الفصل 163: لعبة ملتوية [2]
با… خفق! با… خفق!
حين لمح إدريس ذلك الشكل طويل القامة عند الباب، شعر بدمه يتجمد. سنواته كعميل احتواء نشطت فجأة. وكأن كلماته التي قرأها في الحمّام عادت تتردد في رأسه: "مهما فعلت، لا تنظر. لا تنظر!"، فهبطت يده فجأة، وسحب المؤشر بعيدًا عن الشكل دون تفكير.
"….."
سكن كل شيء من حوله، باستثناء أنفاس إدريس الثقيلة وهو يأخذ لحظة لاستيعاب الموقف.
’لماذا تفاعلت بهذه الطريقة؟ لماذا أتصرف هكذا؟ ما الذي يجري؟’
راحت قدمه تنقر بسرعة على الأرضية. عادة كان يفعلها دائمًا عندما يتوتر ويشعر بالقلق.
’إنها مجرد لعبة. لماذا أتفاعل هكذا؟ لا ينبغي لي ذلك.’
كلما فكّر إدريس أكثر، أدرك أن هناك خطبًا ما. غير أن اللحظة التي رفع فيها رأسه في الواقع، لم يرَ إلا الشاشة أمامه.
وكأن اللعبة وحدها هي الوجود، أما ما حوله فقد بدأ يلتوي ويلتف.
مشبكًا قبضته على الفأرة، حرك إدريس المؤشر ببطء نحو الباب مجددًا.
"اختفى. لقد اختفى…"
الشكل الذي كان موجودًا من قبل قد اختفى تمامًا. الوحيدة التي بقيت هي العجوز، تحدّق به بابتسامتها الخالية من الأسنان، وهي تميل برأسها وتقول:
"هل هناك خطب ما؟"
وجد إدريس نفسه يفتح فمه ويجيب دون إرادة منه.
"ل-لا، لا شيء."
"هذا جيد."
بحلول هذه اللحظة، كان إدريس قد نسي تمامًا أمر تلك المرأة الغريبة التي بدا وكأنها تتفاعل معه.
في هذه اللحظة تحديدًا، كان غارقًا في اللعبة.
غارقًا لدرجة أنه نسي أنها لعبة أصلًا.
"سأغادر الآن."
سحبت العجوز المصباح للخلف بينما الأرضية الخشبية تصدر صريرًا تحت خطواتها، وبدأت تتحرك نحو غرفة أخرى.
"حظًا موفقًا. سأبحث عن طريقة لإصلاح الأضواء."
صرير. صرير. صرير.
تلاشى الصوت شيئًا فشيئًا حتى اختفى كليًا. وبحلول وقت اختفائه، كان الصمت الثقيل قد خيّم على الأجواء، وإدريس لا يزال يحدّق نحو الباب أمامه.
ظل واقفًا على هذا النحو لِما بدا وكأنه الأبد.
لكن الأمر لم يدم طويلًا، إذ عضّ على أسنانه وتقدم نحو الباب، ليجد نفسه يدخل غرفة نوم واسعة. كانت الإضاءة خافتة، ولكن الرؤية أسهل بكثير، إذ بدا أن الغرفة بحالة أفضل بكثير من المناطق في الأسفل.
بل، كانت… نظيفة تمامًا.
الملاءات البيضاء بلا شائبة، والأرضية الخشبية خالية من الغبار، والغرفة بأكملها بدت وكأنها تخضع لصيانة دقيقة.
"هذا…"
قطّب إدريس حاجبيه عند المنظر، وتوقف للحظة، يتفحّص المكان في حيرة.
’لماذا هذه الغرفة نظيفة بينما باقي الأماكن لا؟ هل هذا أمر يقتصر على الطابق الثاني؟ أيمكن أن يكون السبب هو أنها غرفة العجوز؟’
بالتفكير في الأمر، كان يبدو منطقيًا. المرأة كانت عجوزًا جدًا، وعلى الأرجح لم تكن تملك الطاقة للعناية بمنزل بهذا الحجم. ربما حافظت فقط على نظافة الأماكن التي تستخدمها.
أخذ نفسًا عميقًا، وهدّأ نفسه، وبدأ بتفقد المكان.
’إن لم أكن مخطئًا، يجب أن أجد ورقة أخرى هنا.’
بحلول هذه النقطة، كان قد نسي تمامًا أنه كان يسجل نفسه. كل ما يراه هو الشاشة أمامه وهو يحرك الشخصية، محاولًا جاهدًا البحث عن أدلة.
وبينما يفعل ذلك، توقف المؤشر فوق الدرج بجانب السرير. فتوقف إدريس، وبدأت عيناه تتجهان نحو الإطار الخشبي الذي يستقر فوقه، إلى جانب المصباح الصغير الذي يقف بجواره.
’صورة؟’
لم يكن يستطيع رؤية ما في الإطار جيدًا، فقد غطّاه القليل من الغبار.
بتوجيه المؤشر فوق الإطار، نقر عليه والتقطه حين ظهر أمامه. ولم يتمكن من رؤية ما بداخله إلا عندما اقترب، واخترق طبقة الغبار واللطخات التي حجبت الزجاج.
'فتاة صغيرة ورجل؟'
بتملي نظره في الإطار، تمكن من رؤية شاب يقف إلى جانب فتاة صغيرة أمام منزل. كان الاثنان يقفان معًا، محدقين مباشرة في الكاميرا.
في المجمل، بدت صورة عادية.
ولكن، لسبب ما، وجد إدريس نفسه مشدودًا إلى ملابس الرجل. بدلة رمادية وقبعة عالية رمادية.
لسببٍ ما، ومن خلال التحديق في الملابس، بدأ قلبه ينبض بعنف.
لكن لماذا؟ لماذا كان قلبه يخفق لمجرد شيء بسيط كهذا؟ أفكار إدريس تاهت لبضعة ثوان، حتى لمح في زاوية الصورة، في بقعة زجاج نظيفة بالكاد تعكس الضوء، ظلًّا لما بدا كقبعة عالية تخيّم خلفه.
"…!؟"
يده كادت أن ترتد للوراء من المفاجأة، وكبح شهقة بصعوبة بينما جمد المؤشر في مكانه.
'مهما حدث. لا تنظر. لا تنظر!'
ترددت الكلمات القديمة في رأسه مرارًا وتكرارًا.
"هاه… هاه…"
أنفاس إدريس كانت ثقيلة، فيما تجمّد مكانه، وقد تجمدت أفكاره ووعيه فجأة عند استيعابه لحقيقة مفزعة.
شخص ما… شيء ما… كان يقف خلفه مباشرة.
تَكَوَّن العرق في راحتي يديه بينما حاول أن يحافظ على تماسكه.
'اهدأ. لقد واجهت مواقف مماثلة من قبل. فقط لا أنظر. هذا كل ما علي فعله. لا أنظر—!!'
صرررير!
عند سماعه صرير الأرضية، تصلب جسده فجأة وسحب نظره بسرعة بعيدًا عن الإطار، وخفض عينيه نحو الأرض. وفي تلك اللحظة تحديدًا، لمح زوجًا من الأحذية الجلدية يتحرك بحذر أمامه.
'إنه هنا فعلًا!'
نبض إدريس تسارع.
للحظة، لم يكن يعلم ما الذي ينبغي عليه فعله. بدأ ينهار داخليًا. ومع ذلك، وعلى الرغم من توتره، ظلّ محتفظًا بالحد الأدنى من العقلانية لفهم وضعه الحالي. طالما ظلّ يحدق بالأرض، سيكون آمنًا.
'أعتقد أن الهدف الأساسي من دخول هذه الغرفة هو العثور على الصورة.'
بدأت الكثير من الأشياء تتضح في ذهن إدريس. من الصورة إلى نظافة الغرفة المتقنة.
وبلا شك… الكيان الذي يقف أمامه الآن هو نفس الرجل في الصورة. على الأرجح، هو الزوج السابق. والسبب في نظافة الغرفة لم يكن لأن العجوز تسكنها، بل لأنه هو من يسكنها!
عليه أن يغادر الغرفة بأسرع ما يمكن ويتوجه إلى الغرفة التالية.
إدريس كان يشعر بذلك.
توتر اللعبة المتصاعد بينما أدار الشخصية ومضى قدمًا، ورأسه منخفض على الدوام.
وبينما تحرك، شعر أن الكيان الذي كان يقف خلفه لا يزال ثابتًا في مكانه.
تنفس إدريس الصعداء.
'نعم، كل ما عليّ فعله هو مواصلة التحديق نحو الأسفل.'
بمجرد خروجه من الغرفة، شعر إدريس بارتياح أكبر. وبالنظر إلى الوراء، طالما ظلّ رأسه منخفضًا، لن يحتاج للقلق بشأن الكيان الذي يطارده.
حرّك المؤشر برفق إلى الأعلى، وحدّق نحو الباب التالي وبدأ بالتحرك من جديد.
أبقى المؤشر منخفضًا بما يكفي ليتمكن من رؤية الباب، وشعر براحة أكبر أثناء ذلك. في الواقع، بدأ يشعر بالثقة. كلما فكر في الأمر، بدا له الموقف أسهل.
'المشكلة الرئيسية أنني لا أستطيع النظر للأعلى كثيرًا، لأن هناك خطر أن أراه مجددًا، لكن هذا ليس بالمشكلة الكبيرة. يمكنني فقط أن أنظر للأعلى بسرعة ثم أخفض نظري من جديد.'
خطط إدريس للقيام بهذا على دفعات سريعة تتيح له رؤية ما أمامه قبل أن ينظر للأسفل مجددًا. طالما التزم بالخطة، ظنّ أنه سيتمكن من تجاوز الموقف بسهولة نسبيًا.
لكن…
في اللحظة التي خطا فيها إلى الغرفة التالية، تحطّم ذلك الإحساس الهشّ بالتحكم.
كانت هناك، ممددةً على الأرض بلون أحمر كثيف ملطّخ، كلماتٌ تقول:
[كل شيء كذبة!]
[أنا… أنا لست مريضًا! إنهم المرضى!]
[إنهم يحاولون خداعي! يخدعونني عبر البصر والصوت!]
[اركض!!]
"آه…؟"
انحبس نَفَسُه.
"آه…؟"
خرج صوته واهنًا، كأنما يخشى أن يُسمع. تجمّد في مكانه، ولبرهة، لم يتحرك شيء. حتى… سمعه.
صرررير!
صرير خافت، مطوّل، كأن وزنًا يتحرّك على خشب قديم.
جاء الصوت من خلفه مباشرةً.
طعنة برد اخترقت عموده الفقري، وتيبّست كل عضلة في جسده. شدّ أصابعه على الفأرة.
ثم جاء الصوت.
"أوه، أنت هنا. هل وجدت شيئًا؟"
كانت العجوز.
…وبشكل شبه غريزي، التفت إدريس نحو مصدر الصوت، لكن كل خبراته تدفقت في تلك اللحظة فأوقفته قبل أن يستدير تمامًا.
ذلك الصوت…
هل كان فعلًا صوت العجوز؟
"آ-آه."
حينها أدرك الأمر حقًا.
الخوف.