الفصل 340: 71 [2]
حبست أنفاسي، محاولًا جاهدًا ألّا أصدر أدنى صوت.
لم أكن أعلم ما الذي يجري، لكنني أدركت أن عليّ أن أكون شديد الهدوء.
صرير!
أصدرت الأرض تحت قدميّ صريرًا، وبدأ قلبي يتسارع نبضه ببطء.
شعرت بأن الآثار الجانبية بدأت تتلاشى، وعادت مشاعري شيئًا فشيئًا، وبدأ الخوف وإشارات التحذير التي يرسلها جسدي تتضح في ذهني.
’تماسك… تماسك.’
"هوو… هوو…"
أجبرت نفسي على أخذ نفسين ضحلين، محاولًا إيقاف الارتجاف في صدري. شعرت بجفاف حلقي، والهواء حولي يزداد خفوتًا.
"…هم، نعم، أستطيع أن أجزم أن أحدًا كان هنا."
تابع الصوت همسه في الهواء، هذه المرة أقرب. وخز جلدي، فانحنيت بجسدي أكثر، محاولًا تقليص حضوري قدر المستطاع.
برودة الأرض تحت وجهي التصقت بخدي، وأرسلت قشعريرة خفيفة إلى مؤخرة أذنيّ.
’ما الذي يحدث بحق السماء؟ من هؤلاء الذين في الغرفة؟ وماذا عليّ أن أفعل إن وجدوني…؟’
بدأت شتى الأفكار تعصف بذهني. كنت أعلم أنني في العالم داخل المرآة، وأدركت كذلك أن هذا على الأرجح هو 'الطابق الثامن' الحقيقي. كان عليّ أن أجد إجابة ما.
على الأقل، كان عليّ أن أفهم ما الذي يرمز إليه الرقم '71' في الكتاب.
’نعم، لا بد أن هذا هو السبب في وجودي هنا.’
صرير!
تحرّك الصوت مجددًا. أقرب. انعقدت معدتي عقدة وأنا أضغط جسدي أكثر نحو الأرض الباردة، متمسكًا بالظلال.
في الوقت ذاته، بدأ أنفي يرتعش. كان الغبار على الأرض يثيرني، وأصابع قدمي بدأت تنقبض.
’لا… لا…’
"….."
فجأةً، خيّم الصمت.
حبست أنفاسي، محاولًا كتم عطاسي. تقلص أنفي أكثر، وإحساس بالدوار ملأ فتحتيه.
ارتفع صدري، وبدأت عيناي تدمعان.
عضضت على شفتيّ، محاولًا بكل قوتي أن أظل ثابتًا.
ثم—
زالت تلك الحاجة أخيرًا.
لم أشعر بالراحة مع ذلك، إذ ما زلت أحسّ بالحضور قريبًا مني. محاولًا التماسك، مددت يدي نحو هاتفي. كانت ترتجف وأنا أفتحه، وإبهامي يتعثر على الشاشة. شغّلت الكاميرا الأمامية ورفعتها ببطء، موجهًا إياها نحو الفتحة الضيقة فوقي.
بَـا… خفق! بَـا… خفق!
من دون وعي، خيّم ظلّ على مكاني.
الفجوة الضيقة أظهرت جزءًا صغيرًا فقط منه، لكنه كان كافيًا ليعقد معدتي عقدًا. كان طويلًا ونحيلًا. وحيث يجب أن تكون ملامح الوجه… لم يكن هناك شيء. فقط تجاويف جوفاء مكان العينين والفم.
ارتعشت يداي رغم محاولتي تثبيتهما، وأظافري غرست في كفّيّ بينما حُبس نفسي في حلقي.
شعرت بنظره يجتاح المكان الذي أختبئ فيه، باحثًا، كما لو كان يحاول التقاط أي أثر لي.
كنت قد توقفت عن التنفس منذ زمن، محاولًا إبقاء نبضاتي هادئة.
بدت اللحظة وكأنها دهر. ضغطت جسدي على الأرض قدر ما استطعت، مصغّرًا نفسي إلى الحد الأدنى. تابعت العيون مسح المكان حتى توقفت.
تحرك الرأس بعيدًا بعد لحظات، وسمعت الصرير الناعم للخطوة يتردد مجددًا.
تبع ذلك صمت ثقيل.
ورغم ذلك، بقيت متوترًا، ممسكًا بأنفاسي قدر استطاعتي.
’ليس بعد… ليس بعد.’
لم أكن أعلم ما هو ذلك الكائن، ولا إن كان لا يزال قريبًا، ومع هذا قررت أن أظل حذرًا بينما أنزلت رأسي لأنظر إلى الكاميرا المثبتة على جيبي الصدري.
هاه؟
عندها فقط أدركت أمرًا آخر.
’إنها مطفأة.’
ذلك المصباح الصغير الذي يشير إلى تشغيل الكاميرا كان مطفأً.
’…صحيح. هذا منطقي. أنا لست في 'العالم الحقيقي' حاليًا. من الطبيعي إذن أن الكاميرا لا تعمل.’
في تلك الحالة—
تغيّر الكثير.
لم أعد مضطرًا لأن أقيّد نفسي كما فعلت من قبل. ومع هذا الإدراك، بدأت أشعر بالارتخاء. تحرك الظل تحتي، وظهر مخلوق صغير.
’اذهب وتفقد المحيط. انظر إن كان هناك أحد.’
نظر إليّ السائر في الأحلام بهيئته المصغّرة. لم ينطق بكلمة، لكن نظرته قالت: ’ليس مجددًا…’
فركت أنفي.
لم أستطع أن ألومه إن مات. على الأقل يمكنني إحياؤه بعد موته. أما أنا، فلن أُمنح تلك الفرصة. إن متّ، انتهى كل شيء.
كان هذا في مصلحتنا معًا.
[المترجم: ساورون/sauron]
وكأنه فهم مقصدي، أومأ السائر في الأحلام قبل أن يتلاشى في الظلام. بقيت في مكاني، محاولًا التحلي بالصبر بينما الصمت يحيطني ويثقل صدري.
لم أدرِ كم مرّ من الوقت. ربما ثوانٍ قليلة، أو دقائق طويلة. كل ثانية بدت وكأنها تمتد إلى الأبد، وحين بدأ صبري ينفد، أحسست بشيء.
’…جيد. الطريق آمن.’
مع مرور الوقت، تحسّن اتصالي بالسائر في الأحلام. لقد بلغت مرحلة يمكنني فيها التواصل معه عن بُعد إلى حدٍّ ما.
حين شعرت بتلك الومضة المفاجئة في العُقدة داخل ذهني، علمت أن الوقت قد حان للتحرّك، فنهضت بهدوء، ماسحًا محيطي بنظري قبل أن أخرج أخيرًا من مخبئي متجهًا نحو مدخل غرفة التخزين.
’يبدو أن الممر الخارجي آمن أيضًا.’
دفعت الباب بخفة ودخلت ممرًا طويلًا. وما إن فعلت، حتى تجمدت في مكاني.
كما توقعت…
’هذا المكان بلا شك مختلف عمّا كان.’
أضاءت المصابيح في الأعلى، كاشفة السجادة الحمراء الناعمة أسفل قدمي، واصطفت اللوحات على جانبي الجدران. حدقت بحذر في محيطي، محاولًا التأكد مما إذا كانت الأشياء السابقة ما تزال هنا. لكن، وكأنها تبخرت في الهواء، بدا الممر فارغًا.
لم أشعر بالراحة، بل ازددت حذرًا وأنا أتابع السير.
’لقد سلكت هذا الطريق من قبل. كان مظلمًا، لكنني أعرف مكاني تقريبًا.’
خففت السجادة وقع خطواتي وأنا أتقدم، والصمت يزداد عمقًا كلما مررت بجانب اللوحات.
بَـا… خفق! بَـا… خفق!
دقّ قلبي بداخلي وأنا أواصل السير، كل خطوة كانت حذرة وخافتة.
’لا أشعر بشيء. لماذا هذا المكان خاوٍ إلى هذا الحد؟’
كلما ازداد الصمت، اشتدّ شعوري بالاختناق. كأن الجدران بدأت تضيق عليّ، تخنق أنفاسي ببطء.
واصلت طريقي حتى—
’يجب أن يكون هنا.’
توقفت أمام منطقة معينة، وضعت يدي على الجدار.
’كما توقعت. هذا مجوّف. مختلف عن بقية الجدران.’
على الجانب الآخر كانت الغرفة حيث سا—
عضضت على شفتيّ، محاولًا طرد مشاعري. متمسكًا بتلك الحالة الوحيدة التي أبقتني متزنًا.
لم أرد أن أفكر بما حدث لها. ليس بعد. لا أستطيع. ليس في وضعي هذا.
أخذت نفسين متتابعين وأنا أقبض على أسناني، ثم ألصقت أذني بالجدار. لم أعلم لمَ أفعل هذا، لكن بدا لي أنه القرار الصائب.
’تحرّك… ببطء.’
’واحد مِـ… فقد.’
’إنه… يجب… قريبًا.’
’استمع.’
"….!؟"
واتضح أنني كنت محقًا، إذ سمعت أصواتًا مكتومة من الجانب الآخر. لم أستطع تمييز الكلمات جيدًا، لكن كانت هناك أصوات عدة، همسات متداخلة وخطوات مسموعة. اهتزّ الجدار قليلًا.
هل… كانوا يرقصون؟
ألصقت أذني أكثر، محاولًا الإنصات لما يجري بالداخل بينما أراقب محيطي.
’…وجه…’
’تأكدوا… لا ترقصوا…’
’تضحية.’
تعالت الأصوات أكثر. استطعت تمييزها بوضوح هذه المرة. التصقت بالجدار أكثر، أرهف سمعي.
’يتحدثون عن نوع من الطقوس التضحية؟ نعم، الآن وقد فكرت في الأمر، هذا كان محور الفندق بأكمله منذ البداية.’
تذكرت كل ما حدث. من الرقصة الغريبة، إلى ذلك المخلوق عديم الوجه في الجداريات، والكلمات المريبة التي تفوّهوا بها.
هذا أشبه بطائفة…
’انتظر، طائفة؟’
تذكرت الرؤية التي رأيتها من قبل، ونظرت إلى إحدى اللوحات حيث برز رأس صغير منها.
’صحيح، لقد كانت في الرؤية.’
ميريل…
لقد جاءت إلى هنا من قبل. رأيت ذلك عبر العقدة الثالثة.
حينها فقط اتضح لي الكثير. هذا المكان كان…
دويّ!
"…..!؟"
تحطّم جانب الجدار، واندفعت يد من خلال الفتحة بجانبي، فتوقف قلبي عن الخفقان في لحظة.
ثم—
طلّ وجه بلا ملامح، ونظره الملتوي ينبثق من الشق موجّهًا انتباهه نحوي، جاثمًا على جسدي كالثلج.
"لقد وصلت التضحية الأخيرة. يمكننا الآن أن نبدأ الطقوس."