الفصل 191: اللغز [2]
"هذا هو النمط؟"
أمعن الجرذ النظر في الرسومات بعبوس خفيف، وعيناه تضيقان وهو يتتبع كل خط. لكن بعد لحظة، تلاشت الحدة عن ملامحه، وبدا وكأنه يتابع خيوط أفكاري.
"أأنت تقترح أن النمط يكمن في الأجزاء المفقودة من الرسومات؟"
"نعم. الآن بعدما صارت العيّنة أكبر، يمكنك أن ترى بوضوح أن ما يميز رسومات الأطفال هو الأجزاء الناقصة. ولكن، ألا تلاحظ أيضًا أن ما فُقد كله الشيء نفسه؟ في النمط ذاته؟ زر مفقود. زر مفقود. هنا، انظر إلى هذين."
أشرت إلى رسمين.
"كلاهما فقد الزر، لكنه أيضًا بلا حذاء."
"أرى."
أومأ الجرذ، يتابع كلماتي، لكنه حتى أثناء ذلك لم يستطع كبح أسئلته.
"…أفهم ما تقول، لكن قد يكون فقط لأن الأطفال يرسمون معًا. إن كانت مجموعة ترسم السيد جينجلز في الوقت نفسه، فمن الطبيعي أن تظهر أخطاء متشابهة."
"نعم، أعلم ذلك."
كنت أرى ما يحاول الجرذ أن يوصله.
ولم يكن الأمر وكأنني لم أفكر بهذا أيضًا.
"فإذاً…؟"
"إنه نقطة بداية."
"همم؟"
"لقد حصلنا على خيط محتمل، وبوسعنا إجراء بعض التجارب أو حتى أن يكون لدينا مرجع عند البحث عن الأدلة."
"هممم."
مع أنّ الجرذ لم يبدُ مقتنعًا بالكامل، إلا أن جبينه استرخى أخيرًا، وعادت غمازتاه.
"وجهة نظر جيدة. سأبقي كلماتك في ذهني."
"حسنًا."
أومأت له، محاولًا بكل جهدي أن أخفي توتري في الحديث معه.
"هل هناك شيء آخر عليّ أن أترقّبه؟"
"لا شيء الآن. هذا ما لاحظته فقط. سأبقيك على اطلاع لاحقًا."
"…حسنًا."
سحب يده بعيدًا عن الطاولة، وخفض رأسه معتذرًا.
"في هذه الحالة، سأرحل. لن أزعجك أكثر. في الأثناء، سأبقى مترقبًا للأشياء التي ذكرتها."
"جيد."
أشرت له بإبهامي، فغادر بعد لحظة.
طنين!
وحين تردّد صدى إغلاق الباب، خبت ابتسامتي عن وجهي، وأخذت أفركه بكفّي.
’الجرذ الحقير.’
عدتُ أتفحص الرسومات، وأتأمل الأسماء على كل واحدة منها، قبل أن تتوقف عيناي على ورقة بيضاء قرب المكتب. وبالقرب منها علبة أقلام شمعية تناولتها.
كنتُ قد أخذتها من الطابق الأول من قبل.
"أتساءل ما الذي سيحدث إن حاولت أن أرسم بنفسي."
ألقيت نظرة على الرسومات، ثم التقطت القلم الأحمر وبدأت بالحذاء، طويلًا وسخيفًا قليلًا، تمامًا كما في الرسوم. ثم جاء دور البالون، فالأنف…
"إغهه…" توقفت لحظة، أحدّق في الرسم أمامي. ورغم أنني أعلم أنني لست أفضل رسّام، لم أظن أن يكون رسمي سيئًا إلى هذا الحد. لقد بدا… متطابقًا تقريبًا مع رسومات الأطفال.
وهو لم يكتمل بعد.
’إن رآه كايل، قد يضحك عليّ طويلًا.’
هززت رأسي، ورسمت القفازات، ثم… ثم…
"أه؟"
توقفت، أنظر إلى الرسم أمامي. كان هناك حذاء. كانت هناك قفازات. كان هناك أنف. وكان هناك بالون. ولكن لماذا…؟ لماذا لم أعد قادرًا على رسم أي شيء آخر؟
نظرت إلى الرسومات الأخرى ثم إلى الورقة أمامي، وكأن كل ذكريات الرسم السابق قد تبخرت من عقلي، ولم أعد قادرًا إلا على رسم هذه الأشياء الأربعة.
"أيّ نوع من…"
تأملت الرسم المرجعي مجددًا. وبالأخص ركزت انتباهي على شعره الأحمر المجعد الكبير.
’شعر مجعّد. شعر مجعّد. شعر مجعّد.’
ظللت أردد الملامح في ذهني، مُجبرًا نفسي على التذكر. لكن ما إن حاولت أن أحرك يدي، حتى بدا وكأن شيئًا خفيًا ضغط عليها، فلم أستطع التحرك إطلاقًا.
"هذا…"
لقد كان في تلك اللحظة بالذات حين دوّى صوت المايسترو هامسًا في رأسي من جديد.
'إنها كلّها أحجية.'
بدأت المشاهد السابقة تتوالى في ذهني.
الكرة الحمراء المتدحرجة.
القفاز فوق البيانو.
البالون في غرفة اللعب.
والـ… الزر في القبو.
قطعة تلو الأخرى، راحت تتساقط في ذهني بينما جمدت في مكاني، أشعر بالقشعريرة تكسو جسدي كله.
"انتظر، انتظر…"
غطّيت وجهي بكفّي، رأسي يخفق بعنف.
"كيف لي أن أتذكرها الآن فقط؟"
لم أكن أذكى الناس، لكنني كنت شديد الملاحظة بسبب طبيعتي الجبانة. التفكير في الكرة الحمراء، القفاز، البالون، وكل تلك الأشياء… كيف لم يخطر ببالي إلا الآن؟
'لا… هذا لا معنى له.'
إلّا إذا…
صرير! صرير!
"…؟!"
أدرت رأسي بعجلة نحو مصدر الصوت. غير أنّ كل ما رأيته كان الغرفة الفارغة من ورائي، والمطر يهطل بغزارة أشد.
اجتاحني شعور طاغٍ بالرهبة بينما نهضت من مقعدي، أنظر حولي بحذر.
معدتي أصدرت قرقرة صامتة فيما كنت أحبس أنفاسي، أحاول جاهدًا ألّا أصدر أي صوت.
صرير! صرير!
تردّد الصوت الصارخ مجددًا.
لقد كان تمامًا خلف الباب.
رأيت ظلّه يبدأ بالتمدد ببطء من خلال الشق الصغير أسفل الباب، وشعرت بأنفاسي تغادرني.
صرير!
عاد الصرير يرنّ، واشتدّت يداي أكثر وأنا أفتح الدرج أمامي، مستعدًا أيضًا لاستدعاء السائر في الأحلام وميريل.
وبالنهاية، تحرّك مقبض الباب.
توترت أكثر.
ثم—
طنين!
انفتح الباب، ودخلت هيئة ما.
"——هـاه؟"
كنت قد بدأت أتحرك حين توقفت. رمشت بعيني، أحدّق في القادم نحوي، متجمّدًا.
"الجرذ؟"
"…ماذا؟"
توقف الجرذ عند الباب، جبينه مقطب.
ارتعش فمي وتمتمت،
"أعني—"
"جرذ؟ هل أخفتك مجددًا؟"
"…نعم، لكن لأنني سمعت أصوات صرير قادمة من الباب."
"همم؟"
نظر الجرذ خلفه.
"أصوات صرير؟ لم أسمع شيئًا، وكنت واقفًا تمامًا خارج الباب."
"…أعلم."
"على أية حال، نسيت شيئًا."
دخل الجرذ إلى الغرفة وألقى نظرة حوله قبل أن يجد هاتفه. كان على الطاولة بجانب طاولتي.
"هذا."
أراني إياه.
"…لقد نسيت هاتفي."
"أوه."
ذلك كان منطقيًا.
لكنني لم أستطع أن أفكر بوضوح. لا زلت غارقًا في ما حدث قبل لحظات، غير أنّني حين أحسست بالجرذ يستعد للخروج من الغرفة ببطء، أفقت فجأة وضغطت بيدي على كتفه.
"انتظر."
"…هم؟"
توقف الجرذ ونظر إليّ.
متجاهلًا النظرة التي رمقني بها، أشرت إلى الطاولة حيث ظهرت ورقة فارغة وإلى جانبها علبة أقلام الشمع.
"أحتاج أن أختبر شيئًا. جرّب أن ترسم السيد جينجلز."
"ماذا—"
"أظن أنني اكتشفت شيئًا. ارسم السيد جينجلز."
أصبح وجه الجرذ أكثر جديّة آنذاك. نظر إليّ مباشرة، ثم أومأ أخيرًا وجلس أمام الطاولة، تناول قلمًا شمعيًا وبدأ يرسم.
لكن، لم تمضِ دقيقة حتى توقّف ونظر إليّ.
"هذا…"
أومأت بصمت.
"نعم، يبدو أننا قد استُهدفنا من دون أن نعلم. أنا واثق أنك بدأت تتذكر رؤيتك لتلك الأشياء الغريبة، لكنك بطريقة ما كنت تتجاهلها فور رؤيتك لها…"
عضضت شفتي.
"هذا أن—"
تتتتتتا~
رنّ لحن معيّن فجأة في الغرفة، مجمّدًا إياي وإياه في مكاننا. ولم أعنِ ذلك مجازًا. كنت متجمّدًا حقًا، جسدي مقفل تمامًا، عاجز عن الحركة.
ثم—
فووووم!
أضاءت شاشة هاتفي، وظهر كرتون ما.