الفصل 248: تهيئة المسرح [2]
لم يكن بالإمكان أن يبدأ اليوم أسوأ مما بدأ.
ذلك الصداع الفادح الذي أثخن رأسي بفعل أثر الخمر، ناهيك عن أنّ فريقي بأسره ظنّ أنني قد تجرّعت مرارة الهجر.
يا لسخف ذلك!
’سأجعلهم يعملون حتى العظم إن كان آخر ما أفعله.’
نقرتُ بلساني بضيق قبل أن أستند إلى ظهر الكرسي، محدّقًا في تقرير الأداء أمامي. الجميع هنا كان قد اطّلع عليه، وكل العيون ارتفعت نحوي مترقّبة كلمتي.
"هل ثمّة حاجة لأن أقول شيئًا…؟"
ساد الصمت.
…أو بالأحرى، كان الجميع غارقًا في الخجل حتى لا ينبس بكلمة.
جُلت بناظري في القاعة، فكّرت أن أعلّق بشيء، ثم عدلت. لم يكن ثَمَّ داعٍ.
كل من هنا كان يدرك مكمن الخطأ.
لم تكن هناك حاجة لكلامي.
’بوجه من الوجوه، كانت هذه التجربة حسنة. من هذه اللحظة، لا أظنّهم سيعارضون قراراتي كثيرًا. بل على الأقل، سيولون رأيي قدرًا أكبر من الاعتبار.’
شعرت أن نظراتهم إليّ قد تبدّلت عمّا كانت عليه.
لقد أثبتّ لهم شيئًا من قدرتي.
وذلك جعلني أتوتر قليلًا.
صحيح أنني اجتزت هذه البوابة دون عناء يُذكر، لكن الحقيقة أنّ الخوف ما زال يعتريني من كل أمر مرعب، غير أنّ احتمالي له زاد عمّا مضى.
أما لو زُجَّ بي في سيناريو ذي رتبة أعلى، فلن أشك لحظة أنني سأتلوّث من شدّة الفزع.
’ويقلقني أيضًا أنّ البوابات تعلو رتبتها كلما ولجتها. ما الذي سيظنّونه إن اكتشفوا أن كل بوابة أدخلها ترتفع رتبتها؟’
ذلك لن يكون أبدًا أمرًا حسنًا.
آخ…
صداعي ازداد إيلامًا.
’لا، دعني أولًا أنجز ما بين يدي من عمل.’
قلبت تقرير الأداء أمامي إلى الصفحة التالية، فإذا بي أجد قسمًا فارغًا. لم تكن مهمّة قائد الفرقة محصورة في قيادة المجنّدين عبر البوابة ومساعدتهم على اجتيازها.
كلا، بل عليه أيضًا تلك المسؤولية الثقيلة في تدوين الأخطاء، وما كان ينبغي أن يُفعل، وما كان يمكن تحسينه… وهكذا.
’…كأنني عدت إلى أيام الثانوية.’
تناولت القلم، وشرعت أسطر كل شيء على الورق.
ظننتها مهمة يسيرة في البدء، غير أنّ المشاكل التي تكشّفت لي فاقت ما توقعت، حتى غصّت الصفحة ثم استدعيت أوراقًا إضافية.
وبينما فرغت، كان وقت الغداء قد حلّ، رفعت رأسي فإذا بالمكتب خالٍ.
لا… ليس تمامًا.
"ألن تتناول طعامك؟"
كان نيل ما يزال هناك، جالسًا في مقصورته، عيناه معلقتان بالشاشة. توقّف لحظة، ثم التفت إليّ.
عدّل نظارته.
"…إنني أتّبع الصيام المتقطّع. آكل متأخرًا عن الآخرين."
"الصيام المتقطّع؟"
ما هذا بحق السماء؟
"ألا تعرفه؟"
أمال نيل رأسه قليلًا، ثم رفع نظارته بأصبعه، وهي عادة يبدو أنه مولع بها.
"الصيام المتقطّع طريقة حمية تقوم على تناول الطعام في نافذة زمنية محدّدة من كل يوم. وفي تلك النافذة يمكنك أن تأكل ما تشاء ما دمت في عجزٍ من السعرات. وما إن تُغلق النافذة، تصوم حتى تُفتح ثانية. وهذه الدورة تتكرر كل أربع وعشرين ساعة عادة."
"أوه…؟"
كان هذا مثيرًا للاهتمام.
لكنني لم أكن أبحث عن إنقاص وزني، بل على العكس، كنت بحاجة إلى زيادته.
رغم ذلك، شدّني الفضول.
"لكن من مظهرك لا أرى أنك بحاجة لهذا. تبدو في لياقة حسنة بالفعل."
"أنا في لياقة حسنة لأنني أفعل هذا."
صحّح نيل، وقد بدأ ينساق في حديث آخر.
"في أيام الأكاديمية كنت أميل إلى السمنة بعض الشيء. وذلك عائد في الأساس إلى مرسومي. لا شك أنك تعلم، أنا من مرسوم الصيّاد. قدرتي تتيح لي أنـ—"
توقّف نيل في منتصف حديثه.
وكأنّ خاطرًا باغته، رمقني ثم طأطأ رأسه.
"أنا آسف."
"….؟"
لماذا يعتذر فجأة؟
أهو مصاب بانفصام؟
رفع رأسه من جديد، وقال شارحًا: "أنا في العادة أنحرف عن الموضوع وأتطرّق إلى أمور شتّى. أتكلّم كثيرًا بما يضرّني. لا شك أنني أُضجرك بثرثرتي."
نهض من مقعده، وتناول حقيبته.
"حتى لو لم آكل، فلا بد أنّ أمامك عملًا كثيرًا. سأـ"
"لست تزعجني."
لوّحت بيدي بفتور.
دينغ!
وفي اللحظة نفسها شعرت باهتزاز جيبي، لكنني تجاهلته.
"بل على العكس، لقد راودني الفضول. بصفتي قائد الفرقة، يهمّني أن أعرف المزيد عنك وعن البقية."
كنت أكره الحديث مع الناس، وأبغض الغرباء أكثر.
لكنني كنت أعرف كيف أكون مهنيًا حين يتطلّب الأمر. ورغم أنني لا أحب مخالطة الآخرين، كنت أعلم أنّ هذا جزء من عملي.
"….."
ربما لم يكن يتوقع مني مثل هذه الكلمات، فظلّ نيل صامتًا يحدّق بي.
وبعد لحظات، تغيّر وجهه إلى ملامح معقّدة.
"…أنا آسف."
تدحرجت عيناي بضجر.
هذا مجددًا؟
"ماذاـ"
"أعتذر عن الطريقة التي عاملتك بها من قبل."
توقفت هذه المرة.
لقد باغتني ذلك قليلًا. لم أكن أتوقع منه أن يعتذر لي. بل في الحقيقة، لم يكن بحاجة للاعتذار أصلًا. فأفعاله آنذاك لم تكن خاطئة.
"لا أظنّـ"
"كلا، يجب أن أفعل."
قاطعني نيل قبل أن أنطق بكلماتي.
رفع حزام حقيبته قليلًا.
"…سأعترف. لم أكن راضيًا كثيرًا عن كونك قائد فرقتنا. لم يكن السبب نقص قواك. ذلك لم يكن يضرني. لكن السبب الرئيس كان الإشاعات التي سمعتها عنك."
"إشاعات…؟"
دينغ!
توقفت عابثًا، وقطّبت حاجبي.
’أتوجد إشاعات عني؟’
لطالما اعتبرت نفسي من النوع الذي يظلّ متواريًا لا يزعج أحدًا. لم أتوقع أن تدور إشاعات حولي. لكن بالتفكير في الأمر… ربّما كانت هناك دائمًا إشاعات.
من طريقة تصرّفي زمن تطوير لعتبي الثاني، إلى علاقتي بكايل.
لم يكن غريبًا أن تكون هناك إشاعات سيئة عني.
دينغ!
زفرت، وهممت بالكلام، غير أنّ كلمات نيل التالية جمّدت قسمات وجهي.
"قالوا إنك تستأثر بجهود الآخرين وتنسبها لنفسك، وأنّ السبب الوحيد لوصولك إلى منصبك هو قربك من أحد الأعضاء النجوم. لم يكن عليّ أن أثق بتلك الإشاعات فورًا. كان الأولى أن أتيك أنا نفسي وأصارحك بها."
"….ماذا؟"
لم أدرِ بماذا أجيب.
ظللت أحدّق في نيل بذهول لثوانٍ.
غير أنّ تلك الثواني القليلة كانت كافية لتدهمني شتى الخواطر، ويطلّ وجه بعينه في ذهني، فتنسحب ابتسامة على شفتي. لم أشعر حتى بضرورة الغضب.
’إنه هو، أليس كذلك؟ هو الذيـ’
"قـ…قائد الفرقة..؟ هل أنت بخير؟"
انتُزعت من شرودي، رفعت بصري فإذا بنيل يتطلّع إليّ بقلق ظاهر.
ارتفع حاجبي.
"ذلك…" توقّف مشيرًا إلى وجهي. "كنت تتخذ ملامح مخيفة، لذلك…"
"أوه."
ربما كنت أفعل.
لكن ـ
’ما الذي يجري بحق السماء؟’
دينغ!
وشعرت باهتزاز هاتفي مجددًا، فأخرجته أخيرًا من جيبي لأرى ما الأمر.
لكن ما إن فعلت، حتى تغيّرت ملامحي دون أن أتمكّن من إخفائها.
’….!؟’