الفصل 186: السيد جينجلز [4]
"….."
انسلّ صوت الطفل في أذني همسًا بينما كنت أحدّق في البالون المعلّق في مكانه. كان أحمر… أحمر على نحو مقلق، وكلما أطلت النظر إليه، ازداد بردٌ زاحف ينساب ببطء في عروقي.
في الخارج، بدا وقع المطر وكأنه تباطأ، وكل قطرة كانت تصدح على نحو مريب في الصمت الذي خيّم على غرفة اللعب.
’هناك خطبٌ ما، بالتأكيد.’
شعرتُ بمعدتي تضطرب، ويداي تتخدران.
سكرر—
حين أنزلت بصري، كان الطفل قد عاد مجددًا إلى خربشاته على الورقة. بدأ يرسم دوائر حول موضع العينين بقلم الشمع الأسود، يديره مرارًا وتكرارًا، صانعًا تلك الدوّامات السوداء المعتادة التي كوّنت عيني المهرّج.
ظلّ البالون عائمًا بصمت فوقه، ثم أضاءت الغرفة ومضة بيضاء—
بوم!
مزّق الرعد الصمت بعدها بقليل، فاجتحتني رجفة بينما كنت أتلفّت حولي، أحاول أن أحافظ على هدوئي وأنا أبحث عن أي أثر… أي شيء.
غير أنّي، مهما قلّبت نظري، لم أجد شيئًا.
انخفضتُ قليلًا حتى صرت بمحاذاة الصبي.
"كريس."
ناديت اسمه.
لكن…
سكرر—
لم يعرني انتباهًا، وقد انغمس كليًّا في الرسم أمامه.
واصل إدارة القلم حول العينين، كأنّما سُحر بها.
"كريس؟"
ناديت مرة أخرى، لكني لم أتلقَّ أي جواب.
"…قلت إن السيد جينجلز غاضب. هل تقدر أن تخبرني لماذا هو غاضب؟"
سكرر— سكرر—
تسارعت يد الطفل أكثر فأكثر، والبياض في العينين يُمحى تدريجيًا، حتى غدت سوداء حالكة تمامًا.
شعرتُ بثقل يكتم صدري.
ثم—
"….."
توقّف.
رفع رأسه ببطء، وعيناه البنيتان تلاقتا بعينيّ.
ساد السكون العالم في تلك اللحظة.
أنا والطفل الصغير فقط، وأنفاسي تتضاءل شيئًا فشيئًا.
انفرجت شفتاه.
انتظرتُ، حابسًا أنفاسي في حلقي. ربما كان هذا هو الأمر. ربما سينطق بكلمة، بأي شيء يُفسّر لي ما يحدث.
كنت أريد أن أعرف لماذا كان السيد جينجلز غاضبًا. لعلّي أقتنص خيطًا يقودني إلى الجواب.
أي شيء.
لكن…
"…أنا جائع."
حدّقت فيه مذهولًا لوهلة.
زفرت تنهيدةً خافتة. "حسنًا."
اعتدلت واقفًا من جديد.
"لنذهب. لقد أعدّت الأم الطعام للجميع."
لم ينتظر الطفل مني إشارة، بل نهض من كرسيه وغادر الغرفة.
"هيه، انتظر!"
كنت على وشك اللحاق به، لكن بصري انجذب إلى الرسم. كنت منشغلًا بالعينين لدرجة أني لم ألحظ أن الخلفية الفارغة عادة لم تكن فارغة هذه المرة.
’تلفاز؟’
رفعت رأسي ببطء، حتى استقر بصري على التلفاز.
كان مطفأً الآن، وحتى حين دنوت لأتأكد إن كان به خلل، لم ألحظ شيئًا.
"غريب."
مددت يدي إلى نظارتي، ثم توقفت. ذكريات الرجل الملتوي لمعت في ذهني. سحبت يدي.
’…حين يعود كايل ويكون معي، سأستخدم النظارات.’
كنت سأشعر براحة أكبر لو كان بجانبي. على الأقل، إن ظهر السيد جينجلز، سيكون كايل حاضرًا ليحميني.
"سيث؟ سيث…؟ الغداء جاهز! سيث!"
صوت الأم تردّد خافتًا عبر الردهة.
انتزعت بصري عن التلفاز ووضعت الرسم في جيبي.
كنت أنوي أن أعطيه لكايل لاحقًا.
"سيث؟"
"قادِم."
***
"لنذهب من هنا!"
"اللعنة، هذا المطر جنوني…"
شدّ كايل وزوي سترتيهما أكثر على جسديهما وهما ينحنيان تحت القوس الشبيه بالجسر عند باب الحانة الصغيرة، يحتميان من المطر.
توقّفت زوي هناك، والتفتت إلى كايل.
"كن لطيفًا وأوقف المطر."
"هاه؟"
"…فقط استعمل شيءَك ذاك المتعلق بالوقت واجعل المطر يتوقف."
"لكن ذلك سيكون إهدارًا، حقًا."
"أنت من نسي المظلات في السيارة."
"صحيح…"
لم يجد كايل ردًا على ذلك. بالفعل، هو من نسي المظلات. المطر لم يكن سيئًا جدًا من قبل، لكنه اشتدّ بطريقة ما خلال الساعة الماضية.
أخرج كايل هاتفه وزفر.
"ولسببٍ ما لا أملك إشارة أيضًا."
"…وأنا كذلك."
أمالت زوي هاتفها باتجاه كايل.
تبادل الاثنان النظرات لبضع ثوانٍ قبل أن يلتفتا إلى الحانة. كان الضوء في الداخل يخفق بدفء، ومن خلال النافذة الدائرية فوق الباب الخشبي الداكن، كانت تظهر وتختفي ظلال عدة أشخاص يتحركون جيئة وذهابًا.
"هل ندخل؟"
اقترحت زوي وهي تنظر إلى المطر في الخارج.
"لا أظن أن الجو سيهدأ قريبًا. من الأفضل أن ندخل ونسأل الناس هنا إن كانوا يعرفون شيئًا."
"نعم."
كان كايل على الرأي نفسه وهو يمد يده نحو مقبض الباب ويضغطه للأسفل.
كريييك!
مع انفتاح الباب المزعج، اندفع ضجيج الحانة إلى آذانهما. في الداخل، كان المكان يعج بالحياة، الطاولات مكتظة بأناس يتحدثون ويضحكون. أعمدة خشبية تصطف في الغرفة، ولوحات معلّقة على الجدران، مما منح الحانة طابعًا منزليًا دافئًا.
أغلق كايل الباب خلفهما، ثم هو وزوي مسحا المكان بنظرهما قبل أن يجدا مقعدًا خاصًا بهما.
كانت طاولتهما منعزلة نوعًا ما، تقع في زاوية الحانة. غير أن ذلك كان مناسبًا لهما، إذ لم يرغبا في لفت الكثير من الانتباه.
بعد أن طلبا ما يرغبان به، تغيّر تعبير كايل فجأة إلى الجديّة.
"هل ترينه؟"
"….نعم أراه."
أومأت زوي بهدوء، وقد ثبتت نظراتها على الأعمدة الخشبية حولهما، وبشكل أدق نحو عدة رسومات مؤطّرة.
"إنها نفسها…"
"ليس تمامًا."
علّق كايل، وقد لاحظ أن الرسوم كانت تفتقد تفاصيل أساسية في بعضها.
"ذلك هناك يفتقد القفازات، بينما ذاك يفتقد الأنف."
"…أنت محق."
قطبت زوي حاجبيها، وفكرة ما خطرت ببالها فجأة.
"أتظن أن لذلك صلة ما؟ إذا نظرت إلى الرسوم، ستجدها كلها متشابهة، باستثناء تلك التفاصيل الصغيرة. لماذا تظن هناك مثل هذا الاختلاف؟"
"لا أعلم."
نقر كايل بأصابعه فوق الطاولة. كان قد حاول سؤال أحد الأطفال، لكن كل ما تلقّاه هو نفس الجواب: 'لكن هذا السيد جينجلز…'
"لا يبدو أن الأطفال على دراية بالسبب أيضًا."
كان الوضع أكثر إرباكًا مما تصوّرا.
"أوه؟ يبدو أنكما مهتمان بالسيد جينجلز."
فجأة، قاطع صوتهما صوت رقيق مبهج، ليخرجهما من دوامة أفكارهما. رفع كايل رأسه فرأى فتاة صغيرة، بعينين زرقاوتين، وشعر أصفر ناعم مربوط في ذيل حصان، وجسد متناسق، تحمل صينية خشبية عليها بعض المشروبات، وتضعها ببطء أمامهما.
"شكرًا لك."
شكرها كايل، وحدّق فيها.
"…السيد جينجلز؟ أهذا هو الاسم؟"
تظاهر كايل بالجهل.
"هاها، نعم، نعم. لقد صار أشبه بأيقونة بين الأطفال هذه الأيام."
ضحكت الفتاة، وأخرجت محفظة سوداء، يتردّد من داخلها صدى عملات متصادمة.
أخرج كايل محفظته.
"أفهم الآن. لا عجب أن الرسوم تبدو هكذا. إنه شخصية للأطفال."
"نعم، لكنني لم أره من قبل. أظن أنّه شيء رآه الأطفال في التلفاز أو في مكان آخر."
"أوه. أي فكرة عن أي قناة؟"
"لا، إطلاقًا."
التفتت الفتاة وراءها.
"كما ترى، أنا مشغولة جدًا بنفسي. ليس لدي وقت لأتفقد ما يفعله الأطفال."
"صحيح، بالطبع."
ابتسم كايل ضاحكًا، وفتح محفظته، وقدّم لها بعض الأوراق النقدية.
"…لكن، هل هناك أحد غير الأطفال قد رآه؟ أنا في الحقيقة فضولي بشأن هذا، السيد جينجلز."
"همم."
أخذت الفتاة النقود، وأطرقت تفكّر للحظة.
"في الماضي، لا، لكن خلال الأيام القليلة الماضية، كان هناك بعض الناس يتحدثون عنه في هذا الحانة. شيء عن رؤيتهم لأمور غريبة وتعطّل أجهزة التلفاز لديهم."
تبادل كايل وزوي النظرات، وتبدّلت ملامحهما بوضوح.
"من كان ذلك؟ من كان ذلك…؟ همم. آه، صحيح!" وكأنها تذكرت أخيرًا، صفّقت بأصابعها. "أظن أنه السيد شينجلز من بضعة شوارع بعيدًا، في شارع نيو واي، الرقم 42. لا بد أنه يعرف—هاه؟ انتظروا، أيها الزبائن! بقيّ لكم الباقي!"
"احتفظي به!"
تحرّك كايل وزوي فور سماعهما للمعلومة. دون أن يضيعا ثانية واحدة، تركا طاولتهما، ومشروباتهما لا تزال ممتلئة، وتوجّها نحو الشارع الذي ذكرته الفتاة.
انهمر المطر بغزارة أكبر لحظة خروجهما، والريح تعصف نحوهما بقوة.
لكن، وبمجرد حركة واحدة من يده، توقفت كل الأشياء من حول كايل، فتحرّكا عبر البلدة حتى توقفا أمام مبنى بعينه.
"42. لا بد أنه هو," تمتم كايل، رافعًا بصره نحو المبنى. كان منزلًا ذا طابقين، واجهته من الطوب الأبيض أكلها الزمن، تتسلقها اللبلابات. نوافذه الطويلة الضيقة وسقفُه الحادّ المائل من الألواح السوداء منحاه مسحة صامتة حزينة.
تجاوز كايل السور الحجري المحيط بالبيت، وضغط على الجرس، شاعرًا بوقع المطر القوي يطرق الزجاج القريب، فيما لمح نقطة ضوء خافتة تتسرّب من الداخل.
"أنا واثق تقريبًا أن هناك أحدًا بالداخل."
انتظر وذراعاه مطويتان، على أمل أن يتلقى ردًا سريعًا، ولكن…
"…لا شيء."
تبادل كايل وزوي النظرات.
"سأحاول مجددًا."
ضغط كايل على الجرس مرة أخرى، لكن…
لا شيء.
عاد الاثنان يتبادلان النظرات، وهزّا برأسيهما بهدوء.
"إنه من أجل التحقيق، لذا…"
"أجل."
انحنى كايل، وأخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه، أدخله في قفل الباب. كعملاء من قسم الاحتواء، كان من الطبيعي أن يمتلكوا الوسائل لتجاوز الأبواب.
كليك!
دار المفتاح، فانفتح الباب، ودخلا معًا.
بزز! بزز!
أول ما استرعى انتباههما عند الدخول هو صوت التشويش المتقطع المنبعث من جهاز التلفاز في غرفة المعيشة، بينما دخلا المكان بخطوات حذرة، جسداهما مشدودان، مستعدان للانقضاض في أي لحظة.
لم ينبس أي منهما بكلمة وهما يسيران في الرواق الضيق المؤدي لغرفة المعيشة.
حتى إذا انعطفا في نهاية الرواق، فإذا بهما يظفرا بنظرة نحو غرفة المعيشة.
وما إن فعلا، حتى تغيرت ملامحهما فجأة.
"….?!"
"——!"
بزز! بزز!
"السيد جينجلز يقول~"