الفصل 293: دورة الكمال [2]
أُسدل الستار.
فِش! فِش!
بدأت الأضواء تخبو.
وأعقب ذلك صمت متوتر ومزعج.
جلس الجميع في مقاعدهم، عيونهم مشدودة إلى المسرح. مستعدون لردّ الفعل في أية لحظة تجاه ما قد يطرأ من غير المتوقع.
البوابة…
لقد ارتقت رتبة.
في تلك اللحظة أدرك الجميع المعنى الكامن خلف هذا الكشف.
بلغ التوتر ذروته. سواء أكان رئيس القسم، هيرميس، أو رؤساء الأقسام في النقابات الأخرى.
الجميع كان متوتراً.
لكن…
المفاجأة لم تأتِ قط.
فما إن انقضى الصمت الذي أعقب ذلك، حتى انقشع السواد عن أعينهم، ليتبدل بنور ساطع إذ اغتسلوا بضوء الشمس.
"ما…"
"أ… أخرجنا؟"
"ما الذي حدث للتو…؟"
لم يدم الارتباك سوى بضع ثوانٍ.
كليك! كليك! كليك!
وفجأة غمرتهم الأضواء الساطعة إذ اندفع الصحافيون من كل صوب نحوهم.
"هل يمكنكم إخبارنا عن البوابة؟ ما عدد الخسائر؟"
"…ما الذي جرى؟ هل انتهت البوابة؟ أحقاً تمكنتم من اجتياز بوابة برتبة <s>؟"
"كيف تشعرون بعد خروجكم؟"
"إلى هنا! انظروا إلينا!"
كان المشهد فوضوياً. لم يكن ثمة أثر للنظام، والجميع كان مرهقاً بالكاد يثبت على قدميه، فلم يتمكنوا من التفاعل في الوقت المناسب.
لحسن الحظ، كان المكتب قد توقع مثل هذا الموقف.
فما إن بدأ الهرج حتى ظهر رجال ببدلات سوداء. أسرعوا في إبعاد الصحافيين وفتحوا ممراً للأعضاء كي يغادروا.
"هيه! انتظروا—!"
"لا تدفعوا!"
"لا يزال لدي سؤال! سؤال واحد فقط!"
"هل سترتفع مكانة الجزيرة بعدما نجحوا في اجتياز بوابة من الرتبة <s> من دون عون الجزيرة الرئيسية(المركزية)؟ أهناك حقاً فرق بين الاثنتين؟"
أثار سؤال مفاجئ تردداً في الخطى.
غير أنه قبل أن يتسنى لهم الجواب، دفعوا إلى الأمام.
وفي النهاية، ركب كل فريق من النقابات حافلته الخاصة، التي اندفعت مسرعة وسط الحشد. وفي الوقت نفسه، جرى نقل من احتاجوا رعاية طبية بسرعة أكبر إلى النقابة عبر مركبات خاصة.
كان هناك كثير من الجرحى، بعضهم إصاباته أشد من الآخرين، فيما كان عدد القتلى كبيراً كذلك. وقد جرى بثّ كل شيء مباشرة للعالم، فكان معظم الناس على علم بالخسائر.
وكان مؤسفاً أن كثيراً من الجثث لم يُستطَع استعادتها.
"….."
خيّم صمت مكثف على الحافلة، والجميع جالس في وجوم.
جلس رئيس القسم في المقدمة، شعره مبتل بعرق غزير وملامحه متشابكة التعابير.
ألقى نظرة على الشظايا في يده. كانت شفافة تماماً، وبمجرد النظرة أدرك أن نقاءها بالغ الارتفاع. لعلها الأنقى التي رآها في حياته قط.
لكن لم يكن هذا كل شيء.
في يده الأخرى، أمسك بزجاجة بلورية صغيرة. بداخلها سائل نقي.
’الجوهر.’
وكانت الكمية وفيرة جداً.
إلى جانب الشظايا، منحتهم البوابة شيئاً آخر. إنه الجوهر. سائل نقي للغاية لا يوجد إلا في البوابات من الرتبة <c> فما فوق، وهو الوسيلة الوحيدة لتطوير عُقدة متقدمة.
وبدون الجوهر، يستحيل عملياً التقدم إلى الرتبة الخامسة.
ولهذا ظل معظم الناس عالقين في الرتبة الخامسة. إذ إن جمع الجوهر يتطلب معدلات عالية في اجتياز البوابات، مع الحصول على الجوهر المناسب.
تماماً كما هو الحال مع الشظايا، كان للجوهر صفات.
نظر رئيس القسم إلى الجوهر في يده، وإذ لاحظ خلوه من اللون، عقد حاجبيه. كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها شيئاً كهذا.
’لعل السبب أنه نقي للغاية. سأفحص صفته لاحقاً.’
وبكل صراحة، كان مرهقاً.
شعر بجفونه توشك أن تنغلق.
لكن رغم كل ذلك، حافظ على رباطة جأشه وهو يلتفت خلفه. الجميع كان قد غاب عن وعيه تقريباً. توقفت نظرته لبرهة عند كلارا قبل أن يهز رأسه.
لقد كان خطأً أن يجلبها معه.
فعلى الرغم من عظمتها المعتادة، إلا أنها اليوم لم تكن سوى عبء أكثر من أي شيء آخر.
بالطبع، كان ذلك نتيجةً للوضع المؤسف.
لكن… حين نظر إليها، أدرك رئيس القسم أنها بحاجة إلى إجازة طويلة قبل أن تعود من جديد.
لقد تفاقم جرحها النفسي.
"…هم؟"
فجأة، توقفت الحافلة بشكل مفاجئ.
رفع رئيس القسم رأسه ونظر نحو يمينه. استقبل بصره بيت صغير بين الخضرة، فهبط قلبه.
’لقد حان الوقت، فيما يبدو.’
وقف بهدوء من مقعده مع انفتاح أبواب الحافلة.
ومن دون أن يوقظ الآخرين، مضى بخطواته نحو المنزل وهو يصلح ثيابه.
وأخيراً، ضغط زر الجرس، فظهرت امرأة بعد لحظات قليلة.
كان وجهها محمراً، وزينتها قد تلطخت تماماً على ملامحها.
خفض رئيس القسم رأسه.
"أنا آسف. حاولت بكل جهدي، لكن في النهاية لم أكن كفؤاً بما يكفي لإنقاذ ابنك. لكِ أصدق اعتذاري."
في هذا العمل، كان لابد من التحلي باللامبالاة.
إذ لا ينبغي لأحد أن يتعلق بأي إنسان، فما من أحد آمن من الموت في أي لحظة.
لكن كرئيس قسم، كان هذا أقل ما يمكن أن يفعله.
حتى وإن لم يشعر هو نفسه بشيء.
***
"كُح…! كُح!"
كنت محطماً. عقلي يغلي بشيء غامض فيما أصابعي ترتجف. بدا وكأن أمامي أكثر من يدين اثنتين، ولم أعد أستطيع التمييز أيها يدي الحقيقية.
لا، لكن لم يَعُد ذلك مهماً…
’أ… أنا… فعلتها.’
لقد تمكنت بطريقة ما من اجتياز المحاكمة.
شعرت بإرهاق شديد، لكن في الوقت ذاته براحة هائلة. كان هذا أحد أثقال الذهن التي رافقتني منذ أن وعيت.
كل يوم، كنت أشعر بالضغط والرهبة من المهمة التي ترزح فوق صدري.
لكن الآن…؟
انتهى الأمر.
أخيراً انتهيت.
"هممم."
تأوهت، وضاق بصري وأنا أترنح برأسي إلى الأمام.
كنت مستنزفاً تماماً، بالكاد أحافظ على وعيي من الانطفاء. كان لا يزال هناك ما يجب أن أفعله، وبينما يهوي رأسي مرة أخرى، دوى صوت في الخلفية.
"…ذلك كان مبهراً."
تجمدت حين سمعت الصوت.
لكن سرعان ما استدرت، فوقعت عيناي على المايسترو البعيد.
كان واقفاً تحت أضواء المسرح، محدقاً إليّ. لم أستطع أن أتبين مشاعره، لكنني كنت واثقاً أن مدحه كان حقيقياً.
ابتسمت تحت القناع.
"لقد… بذلت قصارى جهدي."
"لقد كان جيداً."
لم يبخل المايسترو بالثناء. في هذه اللحظة بالذات، لم يكن هو ذلك الكيان المرعب الغريب الذي عرفته.
لا، لقد كان شيئاً آخر.
لقد كان…
فناناً.
الصورة البشرية لذاته، المنغمسة في عشق الموسيقى.
كنت فضولياً لأعرف كيف انتهى به الحال شذوذاً، لكنني لم أستطع أن أُشكل أفكاراً واضحة. استمرت جفوني بالانحدار بينما التقطت أنفاسي المضطربة.
وفي النهاية، أطبقت جفوني وغمرني الظلام.
"تهانينا."
لكن قبل أن أغيب كلياً، بلغ مسامعي صوت المايسترو مرة أخرى.
"لقد فزتَ بالرهان. روحي الآن لك."