الفصل 190: اللغز [1]
هاج ذهني على وجوه شتّى. كان عسيرًا عليّ أن أستوعب ما بين يديّ من معلومات، غير أنّي، قبل أيّ شيء، التفتُ حولي، فأخذت القارورة وغادرت القبو.
’سأُمعن النظر فيها في الخارج. الآن عليّ أن أبرح هذا المكان.’
مسترجعًا ما جرى منذ لحظة، شعرت أنّ هذا هو المسار الأجدر أن أسلكه.
كانت حركاتي متيبّسة وأنا أرتقي الدرج، كلّ خطوة تُحدث فرقعة حادّة يتردّد صداها في السكون. شعاع المصباح المنبعث من هاتفي كان يرتجف قليلًا، وأنا أُثبّته إلى الأمام، يزاحم الظلام بضيائه الضيّق.
ملتقطًا أنفاسًا قصيرة متواترة، حدّقتُ أمامي.
نحو الباب حيث تراءى الظلّ، ولبرهة توقّفت خطواتي.
’لم يعد يقدر على رؤيتي. أنا لا أرتدي النظّارة.’
قبضت أسناني ومضيت.
لكن… أكان حقًّا لا يراقبني؟
لعلّه واقف أمامي، يحدّق بي.
…غير أنّي فقط لا أستطيع أن أراه.
لحستُ شفتيّ، والقلق يتصاعد من أعماقي.
بيد أنّ ذلك ما لبث أن تلاشى إذ وجدت نفسي أخيرًا أخرج من القبو وأبلغ الطابق الأوّل ثانية.
كلانك!
أغلقت الباب خلفي، ثم مسحت العرق عن جبيني قبل أن أصعد إلى الطابق الثاني وأتوجّه نحو غرفتي.
"هـاا… هـاا…"
هناك فقط استطعت أن أرتخي، فجلست على سريري.
أخرجت القارورة ثانية، وأمعنت النظر في الملصق الباهت.
[لومينول]
ارتعشت يدي.
"كيف يُعقل هذا؟"
كنت أعلم جيّدًا اسم الدواء الذي أتناوله. كان يُسمّى مينكسيلانيس. أمّا لومينول، فهو اسم الدواء الذي ابتعته من النظام.
في الحقيقة…
"إنّه نفس الدواء."
أخرجت القارورة من النظام ووضعتها بجوار تلك الموضوعة أمامي. باستثناء الاصفرار العتيق وكونها لم تكن فارغة، بدت القارورتان متطابقتين تمامًا.
"كـ… كيف يكون هذا ممكنًا؟"
لم أكَد أستطيع أن أُخفي صدمتي.
"هل يُحتمل أن تكون هذه ليست حبوبـي القديمة، بل تخصّ شخصًا آخر؟ لا، ليس هذا…" نظرتُ مجدّدًا إلى الملصق، ورأيت اسمي مكتوبًا عليه، فأيقنت أنّها تخصّني.
لكن إن كان الأمر كذلك…
"هل من الممكن أنّ الأم تعرف بحالتي؟ تعرف أنّ لديّ شظية إدراكية؟ ولكن، حتى لو كانت تعلم، فكيف استطاعت أن تحصل على هذه الحبوب…؟"
بحسب علمي، هذه الحبوب ليست ممّا يُمكن شراؤه. في الواقع، لم يكن يبدو أنّ كايل نفسه على دراية بوجودها أصلًا.
’انتظر، ما دمت قد اعتدت تناول هذه الحبوب، فكيف لا يعرف كايل ما تفعل؟ بل، كيف لا يعرف ما هي حالتي؟’
كان كايل يعلم أنّني مريض.
هذا أمر كنت واثقًا منه. غير أنّني، من خلال احتكاكاتي السابقة بكايل، أدركت أيضًا أنّه لم يكن يعلم أنني أحمل شظية إدراكية.
’ثمّة خلل. ثمّة خلل شديد في هذا الوضع.’
وبينما كنت أُقلّب القارورة بين يديّ، شعرت بدقّات قلبي تتسارع.
با… خفق! با… خفق!
كلّ نبضة دوّت أضخم من سابقتها، وصوت رنين متواصل أخذ يتردّد في أعماق رأسي.
جلست هكذا وكأنّ الدهر قد مرّ، وحين أفقت من شرودي، أدركت أنّ ثوانٍ معدودة فقط قد انقضت.
"هوو."
كنت حينها مبلّلًا بالعرق تمامًا، وقميصي من الخلف يبعث برودة طفيفة، فأخفيت القارورة تحت سريري.
’الشخص الوحيد الذي يعلم بشأن القارورة هي الأم. عليّ أن أراقبها عن كثب لاحقًا. وربّما، أجد وقتًا لأسألها.’
الحلّ البديهي كان أن أواجهها بالسؤال، لكن في الوقت نفسه، ساورني تردّد ثقيل.
شعرتُ وكأنني أفتح صندوق باندورا، ذاك الذي لم يكن ينبغي لمسه قط. لكن إن أردتُ أجوبة، فلا خيار أمامي.
"لكن… ليس الآن."
أخذت نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة نفسي قدر المستطاع.
على الرغم من أن الفضول كان يفتك بي، كنت أعلم أنّ هذا ليس وقت التوغّل في مثل هذه الأمور.
"السيد جينجلز…"
غاية المهمة كانت العثور على السيد جينجلز.
استرجعت اللحظة التي ارتديتُ فيها النظارة وكدتُ أبصر الشذوذ. أجل، ستنتهي المهمة حين يظهر السيد جينجلز، لكن هذا سيعني أيضًا نهاية حياتي. وفوق ذلك، كنت أعلم أن الأمور ليست بتلك البساطة.
لكن… ربما كانت كذلك.
’…ليس الأمر أنّه يستحيل المحاولة من جديد. غير أنّه عليّ أن أفعل ذلك في بيئة أضمن فيها أنه لن يهاجمني.’
على سبيل المثال، كان عليّ أن أكتشف قواعده.
…ومفتاح تلك القواعد كان يكمن في كل تلك الرسوم.
نشرت الورقة، ووضعتها على الطاولة الخشبية قرب النافذة، حيث طرقات المطر الرتيبة على الزجاج تملأ السكون.
انجذبت عيناي فورًا إلى النقاط السوداء المتماوجة في عيني المهرّج.
مسترجعًا حين تحققت من الرسم بالنظارة ورأيت التموج يختفي، علمت أن ثمة سرًا مهمًا هناك.
لكن ما هو؟
ما الذي كان يمثّله هذا السر بالضبط؟
طرقة على الباب—
"همم؟"
انتفضت من أفكاري، ملتفتًا نحو الباب وهو ينفتح ببطء كاشفًا عن وجه مألوف.
"الجرذ؟"
"هـا…؟"
توقّف الجرذ، مائلًا رأسه.
"ماذا قلت؟"
تبًّا.
كنت غارقًا في خواطري لدرجة أنني ناديتُه بلقبه دون وعي.
"قلتُ: جرذ…" وضعت يدي على صدري. "لقد أفزعتني."
"آه."
"على كل حال، لقد جئت في وقت مناسب. هل معك بعض الرسوم من الأطفال؟"
"أجل، لدي عدد لا بأس به."
مدّ الجرذ يده ليُريني رزمة صغيرة.
’قد يكون جرذًا، لكنه فعليًا مفيد للغاية.’
"رائع. تعال بسرعة."
"هل وجدت شيئًا…؟"
أغلق الباب خلفه، وأمال رأسه بفضول وهو يحدّق في الرسم أمامي.
"هذا يبدو—"
"أعلم، لستَ مضطرًا لإخباري."
مددت يدي لأخذ الرسوم قبل أن أضعها على الطاولة. نهضت واقفًا ورتّبتها بترتيب بسيط.
تلك التي كان ينقصها كل شيء عدا العينين وضعتها في كومة، أما الرسوم التي ينقصها أجزاء أخرى فوضعتها في كومة أخرى.
وبمساعدة الجرذ، لم يكن الأمر صعبًا.
"حسنًا… يبدو أنّ لدينا أربع رسومات مكتملة وسبع غير مكتملة."
وضعت الرسوم المكتملة على جانب، بينما حفظت أسماء الأطفال الذين رسموها في ذهني. وفي الوقت نفسه، ألقيت نظرة على الرسوم غير المكتملة.
"ماذا تحاول أن تفعل؟"
سأل الجرذ، ما يزال تائهًا عمّا أحاول فعله.
لم أجب، فقط واصلت ترتيب الرسوم.
’هذا الرسم ينقصه زر، لكنه يحوي كل شيء آخر. وهذا هناك ينقصه الحذاء والزر. أما ذاك فينقصه الزر فقط. وهذا الآخر يفتقد الحذاء والزر والبالون…’
"هاه!"
وفي النهاية… وجدته.
النمط.
"هل وجدت شيئًا؟"
مع صدى صوت الجرذ الفضولي، أومأت برأسي بهدوء.
"أجل، لقد وجدت."
تأملت الرسوم بينما أرتبها برفق من الأقل اكتمالًا إلى الأكثر اكتمالًا. وحين أنهيت ذلك، رفعت بصري إلى الجرذ.
"هَذَا هُنَا هُوَ النمط… نمط السيد جينجلز."