الفصل 241: اللوح [4]
—الأجهزة اللاسلكية تعمل مجددًا!
—إنها تعمل لدي أيضًا!
عند سماعي الأصوات المنبعثة من الأجهزة اللاسلكية، لم أنطق بشيء.
كان هناك شيء ما في الوضع يبعث على الريبة. بدا الأمر أشبه بصدفة مبالغ فيها.
—…يبدو أن المشتبه به هو إما جوانا أو مين.
تحدث صوت فجأة عبر جهاز لاسلكي. عرفت الصوت.
كان صوت نيل.
وبعد أن تكلم بلحظة، خيّم الصمت على الجهاز اللاسلكي. لم ينبس أحد بكلمة.
وهذا وحده كان مدهشًا.
’جوانا ومين لا تقولان شيئًا؟’
إلا إذا…
—الأجهزة اللاسلكية الخاصة بهما لا تعمل.
همس صوت سارة عبر أجهزة اللاسلكي.
أخذت نفسًا عميقًا.
’هذا يجعل الأمور أصعب قليلًا.’
انتهزت الفرصة لأتكلم.
"…لا يوجد ضمان أنهما الجانيان. الممسوس قادر على الكذب. قد تكون هذه فرصة لإلقاء اللوم كله على أحدهما."
—هذا صحيح، لكن ألن يكون من السهل معرفة من يكذب إذا جعلنا شخصين آخرين يطرحان السؤال ذاته؟
بشأن ذلك…
لم أكن أعلم حقًا كيف أجيب.
واقعيًا، كان هذا هو المسار الصحيح. فإذا طرح شخصان آخران السؤال ذاته، سنتمكن جميعًا من تحديد الممسوس بما أن أحد الاثنين يكذب. لكن في الوقت ذاته، لم أستطع طرد الشعور بأن "الممسوس" قادر على الكذب أكثر من مرة.
—هل نمضي هكذا؟
عند سماع كلمات نيل، ظللت مترددًا.
كانت كل المنطقيات تقول إني أبالغ في الشك؛ غير أن حدسي كان يخبرني بعكس ذلك.
’حتى لو كنت مخطئًا، فلن يكون الحذر خطأ أبدًا. المسألة الوحيدة هي إن كانوا سيختارون الوثوق بي.’
لا، حتى إن لم يثقوا بي، لم يكن ذلك ليهم.
كنت قائد الفرقة.
ما أقوله يُنفذ.
حاملًا جهاز اللاسلكي، هززت رأسي.
"لا، ليس بعد."
—ماذا؟ لكن-
"هناك احتمال كبير أن يكون هذا خداعًا. أحتاج إلى المزيد من الوقت لتحليل الوضع."
—ماذا؟! لكن من الواضح أن أحدهما قد كذب بالفعل. وبما أنه لا يمكنه الكذب إلا مرة واحدة، فإننا إذا-
"لكن ماذا لو استطاع الكذب مرتين؟"
خيّم الصمت على الخط بعد كلماتي.
واستمر الصمت لثوانٍ عدة حتى تردّد صوت ميا.
—يكذب… مرتين؟ لكن هذا لم يحدث من قبل؟ لماذا قد…
"هذا أمر يجب أخذه دائمًا في الحسبان. كلنا نعلم أن البوابات لا تكون متشابهة عند الدخول. هناك تغيّرات طفيفة تجعلها أصعب قليلًا في اجتيازها. وبالمثل، علينا أن نأخذ في الاعتبار احتمال أن يكون الممسوس قادرًا على الكذب أكثر من مرة."
ظننت أن هذا تفسير جيد.
وعلى الأقل، اعتقدت أنني سأكسب بعض الوقت بفضله.
غير أن…
—هذا سخيف.
بدا أن نيل لا يتفق معي.
—لقد قرأت كل السجلات السابقة لهذه البوابة. كان هناك أكثر من بضعة آلاف من المغامرات، وفي كل مغامرة، لم يحدث أبدًا أن تمكن الممسوس من الكذب.
وبتوقفٍ خفيف، شعرت بتغير في نبرة صوت نيل.
—قائد الفرقة… هل لديك ربما دافع آخر في ذهنك؟ أم أنك أنت الممسوس؟
توقف الخط بعد ذلك.
ورغم بُعد المسافة، استطعت أن أشعر ببرودة صوته. ورغم صمت الآخرين، شعرت أنهم كانوا يشاركونه ذات الشعور.
حدقت في الجهاز اللاسلكي بين يدي دون تعبير يُذكر.
’يا له من وضع مزعج.’
مع سرعة تطور الأحداث، استطعت أن أرى الفرقة تتجاهل أوامري. لم أستطع أن أظل عنيدًا. وحتى لو اخترت طريق الطاغية، فعلى الأرجح سيتجاهلوني.
’ماذا أفعل…؟’
نقرت على ظهر الجهاز اللاسلكي بضع مرات قبل أن أتنازل في النهاية.
"حسنًا. افعلوا ما تشاؤون."
رغم أنني لم أرد ذلك، كنت أعلم أن افتراضي بلا أساس. كان هناك احتمال كبير أنني مجرد مرتاب، وأن الممسوس بالفعل غير قادر على الكذب.
وإن ثبت أنني كنت محقًا، فلن يكون الأوان قد فات بعد.
—…نحن نم-
خخخ!
صدر صوت تشويش من الجهاز اللاسلكي وسط كلمات نيل.
تراقصت الظلال مع ارتجاف شعلة الشمعة، فوجهت بصري من جديد نحو اللوح.
وضعت كفي فوق مؤشر اللوح وانتظرت.
ثم—
’هل… الممسوس فتاة؟’
همس صوت ميا في الأجواء. كان صوتها رقيقًا، غير أنّه حين انبعث بدا وكأنّ نسمة جليدية قد عبرت بمحاذاة أذني.
شعرت بعدها بلمسة باردة فوق يدي بينما بدأ المؤشر يتحرك من تلقاء نفسه. استمر في التحرك حتى توقف عند موضعه.
[نعم]
تأوهت في صمت حين رأيت الإجابة.
’نعم…’
في تلك الحال، فالممسوسة هي جوانا. كانت الوحيدة التي أجابت بالنفي، وبما أنّ الممسوس لا يكذب سوى مرة واحدة، فقد كانت أوضح مرشحة.
لكن، هل كان الأمر بهذه البساطة فعلًا…؟
’لا، هذا واضح أكثر من اللازم.’
كخخ!
اشتغلت أجهزة الاتصال اللاسلكية مجددًا.
—يبدو أنّ لدينا مرشحة. فلنصوت لجوانا.
رنّ صوت نيل من الجهاز.
—أنا موافق.
—نعم.
ساد الصمت بعد ذلك.
’إذًا ميا لا تجيب.’
ثم…
—قائد الفرقة؟ ما قرارك؟
"الأمر سهل أكثر مما ينبغي."
أجبت.
"…سأصوّت إن أردتم، لكن الأمر سهل جدًا. أحقًا تظنون أنّ الممسوس سيكذب بهذا الشكل؟"
—السجلات تُظهر أنّ هذا قد حدث بضع مرات. كما أنّها بوابة منخفضة الرتبة. أنت تبالغ في التفكير. أنا أدلي بصوتي.
—…وأنا كذلك.
—وأنا أيضًا.
أدلى الآخرون جميعًا بأصواتهم، فهززت رأسي خفية.
’آمل أن يكونوا على حق.’
لقد رغبت بذلك حقًا.
"حسنًا إذن."
قررت أن أصوت لجوانا كذلك.
وبشيء من التردد، مددت يدي وأمسكت بالمؤشر. كان اللوح بارداً تحت أصابعي. بدأت أوجّه المؤشر، وكل حرف يصرّ على الخشب بصوت حاد.
كل ما كان عليّ فعله هو تهجئة اسمها على اللوح لإقصائها.
علينا جميعًا أن نصوت في اللحظة ذاتها حتى يُقصى أحد. غير أنّ من يلمح الممسوس بعينه يمتلك القدرة على طرده مباشرة دون الحاجة للآخرين.
لكن هذا لا يكون إلا إذا "رأى" الممسوس، ورآه الممسوس كذلك.
جـ… ـو… ا… نـ… ـا.
مع كل دفعة كان هناك ما يدفعني في المقابل. ليس بعنف، لكن بشيء من المقاومة. كانت الهمسات تتسرب إلى حواف عقلي وأنا أدفع المؤشر. شددت فكي وأقصيتها، مجبرًا المؤشر على إتمام الاسم.
وما إن استقر الحرف الأخير، حتى انكسر الهواء فجأة.
كل شيء جُمد. انخفضت الحرارة بشدة، كأن الغرفة قد غُمست في حوض جليدي. راحت شعلة الشمعة تتراقص بجنون، تلقي بظلال مشوهة تقفز على الجدران والسقف.
ثم—
طرررخ! طرررخ!
اهتزت الطاولة بعنف تحت يدي. ارتجف اللوح كأنّه سيُقذف في الهواء. أمسكت بالشمعة غريزيًا، أثبتها جيدًا، وتركت المؤشر يتناثر صاخبًا.
طراخ!
انفجر الباب خلفي مفتوحًا بصفعة صماء، ارتطم بالجدار ثم أغلق بقوة غير طبيعية. التوت الظلال في أنحاء الغرفة وتمددت، كأنّ خيوطًا خفية تجذبها.
أصبح الهواء أثخن.
كثيفًا حتى بدا خانقًا.
تجمدت في مكاني. عيناي متسعتان. عضلاتي مشدودة.
ثم—
صمت.
توقفت كل الأشياء. الاهتزازات. الأصوات. حتى الضغط في الهواء بدا وكأنّه جمد.
لم يبقَ سوى الشمعة تترنح، وقد خبت نارها المضيئة لتغدو واهنة. نصفها احترق، وشمعها المذاب تجمّع أسفلها كزمنٍ ذائب.
حدقت في اللوح، أنتظر، فيما الصمت يطبق عليّ من كل جانب.
ثم تحرك.
بدأ المؤشر ينزلق، صوت خدشه الواطئ يتردد داخل الصمت.
انساب عبر اللوح كأنّ يدًا خفية تسوقه.
كل بوصة منه بدت كأنّها دقيقة كاملة. كان ثقل الجو يزداد ويلتصق بجلدي كزيتٍ أسود.
وأخيرًا…
توقف المؤشر.
"لا…"
انفلتت الكلمة من فمي قبل أن أستطيع كبحها.
اشتد البرد، يغرس إبره في جسدي.
تبدل الجو، فازداد وجهي تصلبًا.
كنت محقًا.
كنت محقًا منذ البداية.
الممسوس.
بوسعه أن يكذب أكثر من مرة.
إن كانت هناك ذرة شك واحدة من قبل، فقد انمحت الآن.
لقد تطورت هذه البوابة.