملامح، ومعدات تتراوح بين كمانات وصولاً إلى بيانو ضخم.
لم يكن لدي وقت لتأمل الغرفة جيدًا، إذ التفتّ خلفي.
لكن…
"آه، اللعنة."
ظهرت عدّة هيئات، تسدّ طريقي.
أدركت في تلك اللحظة أنني وقعت في فخّ.
’هذا سيّئ. سيّئ للغاية.’
ومع ذلك حاولت جاهداً ألّا أستسلم للذعر. فهذا أسوأ توقيت ممكن للذعر. كان عليّ أن أبقى هادئًا.
و… لم أكن وحدي.
’حان الوقت لتُثبت فائدتك…’
تحوّلت أنظاري فجأة نحو الغرفة داخل الجدار.
وهناك وقعت عيناي مجددًا على البيانو.
طعخ!
ارتطام المفاتيح بصوت واحد دوّى في المكان بأكمله. ثمّ، فجأة، خيّم الصمت الثقيل بعد الضجيج.
توجّهت كل الرؤوس ببطء نحو مصدر الصوت، واستقرّت أنظارهم على الهيئة الجالسة عند البيانو. كان جالسًا بجمود، ظهره منتصب على نحو غير طبيعي، وأصابعه ممدودة بخفّة فوق المفاتيح. شفاهه مشدودة على خيوط محكمة الخياطة، ونظراته المخيطة تخترق الجفون كأنها تدرك كل ما يجري حوله.
’نعم…’
ابتسمت لنفسي.
’لقد حان الوقت ليُفيدني عبدي الجديد.’
***
فواپ—!
أغلق سيث الكتاب في يده، محوّلًا نظره نحو الفريق ومايلز.
"…لنغادر. أعتقد أن هذا كل ما في هذه الغرفة. لا يوجد شيء آخر يستحق انتباهنا."
بدأ بالسير متجاوزًا المجموعة. من مظهره وسلوكه، لم يكن يبدو عليه أيّ غرابة. تصرّف كما لو أنه لم يتغيّر في شيء. ذلك ما جعل الآخرين يعبسون.
…هل كان فعلًا غير متأثّر بكل ما حدث؟
هل موت سارة لم يعني له شيئًا؟
’لا، إنه فقط يتصرّف بمهنية.’ كرّرت جوانا لنفسها، وهي تحدّق في قائد الفرقة قبل أن تمسح الغرفة بعينيها. كان محقًا؛ لا شيء لافتًا في الغرفة سوى الصورة والرمز الغريب على الأرض.
التقطت عدّة صور له، ثمّ وضعت هاتفها جانبًا.
’لا يبدو أن الرمز نشط. الآن سألتقط له صورًا وأرسلها إلى النقابة.’
لم تكن مضطرة لذلك، فكل شيء يُبثّ مباشرة، لكن هاتفها يمنح جودة أفضل، لذا لم يكن خيارًا سيئًا.
"….."
في خضمّ كل ذلك، ظلّ واحد فقط صامتًا، وقد بدأت الغمازات على وجهه تتلاشى ببطء بينما سقط نظره على سيث.
"سأتواصل مع النقابة وأرسل لهم كل شيء، بما في ذلك هذا الكتاب في يدي. أنا متأكد أنهم سيتمكنون من—"
"دعني أرى الكتاب لحظة."
قاطع مايلز سيث في منتصف حديثه، فجعله يتوقّف.
التفت سيث ببطء نحو مايلز، وتصادمت نظراتهما. خيّم الصمت فجأة على المكان، بينما عادت الغمازات إلى وجه مايلز ومدّ يده إلى الأمام.
"لم تتح لي فرصة رؤية الكتاب. هل ستعطيني إياه؟"
"….."
ظلّ سيث صامتًا، وعيناه مثبتتان على مايلز.
توتر غريب بدأ يخيّم على الغرفة. توتر جعل الجميع يتوقّفون ويوجّهون أنظارهم نحوهما.
ما الذي يجري بحق الجحيم؟
"قائد الفرقة…؟ لماذا لا—"
"لأنه ليس قائد فرقتك."
أجاب مايلز بلهجة جازمة. إن كان هناك شكّ من قبل، فقد زال الآن. الرجل الواقف أمامهم لم يكن سيث، بل أحد آخر… شخص يرتدي وجه سيث ويتظاهر بأنه هو.
"ماذا؟ ما الذي تقوله؟" قالت نورا فجأة، حاجباها ينعقدان بإحكام وهي تلتفت نحو سيث. وقف ثابتًا، والكتاب بيده، وملامحه لم تتغيّر.
زمّت نورا شفتيها للحظة.
"…لا أرى شيئًا غريبًا فيه؟ لماذا تظن أنه ليس قائد الفرقة؟ هل تفعل هذا لأنه لكمك؟"
"لا."
هزّ مايلز رأسه، والغمازات تتّسع على وجهه بينما نقر على عينيه.
"أنا فقط أراه."
طرف سيث بعينيه مرة واحدة، فتحوّلت ملامحه في نظر مايلز. لم يعد الوجه الذي اعتاد عليه؛ أصبح أملس خالي، ناعم وفارغ، لا شيء فيه سوى تجاويف ضحلة بدل العينين والفم.
ومع التغيّر المفاجئ، لم يظهر الخوف على مايلز إطلاقًا.
بل اتّسعت غمازاته أكثر، وهو يوجّه نظره نحو الكتاب في يدي سيث.
"دعني أُخمِّن…" انساب صوته برفق في المكان. "هذا هو المفتاح لتجاوز هذا السيناريو… وإعادته، أليس كذلك؟"
***
خارج البوابة.
"يبدو أن الوضع في الداخل هدأ قليلًا. لكننا فقدنا الاتصال بما لا يقل عن سبعين عميلًا. هذا…"
تحوّل وجه رئيس القسم إلى كآبة بالغة. كان هذا ما يقارب نصف الأعضاء الذين دخلوا الاختبارات. ومن التعليقات والمقالات الإخبارية التي بدأت بالظهور، رأى أن خبر الحادثة ينتشر في كل مكان.
لقد حاول بالفعل كبح انتشار الخبر، لكنه بلغ مرحلة لا يمكن السيطرة عليها.
’…هذا سيّئ حقًا. إن استمرّ الوضع بهذا الشكل، فكل ما بنيناه حتى الآن سينهار أمام عينيّ.’
من الأعضاء الموهوبين إلى الرعاة، بل وحتى السمعة، سيفقدون الكثير بسبب هذا الخطأ الكارثي.
"حسنًا، عليّ أن أهدأ. ما زال بإمكاننا معالجة الأمر."
كان رئيس القسم يعرف أصل المشكلة. إنهم يتعرّضون لهجوم خارجي. وبمشاهدة البث، كان قد فهم أيضًا الوضع في الداخل. كان يتنقل مع زوي في محاولات لإيجاد مخرج، لكن قول ذلك أسهل من فعله.
كما أنه حاول اقتحام المكان بنفسه، لكن الأمر كان مستحيلًا رغم مهارته.
الذين دبّروا كل هذا خططوا بدقة متناهية. كان هذا هجومًا مباشرًا عليهم.
تنفّس بعمق، واستعاد توازنه، وفتح شفتيه ليبدأ محاولة جديدة لحلّ الموقف، حين—
طَرق!
انفتحت أبواب غرفة المراقبة.
استدارت كل الرؤوس نحو الهيئة التي ظهرت للتوّ. وفي اللحظة نفسها تجمّد الجوّ، كأن الجليد تمدّد في كل زاوية من المكان.
تحرّك شخص واحد فقط، منتصبًا على الفور، ظهره مشدود وكتفاه مرفوعتان احترامًا.
تعلّقت أنظار رئيس القسم بالشخص البعيد، وزفر بارتياح واضح.
"أخيرًا وصلت، يا سيد النقابة."