قال ليونهارد بصوت خشن من فراشه حيث تجمّع جمع من أطباء وسحاة زوننفيلد ليعالجوا إصاباته الشنيعة: "قيل لي إن النزال سيُقاطع".
كان ماكسيميليان قد بدأ يضيق ذرعاً بالحلفاء الحمقى.
"كان الرئيس في طريقه بالفعل! لو صمدت وحدك فترة أطول بقليل..."
صاح وريث فيسن: "لو أخبرتني بنوع المسخ الذي سأواجهه لما وافقت على هذا أبداً!".
ممّا جعل الأطباء يتهافتون عليه أكثر حين بدأ الجرح الطويل على صدره ينزف من جديد.
"عَمَّ تتحدث أيها الأحمق... ادّعيت قدرتك على مجاراته بالسيف!".
"أستطيع!".
جلس ليونهارد مستقيمآ وقد شوه الغضب ملامحه.
"إنه بارع لكني أفضل منه!".
"إذن لمَ خسرت بهذه الطريقة المذهلة؟".
"ألم تشعر بذلك الأثر؟ هذا الشيء لا ينتمي إلى طالب! لقد أوقعت بي لكي...".
"احفظ لسانك يا سيادة ليونهارد".
أبقس فمه فجأة لكن ماكسيميليان تبين الغضب في عينيه.
"قد يصبح هذا مشكلة إن تركته دون مراقبة...".
"كفّ عن الأعذار الآن. أنتظر منك أداءً أفضل في المستقبل".
استدار ماكسيميليان بعنف وغادر الغرفة. كان هذا اليوم كارثة عظمى. بدت الخطة متماسكة. اعتمد على أن يطيل أرنولد أمد إحن لودفيج العلني، فهذا معقول تماماً. وكان سيحشد خلفه كل الساخطين من الشماليين. نصراً سهلاً لهوهنفلز. لكنه لم يفعل ذلك. أنهى النزال بسرعة ونظافة وترك لودفيج يحتفظ بقدر ضئيل من الكرامة. وبسبب هذا القرار العشوائي وغير المبرر انحدر كل شيء إلى الأسوأ. التوقيت لم يكن مضبوطاً.
والعبارات التي أعدّها لليونهارد لم تكن صحيحة.
كان يمكن إنقاذ الأمرين لو لم يخسر ذلك «الأسد»
بطريقة مثيرة للشفقة. وبالحديث عن الشفقة كانت بانتظار ماكسيميليان زيارة أخرى. اقتحم جناح لودفيج الواقع في الطابق الأعل من قاعة زوننفيلد. كان موضوع غضبه مستلقياً في فراشه يشكو لخطيبته. بدت كريستينا ممزقة بين التعاطف والضيق وسرعان ما غادرت الغرفة حين لاحظت اقتراب ماكسيميليان. رفع لودفيج رأسه ورماه بنظرة لاذعة.
"أعد على مسامعي سبب كون الفكرة جعل هذا الأمر علنياً صائبة؟!د".
بصق ماكسيميليان في المقابل: "أخبرني أنت لمَ كان تحدّي سيّد طين لنزال شريف فكرة صائبة. لقد اخترت أفضل مخرج لك. وقد نجح! الجميع يتحدثون عن النزال بين الوحشين عوضاً عن حماقتك".
هسّ لودفيج: "احذر. ما زلت دوق زوننفيلد المستقبلي".
وبقي قول «ولست سوى الابن الثالث»
حبيس السكوت.
"ليس إن واصلت التصرف هكذا!".
ازداد ماكسيميليان ضيقاً. كيف يمكن لشخص واحد أن يجتمع فيه هذا القدر من الكبرياء والبلادة في آن؟
"اخرج".
استدار ماكسيميليان للمرة الثانية دون أن يمنح الأحمق التفاتة أخرى.
= = = = =
جلس ماتياس فون فالكنشتاين في مقعده الوثير واكتوى بنار الغضب. الغضب تجاه الحمقى البغيضين من زوننفيلد وألتنغاو وويستمارك. الغضب تجاه المجانين من هوهنفلز. والغضب تجاه نفسه. مع وضع كل الاعتبارات بالحسبان كانت النتيجة مواتية. لقد هزم أرنولد خصومه ومسّخ نفسه قوة ضاربة مرهوبة. وستدين له زوننشتاين وويسن بتعويضات باهظة. لقد أُحبطت خطة ماكسيميليان الحمقاء ونجح وريث هوهنفلز في إنجاز غير متوقع تمثل في تعقّله لمرة واحدة.
ولم يعد تركيز الجميع منصباً على الصراع المحلي في الشرق بل عاد إلى مكانه الصحيح. لكن الثمن كان باهظاً للغاية. لقد أصابه الذعر عند سماعه بقرب هلاك الأميرة كلارا فعبّأ كل موارده على عجالة. والآن عرفت دوقيات الغرب إلى أي مدى يستطيع فالكنشتاين الذهاب. لقد كانت فوضى عارمة. لكن بارقة أمل واحدة ومضت وسط الفوضى: إلينور. كانت خطيبته تشرق حماسة وتوقاً. لقد كانت في عنصرها تماماً.
لم تمضِ ساعة دون أن تبتكر خطة أخرى أو استراتيجية أخرى أو تفصيلاً صغيراً فاتهما من قبل. وحتى الآن بينما كانت تمرر أصابعها بمواساة في شعره كانت تدندن بسعادة.
غرغر بصوت ناعم: "سأتناول الشاي مع الأميرة ماريا في وقت لاحق اليوم. أتريد مني إبلاغها بشيء يا عزيزي؟".
تنهد قائلاً: "أخبرها أنه يجب أن نخوض حديثاً طويلاً حول وضع إيزنغروند المالي".
قهقهت إلينور بابتهاج.
= = = = =
شعرت كلارا بصراع داخلي. فمن جهة كان رؤية وجه أرنولد ملطخاً بالدماء ومجروحاً يبعث في نفسها بهجة وسعادة عميقتين. ومن جهة أخرى كانت شاهدة عيان على صعود سمعة هوهنفلز إلى آفاق جديدة. ألا يمكن عشيرة الهمج تلك أن تتوقف عن إنجاب المسوخ؟ قد لا يرقى أرنولد أبدا إلى مستوى السيدة القائدة إليزابيث أو حتى الأحمق الكبير من حيث موهبة القتال الخام، لكن تحكمه في الأثر والسحر كان هائلاً بحد ذاته.
سيكون عليها إرسال رسالة إلى شقيقتها، فلعلّ يوهانا تستطيع تفسير سبب امتلاك هوهنفلز لخبراء أثر فجأة تحت تصرفه. كانت تلك المرأة المسمى كاتارينا لغزاً آخر. لقد تسللت هاربة بعد النزال بقلق بالغ لا يترك مجالاً لأكثر من وداع متعجل. لم تمانع كلارا في ذلك حقاً فكل تلك التشكليات كانت تثير أعصابها على أي حال. ومع ذلك كانت كلماتها السابقة مقلقة. أكانت تكذب بشأن نوايا أرنولد؟
سيكون ذلك تصرفاً أشبه بأهل الحرير. لكن إن كانت تقول الحقيقة فهذا أدعى للقلق. أكان يستغلها وسيطاً لتوصيل مطالبه مقابل إنقاذ حياتها؟ إن كان الأمر كذلك فلمَ؟ سيكون فعله بنفسه أفضل بكثير، ما لم تكن شنيعة لدرجة تثير نزالاً في الحال. كانت كلارا تعي سمعتها المستحقة تماماً بوصفها برميل بارود بشري، وتجنب غضبها الفوري قد يكون التصرف الحصيف. ولكن متى كان هوهنفلز حصيفاً؟ مع ذلك فقد وافقت على مقترح كاتارينا.
لقد مرّ وقت طويل جداً منذ حفل الشاي الأخير لها... وتمنّت كلارا باخلاص أن تكون على قدر المسؤولية.
= = = = =
قَالَ فريدريش بإصرار: "ممنوع الدخول".
كَانَ يقف حارساً أمام باب الأمير أرنولد، جاعلاً من نفسه جبلاً راسخاً يسدّ على كاتارينا الطريق. تجرّعت شعورها بالإحباط والقلق.
قَالَت: "أؤكد لك أن الأمر في غاية الأهمي..."
انفتح الباب، وخرج من الغرفة فريق من الخيميائيين والأطباء يتبادلون تمتمات خفيضة. لم تمضِ سوى لحظات حتى أطلّ الأمير برأسه المضمّاد على الممرّ.
قال بتعب: "الأمر بخير يا فريتز. يمكنها الدخول".
أومأ فريدريش وتنحّى جانباً. تبعته كاتارينا إلى ردهته. بدت ذات سحر ريفي هادئ، هكذا ظنت. كانت تبدو مفارقة للزمن ككل قاعة هوهنفلز، لكن الألوان الترابية الهادئة والأثاث المتين أعادا إلى ذهنها قصر عائلتها الريفي. تهاوى أرنولد على أريكة وهو غارق في التعب والإرهاق. بعد صراع سريع مع إحساسها باللياقة، جلست بجانبه مباشرة. رفع نظره وابتسامة متعبة على محياه.
قال: "ما الذي حدث لتلك اللياقة الخاصة بك؟"
عبست وقالت: "أترغب في أن أرحل إذن؟"، لكنها لم تكن جادة في طلبها.
قال وهو يستند بظهره إلى الأريكة الوثيرة: "على العكس تماماً. أنا أستمتع بصحبتك".
على الرغم من توترها وقلقها، شعرت كاتارينا بسخونة تسري في وجهها قليلاً.
سألت بعد أن استعادة هدوءها: "كيف حالك؟"
"أفضل مما توقعت. ساعدني الألم على الحفاظ على ذهني صافياً. لا زلت أعاني من صداع حاد، لكنه يتحسّن تدريجياً".
سألت بتردد: "وماذا عن... وجهك؟"
هز كتفيه.
"الضمادات مجرد مظهر شكلي. رفض الأطباء المغادرة دون وضعها. هل يمكنك مساعدتي في إزالتها؟ كنت لأفعل ذلك بنفسي، لكنهم أتقنوا عملهم بشكل مبالغ فيه".
"أترى في ذلك حكمة...؟"
"لقد رأيت قدرتي على التجدد. لقد مضت ساعات على النزال".
"حسناً".
انحنت كاتارينا وبدأت تزيل برفق القماش الذي يغطي الجانب الأيسر من وجهه. لم يكن هناك أي أثر للدماء، مما منحها ثقة أكبر بكثير لإزالة الضمادات دون تردد. عندما نزلت القطعة الأخيرة، لم تستطع منع نفسها من الارتجاف ألماً.
تنهد الأمير وقال: "ممم، يبدو سيئاً حقاً، أليس كذلك؟ لا أظنه سيزول أبداً".
زيّن وجهه ندبة حمراء جديدة، تمتد من صدغه الأيسر وصولاً إلى زاوية فمه. كان سحره لا يزال يصلح اللحم تحته. حتى من مسافة بعيدة، شعرت بالحرارة المنبعثة منها.
تمتمت سهواً: "حين يتقبل الجسد ندبة ما، فلن تلتئم تماماً عبر التجدد أبداً. حتى لو أزلت الجلد بالكامل، فستنمو الندبة من جديد".
رفع حاجبيه وقال: "هذا ما قالته رئيسة الخيميائيين حرفياً. تقريباً".
أوضحت وهي تشعر بالحرج: "آه، عذراً. لقد التهمت الكتب الطبية بمعناها الحرفي حين كنت أصغر سناً".
"ولمَ قد تقرأ ابنة كونت إمبراطوري كتباً طبية؟"
تنهدت كاتارينا وهي تجلس مجدداً، لتجد نفسها بطريقة عفوية أقرب إليه قليلاً من ذي قبل، وقالت: "سألت أمي السؤال ذاته مراراً. حين كنت طفلة، رغبتُ في أن أصبح صيدلانية. أظن أن بعضاً من ذلك الاهتمام قد بقي عالقاً حتى بعد أن اصطدمت بواقع الحياة".
راقبت ردة فعله باهتمام شديد، لكنه بدا كععادة غير مبالٍ بقربها. جرح ذلك غرورها قليلاً. وكأنه أراد التأكيد على إزعاجها، اصطدم أرنولد بكتفها بخفة. كظمت احمرار وجهها المتصاعد. 'الرباطة جُبنٌ... لا بل قوة!'
تساءل قائلاً: "ألهذا السبب أنتِ بارعة جداً في ربط الضمادات؟ لم أظن أن المرء يتعلم ذلك من الكتب وحدها".
قالت وهي تلعن نفسها صمتٍ على تلعتمها كحمقاء: "أأنا... في الواقع لم أتعلم من الكتب. جعلت طبيب بلاطنا يعلمني ذلك".
"أبهرتني حقاً. الكثير من الفرسان والجنود في خدمة أبي أسوأ حالاً منكِ في ذلك، حتى بعد سنوات من الممارسة الميدانية".
سمحت لنفسها بالاستمتاع بالمديح لفترة.
قالت بسعادة وبزهو: "شكراً لك".
لمفاجأتها وسرورها، أدار أرنولد وجهه فجأة. أيقنت تماماً أنه لولا الندبة الجديدة لكان وجهه محتقناً بحمرة خفيفة. سعّل بخفة ليستعيد رباطة جأشه.
"أحم. لقد ذكرتِ أمراً عاجلاً آنفاً؟"
كادت كاتارينا تنتفض. لقد نَسيت تماماً سبب زيارتها — باستثناء الاطمئنان على حليفها الوحيد بطبيعة الحال.
سردت قائلة: "نجل. تواصلت مع الأميرة كلارا، ورتبت لحفلة شاي. يبدو أنها بحالة جيدة، لذا يمكننا اعتبار شفائها على يد الكنيسة أمراً مؤكداً".
أثنى عليها قائلاً: "عمل رائع. هذا يعني أن لدينا قناة اتصال موثوقة مع آيزنغروند. أمر قد يثبت نفعه قريباً لا لاحقاً".
فكرت كاتارينا قائلة: "بسبب الشفاء؟"
أكان الأمير يبحث عن طريقة لاستغلال أزمة آيزنغروند المالية الوشيحة؟
أوضحت بملامح متأملة: "بالتأكيد. لا توجد طريقة تستطيع بها آيزنغروند دفع ثمنه من مالها الخاص. مما يعني إما أن تبيع روحها للغرب، أو تتنازل عن أراضٍ لصالح هوهنفلز".
"أنت تقصد المناجم في المناطق الحدوديّة، أظن ذلك؟"
"بالضبط. تقنياً، ستكون مارباخ مشترياً محتملاً أيضاً، لكنهم يفتقرون إلى الأموال اللازمة لتطوير المنطقة بعد الاستحواذ عليها. ولن يرغبوا في تعريض تحالفنا للخطر من أجل مناجم لا يمكنهم حتى استغلالها".
قلّبت كاتارينا الأمر في ذهنها. بناءً على كلماته، كانت هوهنفلز ثرية بما يكفي لتحمل تكاليف شراء المنطقة وتطويرها معاً، وهو ما لم يتطابق تماماً مع ما عرفته عن الشرق.
سألته وهي تحافظ على نبرة فضول حيادية كي لا تسبب إحراجاً بلا داعٍ: "هوهنفلز بهذه الثروة حقاً؟"
اعترف قائلاً: "ليس تماماً. لكنني حدثتك عن قواربنا البخارية الثلاثة الجديدة، أليس كذلك؟ يمكنها المساعدة في تمويل تطوير المناجم إن استغنينا عن بعض الإصلاحات. وفقاً لتقديراتي الهاوية بطبيعة الحال، سيكون الأمر مجدياً وأكثر".
لم تكن خبيرة اقتصادية هي الأخرى، لكن ذلك بدا منطقياً. كانت هناك فرصة عظيمة تنتظرها هنا — تماماً ما كانت تبحث عنه. قررت أن تكون مباشرة بدلاً من المماطلة.
"إذن، تريد مني تسهيل المفاوضات؟"
سخر أرنولد من ذلك.
"هاه، أتمنى ذلك. هذا أمر بين أبي والدوق ألبرخت. وكل ما يمكننا فعله هو محاولة جعل ابنته تكرهني بدرجة أقل قليلاً".
شعرت كاتارينا كأنها حمقاء. فقد غفلت لحظة، غارقة في طموحاتها الخاصة، عن أنها لا تحدث حاكم المقاطعة بل ابنه.
"أأنا... أدرك ذلك. لكن كيف ينبغي لنا فعل ذلك؟"
هز كتفيه قائلاً: "لا أدري حقاً. هي تلوم هوهنفلز على خطأ في استراتيجية آيزنغروند خلال الحرب الأخيرة مع بولانيا، مما أدى إلى مقتل شقيقها".
تجمدت كاتارينا مكانها.
"عذراً؟"
ابتسم وقال: "أجل، الأمر... معقد. لكنك خبيرة، أليس كذلك؟ أنا متأكد من أنك ستجدين سبيلاً".
كان ومض المرح في عينيه أشد ما يكون استفزازاً.