الفصل 162: لعبة ملتوية [1]
"….."
كان إدريس يحدق في الشاشة بذهول، مُحدقًا في العجوز، وقد وجد نفسه يلعق شفتيه محاولًا الحفاظ على هدوئه. إلا أن ذلك لم يكن سهلًا، إذ اضطر لأخذ أنفاس عميقة متكررة.
بينما كان يحدق في العجوز المبتسمة على الشاشة، وعيناها المجوفتان مركّزتان عليه، فتح إدريس شفتيه قائلًا:
"مرحبًا؟ هل يمكنك سماعي؟"
في تلك اللحظة العابرة، بدا وكأن العجوز قد سمعت كلماته وكانت تهمس له بهدوء.
قشعريرة.
شعر إدريس بالقشعريرة في تلك اللحظة.
"هـ-هــا."
لكنه سرعان ما تماسك، وعاد ليجلس مستقيمًا في مقعده، وحدق في الكاميرا الموجهة نحوه.
"أعتذر عن ذلك. أنتم رأيتم هذا أيضًا، أليس كذلك؟ هاها، لقد شعرت للحظة وكأن العجوز كانت تتحدث إليّ. لقد فاجأني هذا قليلًا. يا له من تصادف غبي."
هز إدريس رأسه، محوّلًا انتباهه مرة أخرى نحو الشاشة. وبينما فعل ذلك، عبس حاجباه لا إراديًا.
'عند التفكير في الأمر، حتى وإن كان مجرد تصادف غريب، لم يكن يجب أن أفزع إلى هذا الحد. لقد واجهت أمورًا أكثر رعبًا في الماضي. لست من النوع الذي يرتبك بهذا الشكل. هل فقدت مهارتي؟'
حك إدريس مؤخرة رأسه.
لكنه في النهاية هز رأسه ومضى في اللعبة. نظر إلى العجوز التي لم تبدُ قادرة على التحدث مجددًا، ثم أخذ نفسًا صامتًا قبل أن يخرج من الغرفة إلى الغرفة التالية.
صرررير—
بمجرد دخوله الغرفة التالية، لاحظ فرقًا واضحًا عن الغرف السابقة. في اللحظة التي وطأت قدمه الأرض، سمع صوت صرير خافت قادم من بعيد، وكانت الإضاءة أضعف حتى مما سبق.
كانت خافتة لدرجة أن إدريس اضطر إلى تضييق عينيه كي يتمكن من التمييز بوضوح، وعندها لاحظ أنه يقف داخل ما بدا أنه حمّام.
صرير. صرير…
استمر صوت الصرير، مما أجبر إدريس على رفع المؤشر للأعلى. هناك، كانت خزانة مكسورة معلّقة بجانب الجدار، والباب يتأرجح ببطء ذهابًا وإيابًا.
"هوو."
زفر إدريس زفرة خفيفة.
بحلول هذه اللحظة، كان إدريس شديد التركيز. إلى درجة أنه نسي وجود الفيديو تمامًا وبدأ بتقييم الوضع بهدوء.
كان جسده كله مشدودًا، وعيناه متيقظتان.
في هذه اللحظة تحديدًا، نسي تمامًا أنه كان يلعب لعبة.
صرير.
ومع استمرار الصرير، ضغط إدريس على الزر [W] بأقصى درجات الحذر والنعومة، دافعًا بالشخصية للأمام. كانت الغرفة التي أمامه في حالة أسوأ من سابقاتها. بلاط الأرضية كان محطّمًا، يصدر طقطقة ناعمة مع كل خطوة. ستائر الحمام ممزقة ومُتغيرة اللون، تتمايل قليلًا رغم سكون الهواء.
ثم كان هناك حوض الاستحمام.
هيكل خزفي ضخم، متشقق بشقوق عميقة. لطخات داكنة تغلف الحواف، ومن داخل الحوض، انبعث صوت تنقيط بطيء.
طق… طق… طق…
اقترب إدريس، مُغْمِضًا عينيه قليلًا.
توقف الصرير، ولسبب ما، بينما كان جالسًا في مقعده، تردد إدريس.
'أتقدم؟ أم لا؟ أنظر داخل الحوض؟ أم…؟'
"لحظة، ماذا أفعل بالضبط؟"
استفاق من شروده، وتغيرت تعابير وجهه وهو ينظر إلى الشاشة أمامه. لماذا كان مترددًا بهذا الشكل؟ هذه مجرد لعبة. ليست حقيقية.
حول انتباهه إلى علبة البيرة على الطاولة، فأمسك بها.
"هل شربت كثيرًا؟"
عند التفكير في الأمر، ربما كان هذا هو السبب. لماذا يتصرف بهذه الطريقة غير المنطقية؟
"تش."
نقر لسانه بأسنانه، ورمى العلبة في سلة المهملات، ثم حرّك الشخصية للأمام، مقتربًا من حوض الاستحمام ليرى ما بداخله.
"ها، لا شيء إذًا."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة بمجرد أن رأى أنه لا يوجد شيء. في النهاية، كان بالفعل مخمورًا أكثر مما ظن.
للحظة، ظن أن شيئًا ما سيظهر داخل الحوض.
"حسنًا، لا يبدو أن هناك شيئًا، أظن. من المفترض أن أبحث عن السهم، صحيح؟"
ابتعد إدريس عن الحوض وبدأ يبحث في أماكن أخرى. وبسبب صعوبة الرؤية، أصبح من العسير عليه أن يعثر على السهم الصغير.
"اللعنة. من هو العبقري الذي قرر جعل الإضاءة مظلمة إلى هذا الحد؟"
ازداد إدريس ضيقًا، فتقدّم نحو المغسلة وبدأ بتحريك المؤشر عشوائيًا، ينقر هنا وهناك محاولًا إيجاد أي دليل مخفي أمامه. ولكن، مهما حاول، لم يتمكن من العثور على شيء.
"اللعنة. تبًا."
وازداد إحباطه، فخدش جانب عنقه قبل أن يرفع الفأرة، ويواجه بها المرآة المحطمة التي تعلو المغسلة.
"هذا الأمر بدأ يصير—!"
وفي منتصف كلماته، تغيّر تعبيره، وكاد قلبه يقفز من صدره حين لمح ظلًا طويلًا يتربّص به من الخلف مباشرة.
ارتعشت يده وسحب الفأرة بسرعة، لكن حين تحركت الشاشة، تجمّد في مكانه.
لم يكن هناك شيء خلفه.
"هاه…؟ أقسم أنني رأيت شيئًا."
وحين أعاد نظره إلى المرآة، لم يرَ سوى انعكاس شخصية اللعبة المكسور.
قطّب إدريس جبينه، ثم التفت إلى الكاميرا.
"لا أظن أنني توهمت. قد تكون مجرد خدعة من اللعبة. على أي حال، ما الذي يفترض بي فعله الآن؟ لا يبدو أن هناك شيئًا يمكن إيجاده."
نقر. نقر. نقر.
واصل النقر في كل مكان، ثم نظر مجددًا إلى الكاميرا.
"هل ترى؟ لا يحدث شيء مهما نقرت. هل أغفلت شيئًا؟ أم أن اللعبة تعطلت؟ حسنًا، بما أنها من تطوير شخص واحد، فربما—"
توقفت حركة إدريس فجأة حين عاد بنظره إلى المرآة. وهذه المرة، تغيّر تعبيره كليًا.
"مـا هـذا…."
توقف تنفسه لا شعوريًا وهو يحدق في الأحرف الحمراء المنقوشة على سطح المرآة. كانت تبدو وكأنها كُتبت تَوًّا، إذ ما تزال الدماء تنساب على الزجاج المتشقق.
[ثمة أمر مريب بلا شك!]
[أنا… لا أتذكر. ذهني غائم.]
[أكاد لا أستطيع التفكير. إنه مؤلم بشدة. مؤلم، مؤلم، لكن…]
[مهما فعلت. لا تنظر.]
[لا تنظر!]
وعندما قرأ محتوى الرسالة، شعر بذلك.
دويّ!
تغير مفاجئ في الأجواء.
"لا أنظر؟ إلى ماذا يفترض بي ألا أنظر؟"
ازداد قلق إدريس، وأخذ يتلفت حوله بسرعة. لكنه، رغم ذلك، لم يرَ شيئًا. وفي النهاية، وجّه انتباهه نحو الباب.
"بما أنني وجدت الرسالة، أظن أنه ينبغي عليّ المغادرة، صحيح؟"
لم يضيع إدريس ثانية واحدة. حرك الشخصية خارج الغرفة وعاد إلى المنطقة الرئيسية. لكن، ما إن فعل، حتى تجمد في مكانه وتصلبت ملامحه.
"لماذا الظلام دامس هكذا؟"
نظر حوله، فلاحظ أن المكان أصبح أكثر ظُلمة مما كان. بالكاد يستطيع رؤية أي شيء، وحتى بعد أن زاد الإضاءة لأقصى حد، كان بالكاد يرى الطريق أمامه.
إلى أن…
وميض!
ظهر ضوء خافت خلفه، وبرز وجهٌ مسنّ عند قمة السلالم المؤدية للطابق الثاني.
"أوه، عزيزي."
ركّزت عيناها الجوفاء على إدريس وهي ترفع المصباح.
"يبدو أن المصابيح تحتاج إلى تغيير. وأرى أيضًا أنك أنهيت الطابق الأول. ما رأيك أن تصعد؟ ينبغي أن يكون المكان أكثر إشراقًا هنا بالأعلى."
لعق إدريس شفتيه عند سماع صوت العجوز. وكلما طالت نظرته لها، كلما شعر أن شيئًا ما ليس على ما يرام. لكنه، حين نظر حوله، أدرك الحقيقة…
لم يكن يملك خيارًا حقيقيًا.
وبيدٍ مترددة، حرك الشخصية للأمام. تسلقت شخصية اللعبة الدرج، وكل خطوة أطلقت أنينًا خافتًا تردد صداه عبر مكبرات صوت الحاسوب المحمول، ساحبةً وراءها شعورًا خانقًا بالقلق.
ولكي يخفف التوتر، نظر إلى الكاميرا وبدأ الحديث.
"يبدو أن الجزء التالي من اللعبة على وشك البدء. الطابق الأول كان على الأرجح مجرد مقدمة ليعتاد اللاعب على الوضع ويعرف أكثر عن الزوج. باختصار، كان لبناء الأجواء وتحديد النغمة. إن كنت محقًا، فهذه هي بداية اللعبة الحقيقية."
أخذ إدريس نفسًا عميقًا، ثم ابتسم.
"إن كان كذلك، فأنا مستعد."
"أوه، أنا سعيدة أنك مستعد."
"…!؟"
تبدلت ملامح إدريس فجأة وهو يلتفت نحو العجوز، وقد انحبس نفسه دفعة واحدة.
"هذا! هذا!"
ربما كان من الممكن تجاهله أول مرة… لكن مرة ثانية؟
لا يمكن أن تكون مصادفة!
’هـ… هل من الممكن أنها تسمع كلماتي؟’
لكن، كيف يمكن لهذا أن يحدث؟
ارتجف إدريس مع هذه الفكرة. ثبّت عينيه على العجوز، وجهها يقترب من الشاشة. ارتجفت شفتاه قليلًا.
لكن، بعد لحظة…
"تبدو متحمسًا حقًا، أيها الضابط. آمل حقًا أن تجد شيئًا."
وبابتسامة، ابتعدت العجوز قليلًا، كاشفة الغرفة التالية.
"…تفضل."
أشارت نحو الباب، وحين تبع إدريس نظرتها، تجمد تعبيره تمامًا.
ثم—
توتر جسده بالكامل.
واقفًا في الظل خلف الباب، كان هناك كيان أسود طويل ونحيف، يلوح كشبحٍ في الظلام. يرتدي قبعة متداعية مائلة بزاوية غير طبيعية. رأسه غارق في الظلال، يخفي ما يكمن تحته.
حينها شعر إدريس بذلك.
با… خفق! با… خفق!
نبضات قلبه المتسارعة.