الفصل 261: حلقة [3]
"….."
جلست صامتًا وأنا أعيد ببطء شريط الأحداث في ذهني.
أحسست بمقاومة السكين الخفية وهي تنغرس في صدر القاتل، واستحضرت دفء الدماء التي تطايرت على وجهي… فبقيت صامتًا.
أنا…
لقد قتلتُ إنسانًا.
هذا الأمر صار جليًّا لي.
لم يكن القاتل المتسلسل في السيناريو، بل شخصًا حقيقيًا.
وإن كان قد عاد إلى الحياة من جديد، فلن يغيّر ذلك حقيقة أنّي قد قتلته فعلًا.
"….."
ومع ذلك—
عدا عن الصدمة الأولى لذلك الإدراك، لم أشعر بالكثير.
’هل لأنني شهدتُ أمورًا تفوق الوصف…؟ أم أنّ الأمر لشيء آخر؟ نعم، لقد حاول قتلي هو أيضًا. كنت فقط أدافع عن نفسي.’
كنت أتوقع أن أشعر بما هو أعظم، غير أنّي كنت أكثر لامبالاة مما توقعت في البدء.
"…ربما لأنهم لا يموتون حقًا، ولكن حتى لو ماتوا حقيقة، أشك أنني سأشعر بالكثير."
لم أدرِ كيف أتعامل مع ذلك. صرت أعي أكثر فأكثر التغيّرات التي تطرأ على جسدي.
لم يكن الأمر مجرّد لحظات أفقد فيها مشاعري أحيانًا، بل إنّ اللامبالاة بدأت تتسلّل إلى نواحي عديدة من حياتي.
هل كان ذلك بسبب العقدة في رأسي؟
غطّيت فمي بكفّي.
’ينبغي لي حقًا أن أجد وسيلة لشفاء كسري. إن استمرّ الأمر هكذا، لا أعلم إلى ماذا سيتحوّل كياني.’
كان الكسر أمرًا، لكن الشظية الإدراكية كانت أيضًا مشكلة جسيمة. إن كان أحدهما يغيّرني ببطء، فإنّ الآخر يفتك بي تمامًا.
"مهما يكن، فليس هذا أمرًا سيئًا الآن."
هذا الباب كان واحدًا من تلك التي يُختبر فيها العقل أقصى اختبار. بابٌ يحطّم عقول كل من يدخله.
تلك اللامبالاة…
لم تكن بالضرورة شيئًا سيئًا.
بل لعلها الأفضل، فقد شعرت أنّها ضرورة لأجل اجتياز هذا الباب.
نهضتُ من مقعدي وأخرجت البوصلة بينما أحدّق في المصباح أمامي.
’إن لم تضلّني البوصلة في المرة السابقة، فباتّباعي ذات الطريق من جديد أستطيع البحث عن المخرج. وعلى الأرجح سيكون ثمة من ينتظرني هناك.’
سواء أكان 'القاتل' من قبل أم القاتل المتسلسل الحقيقي، لم أكن واثقًا، غير أنّ عليّ بطريقة ما أن أصل إلى المكان قبل أن يموت أحد.
"ذلك أيسر قولًا من فعله."
فكل دورة كانت تختلف قليلًا عن الأخرى. لم يكن لديّ وقت محدد لموت أحدهم. بل لم أكن أعلم حتى عدد الموجودين.
هذا الوضع برمّته…
كان معقدًا إلى حد يفوق الوصف. لحلّ هذا السيناريو، كان عليّ أن أجد كل من هم هنا وأتأكد ألّا يموت منهم أحد. فبموت أي منهم، يعود السيناريو من بدايته. لم يكن يُسمح بموت أحد.
"….."
شعرت بصداع لمجرّد التفكير في ذلك.
’يمكنني أن أتجول وأسأل، لكن هل سيجيبون أصلًا؟ أستطيع أن أظهر بشكلي الحقيقي، لكن بما أنهم كشافون من المكتب، أفضل أن أتجنب ذلك. في تلك الحال…؟’
توقفت لحظة وحدّقت في القناع فوق المكتب.
حدّق القناع فيّ بدوره بينما أغمضت عينيّ ببطء لأستشعر حالتي الذهنية.
"…هل لا خيار لي سوى التجول متظاهرًا بأنني شذوذ آخر؟"
تنهدت، وقد اشتد صداع رأسي أكثر. لكنني في الوقت ذاته أيقنت أنّ هذا ما يجب أن أفعله. كي أتجاوز هذا السيناريو، وجب عليّ أن أصير 'شذوذًا' بحق.
’مجرد أن أتظاهر بشذوذ آخر وأرعبهم حتى يكشفوا لي كل شيء.’
لم أكن أعلم إن كان هذا الحل الأمثل، لكنه يستحق المحاولة.
وهكذا—
أمسكت بالمصباح، واتجهت نحو الباب، محاولًا ما استطعت تبديد الخوف الذي ينهشني.
’لا تخف. لا تخف. لا تخف.’
طق طق—
دوّى الطرق، فبلغتُ الباب قبل أن أتوقف. وفي النهاية، وضعت القناع على وجهي وفتحت الباب.
كراااااك!
’فلأنجز هذا قبل أن يمضي وقت طويل.’
***
"هذا مستحيل. هذا مستحيل. هذا مستحيل…"
انكمش مورلاند في الزاوية، قابضًا رأسه، ووجهه شاحب خاوي، بينما ذكريات الدورات السابقة تغمره من جديد.
’لم يكن من المفترض أن يكون الأمر هكذا. كان من المفترض أن يكون هناك شذوذ واحد فقط. من أين جاء آخر؟!’
احتضن الظلامُ مورلاند من كل الجهات. كافح ليبقي رأسه ثابتًا فيما بدأ اليأس يتسلّل إلى عقله.
بدا الموقف بالفعل وكأنه مستحيل الحل، ومع ذلك ازداد سوءًا على نحوٍ ما.
كان يتوق بشدّة إلى إبلاغ المكتب عمّا يجري، غير أنّ البوابة أصابها خلل. لم يستطع أن يجد طريق الخروج إطلاقًا. ولا أيّ من الأدوات كان يعمل.
كان يعلم أنّ المكتب قد أرسل بعض الأشخاص للتفقد، لكن على الأرجح قد واجهوا المشكلة نفسها.
’عليّ فقط أن أصمد حتى تصل النقابات. فقط أصمد حتى ذلك الحين. فقط—’
خطوة
"…..!؟"
شقّ صوتُ الخطوة المفاجئ أفكارَ مورلاند، فشحب وجهه إذ قبض عليه الذعر. تجمّد في مكانه، حابسًا أنفاسه، ملتصقًا بالآلات، واضعًا يده المرتجفة على فمه، في محاولة يائسة ليبقى مختفيًا.
لكن—
خطوة
وكأنها كانت تدرك مكانه، اقتربت الخطوة أكثر فأكثر.
تصلّب جسد مورلاند بأسره.
خطوة. خطوتان.
ثلاث خطوات.
اقتربت الخطوات أكثر فأكثر، وتعابير مورلاند تزداد يأسًا.
حتى—
صمت.
خيم السكون على الأرجاء، وتوقفت الخطوات.
مرّت دقيقة كاملة وهو يحاول أن يبقي أنفاسه متوازنة.
’هل انتهى؟ هل ابتعد…؟ هل—!؟’
فجأة، انبعث ضوءٌ أزرق أمام مورلاند، فارتسمت على وجهه صدمة مذعورة إذ تجسّد قناع أبيض، تدقّ أجراسه الصغيرة في رنينٍ مروّع مع حركة المهرّج.
قفز قلب مورلاند من صدره محاولًا أن يتفاعل، غير أنّ ظلًا مظلمًا انقضّ خلفه وثبّت جسده.
"——!"
لم يستطع مورلاند التحرّك مطلقًا، ووجهه يزداد شحوبًا، وقطرات العرق تتصبّب على جانب وجهه.
ببطء، مدّ المهرّج المصباح إلى الأمام حتى التقت عيناهما.
وأخيرًا…
"كم عددهم؟"
اخترق الهواء صوتٌ باردٌ مبحوح صدر عن المهرّج. وما إن سمعه مورلاند حتى شعر وكأنّه يُسحب إلى أعماق المحيط، أصابع جليدية تطبق على جسده من كل جهة، تخنقه.
فتح فمه، لكنه كان عاجزًا عن التنفس.
صحيح أنّه كان كشافًا، لكن وظيفته لم تتجاوز الاستكشاف والهرب عند أول إشارة خطر!
ومع تعطل جميع أدواته، لم يكن يختلف عن شخص عادي. ولهذا لم يستطع إخفاء خوفه مطلقًا.
"كم عددهم…؟"
رنّ صوت المهرّج ثانية، فغرق مورلاند في رعب خانق أعمق.
لكنّه هذه المرة لم يُغشَ عليه. وهو يحدّق في المهرّج، وقناعه يتلألأ نصفه بضوء المصباح الباهت، ابتلع مورلاند ريقه.
كم عدد…؟
كم عدد ماذا؟؟
تخبّط عقله في محاولة لفهم الموقف، متعثرًا في استيعاب مطلب المهرّج. وقبل أن يتمكن من استيعابه، نطق المهرّج مجددًا.
"كم عدد الأشخاص هنا؟"
عند سماع السؤال، تجمّد مورلاند إذ استوعب أخيرًا المقصود. كم عدد الأشخاص؟ يريد أن يعرف عدد الأشخاص؟
لماذا؟ لأي سبب…؟
فتح فمه محاولًا الكلام، لكنه عجز عن النطق. وفي النهاية، هز رأسه.
لم يكن يعلم.
…ولم يكن ينوي أن يُفصح.
لماذا يتحدث فجأة إلى شذوذ؟
"….."
حدّق فيه المهرّج صامتًا، ثم تراجع خطوة.
رمش مورلاند بعينيه من الدهشة. هل سيتركه هكذا؟
لكن لماذا؟ لماذا الـ—
شخـب—!
"أوكه!!"
شعر ببرودة تخترق صدره، فنظر إلى الأسفل برعب، محدقًا في اليد التي اخترقت جسده.
تحرّفت ملامح مورلاند في تلك اللحظة، وقبل أن يبتلع الظلام رؤيته، سمع صوت المهرّج يتردّد في أذنيه ثانية.
"سأجدك مجددًا. وأتوقّع إجابة مناسبة."
تلاشى بصره بعدها بقليل.
أُعيد الزمن.
…ووجد مورلاند نفسه واقفًا في نفس الموضع الذي ظهر فيه مئات المرات من قبل.
"هاه… هاه…"
ارتفع صدره وهبط مع كل نفس متقطع، بينما قبضت يده على صدره، والألم العالق يلسع ذاكرته. كانت قطرات العرق تتدفق على وجهه، وصورة المهرّج تعاود الظهور في ذهنه مرارًا.
’لا، لا. عليّ أن أختبئ. يجب أن أختبئ حتى تصل النقابات.’
ترنّح مورلاند عبر المصنع المهجور، عيناه تتنقلان بين آلات محطمة، وأحزمة صدئة، وزوايا غارقة في الظل. كل صرير يصدر من الأرض تحت قدميه كان يجعله يرتجف. ألصق جسده بالجدران، منزلقًا خلف رُزم الصناديق، باحثًا عن مخبأ يقيه من نظرات المهرّج.
"هنا."
اندسّ في فجوة ضيقة بين آلتين شاهقتين، فابتلعته الظُلمة بالكامل تقريبًا. ولما سمح لنفسه بلحظة وجيزة من الارتياح—
خطوة
دوّى وقع الخطوة عاليًا في فضاء المصنع الكهفي.
تجمّد جسده، وكل عصب يصرخ.
’لا، لا، لا، لا، لا…’
بدت الظلال من حوله تتمدد، تضغط عليه وكأنها حيّة، ورائحة الصدأ المعدنية اختلطت بذعره.
وسرعان ما—
ظهر ضوء أزرق باهت، وتجسّد المهرّج.
"…وجدتك."
"هاااااااك—!"
تمزّق صراخٌ عبر الأرجاء.