الفصل 321: اختبارات القسم [5]
""هذا… مـ… ماذا؟"
تجمّد عقلي عند رؤيتي للإشعار. لم أعرف كيف أتصرف، فقد أربكني تمامًا. كيف…؟ متى؟ لماذا…؟
"كـ… كيف يكون هذا ممكنًا؟"
لماذا تمت مطاردتي فجأة؟ ومن قِبَل مَن…؟
بَـ… دَمْب! بَـ… دَمْب!
تسارعت دقّات قلبي فجأة بلا سببٍ واضح. أصبح الهواء أثقل، كأنّه يخنقني، فيما لفح المكانَ بردٌ جليديّ.
لقد كان الكيان ذاته، يعلن من خلال تغيّر الجوّ نفسه أنّه قادمٌ نحوي.
’لابدّ أنّها مجرّد أوهامٍ في رأسي.’
ظننتُ ذلك.
لكن—
"همم."
لاحظتُ التغيّر المفاجئ في ملامح المايسترو وهو يمسح الغرفة بعينيه، فازداد الانقباض في صدري عمقًا. ثمّ ثبّت نظره عليّ، وانفرج فمه بخَرْقٍ بطيء، مُطلِقًا صوتًا يثقل الهواء بجديّةٍ غير مألوفة.
"أيّ حضورٍ شرّيرٍ هذا الذي استحثثتَه؟"
رفع المايسترو ذراعه كاشفًا كفَّه. وببطءٍ ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ متسلّية بينما كان نظره يثبت عليّ.
"…حتى أنا أشعرُ بالقشعريرة."
اختنق نفسي.
***
اشتدّت حدّة الأجواء داخل النقابة يومًا بعد يوم.
ولم يكن ذلك داخلها فحسب، بل في العالم الخارجي أيضًا.
فبصفتها نقابةً من درجة الملكة، كانت تحرّكاتها مرصودةً عن كثبٍ من قبل العالم أجمع، لا سيّما بعد البوّابة ذات الرتبة <s> الأخيرة، حيث نجا رئيس القسم وفريقه رغم كلّ الصعاب.
لم يرفع هذا الحدث من رأي العامّة فحسب، بل جعل النقابة على أعتاب بلوغ درجة الملك.
ومن الطبيعيّ أن تجذب اختبارات أقسامها اهتمامًا بالغًا.
هل ستكون جزيرتهم قادرةً على منافسة أولئك القادمين من الجزيرة الرئيسيّة في مؤتمر العالم؟
"اختبارات هذا العام ستكون مختلفةً كثيرًا عن المعتاد."
كان اجتماعٌ يُعقَد داخل النقابة. جميع أعضاء قسم الاحتواء جالسين أمام عرضٍ ضوئيٍّ ضخم، بينما كان رئيس القسم يشرح القواعد الجديدة للاختبارات.
"بما أنّنا نريد اختبار الأفضل في النقابة، قرّرنا أن نُغيّر النظام المعتاد. لن تكون هذه الاختبارات الفرديّة المعتادة التي نقيس فيها سرعة الفرق في القضاء على شذوذٍ محدّد."
لعبت ابتسامةٌ غامضةٌ على شفتي رئيس القسم وهو يتأمّل الوجوه الحاضرة.
أخيرًا ضغط على جهاز التحكّم. وميضٌ خافت، ثمّ انجلت الصورة. مبنىً ضخمٌ ارتفع أمام الجميع؛ نوافذه مظلمة، تغطيها الشقوق من كلّ جانب. بدا كأنّه فندق، لكنّ شيئًا فيه كان… خاطئًا. شيئًا جعل الهواء يبرد، والصمت يخيم على القاعة بثقلٍ غامض.
"ستُقام الاختبارات في الدنيء — 417، فندق كلير."
اتّسعت أعين الكثيرين عند هذا الإعلان.
ولئن لم يعرف الجميع سمعته كاملة، إلّا أنّ كثيرين من الحاضرين كانوا على درايةٍ بالفندق. فقد كان يُعَدّ من أكثر الشذوذات إرهاقًا في النقابة، إذ يحتضن كلّ طابقٍ فيه خطرًا مختلفًا وغير متوقَّع.
كان الفندق مؤلَّفًا من سبعة طوابق، ولم يتمكّن سوى عددٍ قليلٍ من الفرق من بلوغ الطابق السابع. ولم يسبق لأحدٍ أن اجتاز الطابق الأخير، المعروف على نحوٍ ينذر بالسوء باسم "بوّابات الجحيم".
ساد صمتٌ خانقٌ القاعة بينما واصل رئيس القسم كلامه.
"هدف الختبارات هو تسلّق الفندق. كلّما ارتقى فريقكم أكثر، كانت نتيجتكم أفضل. هناك حدٌّ معيّن، وأيّ فريقٍ يعجز عن المواصلة سيُزال بالقوّة. دون أيّ استثناء."
ضغط على جهاز التحكّم مجددًا، فظهرت عدّة صورٍ أمامهم.
توقّف لحظة، ثمّ رفع نظره إلى الجميع وقال:
"ضعوا في أذهانكم أنّ هذه الاختبارات ستُبَثّ إلى جميع أرجاء الجزيرة. سيكون من الأفضل لو لم يُطرَد أيٌّ منكم بالقوّة؛ فذلك لن يعكس صورةً حسنة عن فريقكم، ولا عن الرعاة المحتملين الذين قد تجذبهم النتائج."
كلُّ فريقٍ كان له راعٍ خاصٌّ به.
سواءٌ على مستوى الأفراد أو الفريق، كانت الأموال المقدَّمة تعتمد على كفاءة الفريق، إذ يحصل الفريق الأقوى على أعلى مبلغ.
ففي النهاية، لم يكن ثمّةُ وسيلةٌ أفضل للترويج للعلامة التجارية من خلال الاختبارات والمؤتمر العالمي.
"سأُطلعكم الآن على تفاصيل الشذوذ. سيُخصَّص لكلِّ فريقٍ 100,000 نقطة نقابة من أجل الاختبار. اختاروا عناصركم بعناية. وبالطبع، هذه مؤقتة ويجب إعادتها مباشرة بعد انتهاء الاختبار."
وبابتسامةٍ دهنيةٍ خبيثة، تابع رئيس القسم تفصيل الاختبار على الأعضاء، موضحًا ما يُنتظر منهم، والقواعد التي يتوجّب عليهم اتّباعها.
استمرّ هذا لأكثر من ساعةٍ كاملة قبل أن يُفرَج عن الجميع أخيرًا.
ومع مغادرة الآخرين تدريجيًا، بقي شخصٌ واحدٌ جالسًا. كانت نظرات سيث شاردةً، غارقةً في البُعد، ولم يُبدِ أيَّ ردِّ فعلٍ تجاه ما حوله.
إلى أن—
"قائد الفرقة؟"
ربّتت جوانا على كتفه، لتُخرجه من شروده.
وحين نظر إلى فريقه ورآهم جميعًا يرمقونه، عضّ سيث شفتَيه.
"حسنًا."
تذكّر كلَّ ما سمعه.
"جوانا، تولّي قيادة الفريق. استخدمي النقاط كما ترينَ مناسبًا، وضعي خطةً متينة للاختبارات القادمة. أُوكِل إليكِ هذا الآن."
"هاه؟"
لم تكن جوانا تتوقّع مثل هذا الطلب منه، فلم تعرف كيف تتصرّف. وكان بقية الفرقة بدورهم في حيرةٍ تامّة.
"انتظر، قائد الفرقة…"
"أتعنين أنّكِ لا تستطيعين ذلك؟"
"آه، لا… أنا—"
"إذًا، انتهى الأمر."
نهض سيث من مقعده، واضعًا يده على رأسه، محاولًا تهدئة صداعه.
"سأترك التخطيط كلَّه لكِ. إن احتجتِ شيئًا، أرسلي إليَّ رسالةً وسأرى ما يمكنني فعله. أنا أُؤمن بكِ."
ربّت سيث على كتف جوانا ومضى مبتعدًا، تاركًا إياها والفريق جامدين في أماكنهم، يحدّقون في ظهره المتواري.
ظلّوا كذلك لدقيقةٍ كاملة، إلى أن أخذت جوانا نفسًا عميقًا وقبضت يدها بصمت. لا غضبًا، بل حماسًا. فلأول مرة، يعتمد قائد الفرقة عليها.
هذا…
لا يمكنها أن تُفسده.
"حسنًا."
استدارت جوانا وقادت الفريق إلى مكانٍ آخر.
"لنذهب."
***
في اليوم التالي.
قبل يومٍ واحدٍ من الاختبارات.
لم أنم كثيرًا.
بعد أن علمت أنني مُطارَد، لم يغمض لي جفن. كلُّ صوتٍ صغيرٍ بدا غريبًا، وكلُّ ظلٍّ احتمالًا لتهديد، وكلُّ رائحةٍ تُذكّرني بالدم. كنتُ شاردًا تمامًا حتى إنني لم أُعِر اهتمامًا لأيّ شيءٍ يتعلّق بالاختبارات.
كنت أعلم أنّها ربما مجردُ وساوس، لكن حين استحضرتُ كلمات المايسترو، أدركتُ أنّ ما أواجهه لم يكن كيانًا عاديًا.
لكن لماذا…؟
لماذا أصبحتُ هدفًا فجأة؟
'هل يمكن أن يكون للأمر علاقةٌ بالعبادة؟'
عضضتُ شفتَي. بدا الأمر منطقيًا حين فكرتُ فيه: العبادة تعرف هويّتي. وكان صمتُها حتى الآن غريبًا. ربما لأنني كنتُ مختبئًا في مكتبي، لكن بعد كلِّ ما فعلتُه، لم يعد لصمتهم أيّ معنى.
'…أترى، هل بدأوا بالبحث عنّي أخيرًا؟'
ابتلعتُ ريقي بصعوبة، وعيناي ثابتتان على الطريق أمامي. كانت السيارات تنزلق على اليسار، والحشود تتحرّك كأنّ شيئًا لم يحدث.
الطريق إلى النقابة لم يكن بعيدًا.
قبضتُ على شرابي وحاولت التصرّف بشكلٍ طبيعي، لكن كلَّ حركةٍ شعرتُ أنها مراقَبة.
كأنّ عينين تتابعانني باستمرار.
تسارع نفسي، واشتدّت خطواتي. النقابة قريبة جدًا، بضعُ دقائق فقط وأصل إليها. فقط عليّ أن—
"….!؟"
يدٌ امتدّت فجأة من خلفي، فأوقفتني في مكاني.
تجمّد جسدي تمامًا، وأدرت رأسي ببطء.
انعكس في بصري زوجٌ من النظارات الشمسية. تلاشى الخوف الذي كان يعتصر قلبي لحظةً قبل ذلك، وانفتح فمي من تلقاء نفسه، "اعرض عليّ 10,000,000$ مضمونة، وسأنضمّ."
تجمّد الابتسام على وجه هيرميس.