الفصل 262: حلقة [4]
"يوجد داخل المصنع المهجور أحد عشر شخصًا، سبعةٌ منهم ينتمون إلى الفريق الأصلي، وأربعةٌ إلى فريقٍ إضافيٍ أُرسِل لإنقاذهم."
قلّبت بين كلّ المعلومات التي تمكنت من جمعها من الكشّاف. وبفضل البوصلة، كنت أستطيع العثور عليه في كل مرة أغادر فيها.
’على الرغم من أنّه مذكور أنّ هناك احتمالًا أن أُقاد في الاتجاه الخاطئ، إلا أنّ كل شيء جرى على ما يرام حتى الآن.’
أسندت ظهري إلى الكرسي، وأرحت القناع إلى جانبي.
كنت مرهقًا حقًا. جسدي ما زال يعمل، لكن الإرهاق لم يكن جسديًا… بل كان ذهنيًا.
وعلى الرغم من أنّي لم أصادف القاتل المتسلسل مرة أخرى بعد، إلا أنّ أعصابي كانت تشدّ في كل مرة أغادر فيها باب المكتب، حتى كادت تخنقني. لم يكن خوفًا عابرًا يأتي ويزول، بل بقي عالقًا في صدري، مترصّدًا لينفجر عند أول إشارة خطر.
ولم يكن القاتل المتسلسل الشخص الوحيد الذي ينبغي أن أقلق بشأنه. في الواقع، كلما قضيت وقتًا أطول هنا، ازدادت قتامة الوضع.
كان هذا السيناريو بالغ الصعوبة.
"حتى الآن، مما استطعت معرفته، فإن خمسةً من بين الكشّافين الموجودين هم من المحكومين بالإعدام. وقد ضلّ بعضهم الطريق وبدأوا بقتل الآخرين، لكن لا أحد يعلم من هم."
مررت بأصابعي على أسفل ذقني، ولحاي المتناثرة تخدش أطراف أصابعي.
أحتاج حقًا إلى الحلاقة قليلًا…
"ليس لديهم أي وسيلة للتواصل مع بعضهم، ويبدو أنّ الطرق تتغير باستمرار مع كل إعادة بالنسبة لهم."
توقفت عند هذه النقطة الأخيرة. كان هذا هو الأمر الغريب.
مساراتهم تتغير كل مرة، لكن مما فهمته، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لي.
فالطريق ظل ثابتًا في كل مرة.
"أهو لأنني دخلت عبر طريقة مختلفة، أم هناك سبب آخر؟"
ظللت جالسًا في مكاني، مزمجرًا بحاجبيّ وأنا أتأمل الوضع. كان المكتب، المضاءة عتمته بضوءٍ خافتٍ من المصابيح العلوية، ساكنًا إلا من خفق عقارب الساعة على الحائط. الغبار يطفو في الهواء، يظهر بخفة في شعاع الضوء. الكرسي يئن بصوتٍ خفيف كلما حرّكت وزني، وكل صوت كان يتضخم في ذهني.
ثم—
طرق… طرق—
طرق الباب.
ضغطت كفّي على مسندي الكرسي وهممت بالنهوض، لكني توقفت فجأة.
خطر لي خاطر مفاجئ.
"انتظر…"
حدّقت في الباب. بدلًا من المغادرة كما اعتدت في السابق، بقيت في مكاني وجلست مجددًا.
كنت في كل مرة أغادر حين يطرق أحدهم الباب. لكن هذه المرة، ظللت ساكنًا.
لماذا يطرق أحدهم الباب؟ ومن الذي يطرق؟
’مما سمعت، الجميع ظهر في أماكن مختلفة كليًا. وأنا وحدي في هذا المكتب.’
هل كان هناك سبب لهذا الطرق؟
ظللت أحدق في الباب، بينما ابتلع الصمت ما حولي.
تيك… تيك—
الساعة تدق.
واصلت الانتظار.
ومضت دقيقة على هذا الحال.
لم يحدث شيء. الباب ظل مغلقًا، والزمن يجري كعادته.
الحلقة لم تنكسر بعد.
’على الأقل حتى الآن، يبدو أنّ الجميع لا يزالون أحياء.’
كانت كل حلقة مختلفة عن الأخرى، لذا لم أُعنَ أبدًا بتسجيل الوقت الذي تبدأ فيه من جديد. كنت فقط فضوليًا بشأن ما سيحدث للغرفة إن بقيت فيها.
حتى الآن، لا شيء…
"ربما أنا آمن تمامًا في هذه الغرفـ—"
كلانك—!
اندفع مقبض الباب إلى الأسفل فجأة، وتغيّرت ملامحي. قبضت بشدة على جانبي الكرسي، الجلد البالي يغور في راحتي، وأنا أحدّق بالباب دون أن أرمش.
كلانك، كلانك!
تحرك المقبض مرتين أخريين، وكل محاولة كانت أقوى من سابقتها. ابتلعت ريقي بهدوء، بالكاد متجرئًا على التنفس.
كلاااانك—!
دوى الصوت في المكتب، يهز صدري. بدا وكأنّ أحدًا، أو شيئًا، يحاول اقتحام المكان عنوة.
كلانك!
تكررت المحاولة مجددًا، أبطأ هذه المرة، يمتد صداها كأظافر تحكّ عمودي الفقري.
بقيت في مكاني، جامدًا، حتى انقطع الضجيج فجأة.
صمت.
شعرت بأن الضغط في الغرفة أثقل من ذي قبل.
ببطءٍ وحذر، نهضت من مقعدي، أحرص على أن لا يئن الكرسي تحت وزني. عيناي لم تفارقا الباب.
تزحلقت إلى الأمام خطوة بخطوة، أنفاسي ضحلة، حتى وصلت إلى مدى المقبض. لم أتجرأ على لمسه.
وفور أن بدأت أقترب، توقّف المقبض عن الحركة. عاد الصمت يطوقني من كل الجهات.
حبست أنفاسي، ضيّقت عينيّ، أحدّق في المقبض كما لو أنّ نظراتي وحدها قد توقفه عن الاهتزاز.
’هل انتهى الأمر…؟’
لم أصدق ذلك لحظة واحدة.
واصلت الانتظار، كل عضلة في جسدي مشدودة كوتر.
دوووم!
ارتجف الباب في إطاره مع الصدمة المفاجئة. قفز قلبي من مكانه.
دووم!
ارتطم الباب ثانية، بقوةٍ أشد من قبل، حتى اهتز الإطار بأسره.
’تبًّا!’
تراجعت متعثرًا نحو المكتب، يدي تتحسس سطحه حتى لامست السكين. قبضت عليها بشدة، فيما امتدت يدي الأخرى نحو القناع.
ارتديت القناع على عجل.
دووم، دووم—!
كان الباب يتقوس مع كل ضربة، الخشب يئن تحت الضغط. رأيت أنّ الأمر لن يطول قبل أن يتحطم.
انتظرت.
’ليس بعد. ليس بعد.’
دووم!
انتظرت الحركة التالية.
ثم—
فششش!
فتحت الباب فجأة وهويت بالسكين.
"آخ—!"
تراجع جسد إلى الوراء، قابضًا على ذراعه حيث خدشته. بان وجهه، شاحبًا، مبللًا بالخوف.
تجمدت عند رؤيته.
وكذلك هو، إذ ارتعش جسده كله.
"لـ… لا… مستحيل."
نظر إليّ برعب، كأنني قد مزقت آخر خيط من أمله. شفتاه ارتجفتا وكأن الكلمات انتُزعت منه قسرًا. رأيت الذعر المحض في عينيه وهو يحدق بي.
أردت أن أنطق، لكن قبل أن تتاح لي الفرصة…
خطوة—
جاء الصوت من ما وراء الضوء المتسرب من المكتب.
هبط قلبي.
رفعت رأسي ببطء، ناظري ينجران نحو الظلال.
هناك، عند حافة الظلام، وقف جسد يراقب بصمت.
تجمدت أطرافي.
كان يحدق مباشرة نحوي.
خطوة—
خطا خطوة إلى الأمام، صداها يتردد في الأرجاء.
ومن بين الشعاع الرفيع المتسلل من فرجة الباب، برز الجسد. حضوره صامت، لكن خانق. النور الباهت يلتصق بالقناع الأبيض على وجهه، جاعلاً تجاويف عينيه الفارغة أكثر ظلمة…
كأنها حفر تبتلع كل ما تمسه.
بم… خفق! بم… خفق!
أحسست بدقات قلبي تقرع في عقلي كالطبل.
"لـ… لا… لا… يا للهول."
وكأن الكشّاف أمامي أدرك وجود القاتل المتسلسل خلفه مباشرة، فاندفع في هستيريا، وجهه يخلو من أي دماء.
"كنت… أظن أنّي وجدتها. أَلَا… سبيل للخروج؟ كيف يكون هذا ممكنًا…؟ لا، لا، لا، لا…"
تشبّث برأسه، وقد فقد عقله تمامًا.
لا، لقد فقد صوابه بالفعل.
رأيت ذلك في عينيه؛ نظرات غائمة مشوشة. آخر بقايا العقل قد تلاشت.
"مستحيل. هذه البوابة مستحيلة…"
عضضت على أسناني، محوّلًا بصري بعيدًا عنه.
كانت مجرد ثانية. لحظة قصيرة قضيتها أنظر إليه. ومع ذلك، حين أعدت نظري نحو الرجل المقنع، وجدته قد اختفى كليًا.
’هاه…؟! متى!؟’
انفصل ظل عن العتمة، وقبل أن أستوعب، كان جسد ينتصب أمامي مباشرة.
"….!؟"
قبضتان باردتان طبقتا على عنقي، تضغطان بقوة مروعة، وانتُزع الهواء من رئتي. التوى جسدي، لكن القبضة ازدادت إحكامًا، تخنقني تمامًا.
في تلك اللحظة، لم أستطع سوى التحديق في تلك العيون الجوفاء وراء القناع.
ذلك النظر البارد… الفارغ.
ثم—
كرااك—
سمعت صرير العظام وهي تتحطم.
غشى الظلام محيطي.
ووجدت نفسي عائدًا إلى المكتب.
كلانك!
قفزت من مقعدي، الألم ما يزال متشبثًا بعنقي.
"هااا… هااا…"
قابضًا على عنقي، لهثت بأنفاس ثقيلة، والعرق يتصبب على وجهي. ترنحت حول المكتب، وانتزعت القناع، أتنفس بعمق أشد، حتى هدأت رويدًا رويدًا، وأطلقت لعقلي العنان ليتتبع ما حدث. ما زالت هناك أمور غير منطقية، لكن كثيرًا من الأمور بدأت تتضح لي.
وعلى الرغم من أنني لم أكن واثقًا كل الثقة، فقد اتضحت لي فكرة غامضة عن الحقيقة.
هذا المكان.
هذا المكتب…
"إنه المخرج."
نعم، مفتاح هذه الحلقة هو مكتبي.