استعدّ أرني لمواجهة سيل الطموح والحسابات المتدفّقة من هالة كاتارينا. كشفت له حدّة مشاعرها الخالصة عن التيارات الخفية بيسر. أسعده ما لمسه كثيراً. لم تحمل نحوه أيّ ضغينة، في الوقت الراهن على الأقلّ. راوده قلق شديد بعدما كشفت محاولتيه لاختلال توازنها. غير أنها لم تبدُ حاقدة. سعت جاهدة، عوضاً عن ذلك، لتبين طريقة جني أقصى فائدة من عرضه.
قالت بابتسامة مشاكسة: "اعتبرني مهتمّة... على سبيل التجربة. هل تضمر شيئاً محدّداً؟"
لم يضمر شيئاً في الواقع.
بدت فكرة تحويل الشابة الماكرة إلى حليفة مؤقتة وليدة اللحظة، إثر إدراكهما تشاركهما «سراً»
الآن. حرص اثنوهما على طي صفحة أحداث اليوم، وتفضيلهما التزام الطرف الآخر الصمت. مثّلت هذه الرابطة أساساً مثالياً لشراكة مثمرة، على حد تعبير والدة أرني. استحالت الثقة الكاملة بها بالطبع. لكن انطواءه على القدرة لتوظيف طموحها المخيف ذاك...
«سيتوجّب عليّ توخي بالغ الدقة في كتابة يومياتي».
قال أرني مستنداً بوقاحة على مكانته الأرفع لدفعها نحو كشف جزء من دوافعها على الأقلّ: "حسنناً، يعتمد هذا غالباً على أهدافك الحالية".
لم تقبل كاتارينا الأمر بصدر رحب، إذ تفشّت الإحباطات داخل هالتها. سرعان ما اكتست بمسحة انتقامية — واكتشف أرني السبب سريعاً.
ترنّمت برموش متراقصة: "ممم، أما كنت لتدعني أطالبك بوعدك قبل الخوض في ذلك؟"
«تبّاً، لقد نسيت أمر ذلك...»
استفساراً محاولاً إظهار ثقة تفوق ما يعتلجه: "حسناً. ما الذي تفضلين معرفته؟"
قالت وقد غدا وجهها جاداً فجأة: "أعترف... بأنني اضطربت للغاية حين عثرت عليك قبل قليل".
قلق. فضول.
بدأ نبض قلبه يتسارع وردّ: "أنا... أحم. أستطيع تخيّل ذلك. اعتذاري عن إظهار مشهد دمويّ مماثل لك، وأشكرك مجدداً على هبّتك لنجدتي".
ابْتَسَمَتْ.
إخلاصٌ: "لا عليك. سررت بتقديم العون".
وأردفت: "مع ذلك، يراودني الفضول حيال كيفية انتهائك في ذلك الموقف".
ساءت الأمور. ترجّى تجاهل كاتارينا للأمر مجاملةً، لكن كان جديراً به إدراك غير ذلك. بماذا يجيبها؟ استحال الحقيقة خياراً، رغبةً منه في تفادي قضاء ما تبقى من عمره القصير في زنزانة إمبراطورية. ورفض الإجابة البحت لم يكن متاحاً البتة. فقد أعطى عهده، والنكوص عنه سيشوب كل تفاعل مستقبلي معها. زوّدته والدة أرني بشتى الطرق المفصلة لصدّ هكذا استفسارات لسنوات.
تمثل المبدأ الأهم في الاستهلال بـ«كذبة تغطية»
تحوي قدراً ملائماً من الثغرات: شحيحة للدرجة التي تبدو معها محاولة كذب جادة، ووفيرة لتتيح لأحدهم الإمساك بطرف الخيوط. توجب عليه الحرص البالغ، لنباهة كاتارينا المفرطة. بدت من جهة أخرى كامرأة تميل للاستهانة بخصومها والنشوة بنصرها، وصُمّمت تلك الكذبة لاستغلال مزاج مماثل.
أرغم نفسه على الارتجاف، منخرطاً في قلق حقيقي انتابه: "يصعب قليلاً الاعتراف بهذا، لكن... حين قاتلت في باتول، طوّقتني فرقة من الكيشيغ ذات مرة. كادوا يقضون عليّ".
أدار بصره جانباً، محافظاً على ارتكاز حواسه صوب هالة كاتارينا: "غدا التعامل مع الحشود... عسيراً منذ ذلك الحين. ويغدو الأمر أحياناً... أكثر من المعتاد".
درست كلماته لهيهة، وتنازعت هالتها الشكوك والتعاطف. وانتصرت الشكوك في المطاف.
قالت بلطف: "لا بدّ أنك محارب شرس بحق، لتنجو من تطويق فرقة كيشيغ بأسرها".
"أنا— ألتقيت بابن عمي فردريش، أليس كذلك؟ هبّ لنجدتي في الرمق الأخير لإنقاذ حياتي! ولم تكن فرقة كاملة. فقد فقدت نصف عددها في المعركة الدائرة".
"مع ذلك، شابّان في مواجهة عشرات من نخبة فرسان السهول؟ أعلن إعجابي!"
خالفت نبرتها البتهجة سخرية كلماتهم الوحشية.
"حسناً، نحن— آآه"، تظاهر بالانحناء وفرك عينيه.
تمنّعت بعبوس، رغم ترنّم هالتها بالظفر: "لا أصدق إقدامك على فعلي هذا، بعدما بثثت مشاعري".
«أوقعت بك».
تنهّد: "الأمر... أنا آسف. إنها مسقجة يشوبها عناء بالغ في الحديث عنها".
تذمّرت.
استياءٌ: "تماماً كحالتي".
"ولكن—"
"أعطيتني وعدك!"
قمع ابتسامة تصاعدت إثر استشعاره لنبرة السخط الطفولي داخل هالتها. استاءت حقاً.
"... حسناً. لا أستطيع إخبارك بكل شيء مع ذلك".
"تبّاً. امضِ في حديثك فحسب!"
قال بصوت خفيض وحازم: "... حسناً. بشرط واحد، أن تحلفي على طي السرّ وعدم البثّ به لأحد".
التقطت كاتارينا التحول النغمي فوراً.
"أقسم".
فاجأته حواسه بخلوص نيتها في ذلك.
سألت باهتمام جليّ: "أأنت محقّ بافتراض خضوعك لمراسيم التثبيت؟"
"نجل، بالطبع. لمَ تسألين؟"
"وأنا كذلك. تقنياً".
عصف موج صدع هائل بهالتها فور إدراكها لتبعات كلماته.
"أنت— تقصد..."
مثّل التثبيت الطقس الأهم تالياً للعماد في حياة الأرستقراطي الإمبراطوروي. يُجرى في حدود عامه الثاني عشر باحتفال مهيب لتأجيج سحر كامن لشاب نبيل. والقاسم المشترك بين الحضارات المسيحية طراً.
همس أرني: "أخشى تعذّري عن الخوض في التفاصيل. دعيني أقول إن «تثبيتي» شابه القليل من العطب. ونتيجةً لذلك، يعسر عليّ قضاء أوقات مطولة وسط أفراد نافذين. يتحمل الوضع حداً يبلغ ثلاثة أو أربعة، لكن..."
تمثّلت هالة كاتارينا اضطراباً، وقلقاً، وتياراً ظافراً — لحسن الحظ.
فكّر: «لقد ابتلعت الطعم. شكراً للمسيح».
لم يكذب عليها بأي حرف تقريباً، بل اقترب بشدة من الحقيقة. اتسم تثبيته بالمهزلة، إذ أُجّج سحره قبل أعوام بسريّة عبر طقوس متوارثة بآل هوهنفلز لأجيال لا تحصى. ولم يسر وفق المرتجى كذلك — وهنا مربط الفرس. صاغه ليشي بوقوع خطل، أفضى لتخريب أساسه السحرية وجعله عرضة لضغط الأهاوي. وهي حقيقة واقعة تقنياً أيضاً. مثلت صياغة نصف الحقيقة في غلاف بدعة ضمنيّة خطوة محسوبة، رغْم محفوفيتها النظرية.
أوحت بثقته لكتمان سر كارثي محتمل، رغم انعدام خطر فعليّ يهدد آل هوهنفلز. استطاع والده نفي المسألة برمتها، وباتت سيرة ليزا مصانة، وتحلّقت حولهم جبال من الشؤم والإشاعات على أي حال.
مرت لحظات تمعّنت كاتارينا خلالها بـ«الوحي».
اتسعت عيناها فجأة. اندهشت. افتخرت. ارتاحت.
وصرخت مذهولة: "لهذا السبب وُجدت الفضة الملعونة! تساعدك في درء الأهاوي. لذا تطلب تميمة بهذه القوة أيضاً!"
رفع يديه متنهداً بهزيمة مصطنعة: "آمل مسامحتي على إخفائي لتلك الجوانب".
أومأت مؤكدة: "بالتأكيد. أُثني بشدة على مشاركتك إياي، رغم إرغامي لك على ذلك"، أردفت بنبرة اعتذار.
خلت هالتها من الندم، لذا أخذ كلامها بحذر.
"إذن، أفلحتُ في إشباع فضولك؟"
ابتسمت بخبث: "ارتويت تماماً".
سرّ أرني لارتداء المكتبة عباءة الظلام وحرمانها من معاينة احمراره إزاء التلميح.
"فلنعد للموضوع السابق إذن"، اقترح فور استعادة أحباله الصوتية: "إلى أين ترغبين بالذهاب من هنا؟"
"همم..."
حاولت كاتارينا إخفاء أفكارها المتخبطة بهمهمة، لكن هالتها المتوترة فضحتها.
انكمشت مراراً وتكراراً، لتسترخي فجأة لدى حسمها لقرارها: "مادمنا تحدثنا بهذه السجية، فسأتابع على النهج ذاته. أيمتثل ذلك لرضاك؟"
قال رامياً ابتسامة: "سأقدر ذلك حقاً، كاتارينا".
بادلتها ابتسامة أبصر صعوبة التميز بها وسط الظلام: "إذن: طمحت لنسج روابط معك ومع الأميرة كلارا أيضاً، الكبار ذوي الشأن في الشرق".
استشعر أرني صدقاً غالباً منها، وهو ما بدا منطقياً للغاية. تمثل الحكمة في وضعها بتركيز الاهتمام على المناطق الأقل اتصالا بسوننشتاين. مع ذلك، لمعت مسحة خفية من الذنب والندم، عجز عن تبين كنهها بداية.
«لمَ قد— أوه».
سأل بنبرة خفيفة متعمدة: "أهكذا انطلقت تلك... الإشاعات المؤسفة؟"
انتفضت جسدياً لسماعه. ذعر. قلق. ذنب.
تمتمت بحياء: "أنا— نجل. لم أقصد حدوث ذلك، رغم عجزري عن إنكار ضلوعي".
"إذن أقترح استهلال تعاوننا بتسوية هذا الأمر".
وافقت على الطرح بسعادة: "سأبتهج للمساعدة. رغم غرابة نسب الفضل لحل مشكلة تسببت بها بنفسي..."
شاركه القهقهة: "لندع الحديث عن الفضل لحين..."
قاطع أرني نفسه إثر استشعاره لاقتراب هالة أحدهم. فأشار لكاتارينا، التي صمتت فوراً بدورها. غابت خطوات الأقدام عن السمع، لكن ظهر وجه شاب شاحب من خلف رف منهار جزئياً بعد لحظات. بدت ملابسه عتيقة حتى بمقاييس الشرق، وربط شعره الداكن على شكل ذيل حصان.
"آه، المعذرة، مولاي، مولاتي. لم أتوقع ألفي أحد هنا في مثل هذه الساعة".