هوهنفلز الفصل 15

اقرأ هوهنفلز الفصل 15 باللغة العربية على مانجا تايم.

بدت المكتبة هادئة، بينما حاول الشابان النبيلان بستماتة استعادة رباطة جُأْشهما. جلسا في صمت بدا وكأنه الدهر كله، إذ لم يكن أحدهما راغباً البتة في الكلام. كانت الشمس تغرب في الخارج، والضوء متعدد الألوان المتسلل عبر النافذة يزداد خبوّاً شيئاً فشيئاً. درست كاتارينا خياراتها. مع أن الموقف كان بعيداً كل البعد عن المثالية، إلا أنه ظل قابلاً للإنقاذ. شعرت بحرج بالغ لرؤيتها على تلك الهيئة، لكن الأمير ــــ لا، بل كان مؤكداً أن أرنولد يشعر بالشعور نفسه، وهو ما ضمن صمته حيال الحادثة على الأقل.

ألقت نظرة خاطفة على يده المُلطّخة بالدماء ولاحظت أن الجرح العميق قد تحول بالفعل إلى شريط من الجلد الفتيّ الباهت. كان عرضاً مثيراً للإعجاب لقدرات التجدد، ودليلاً على خضوعه لتدريب مكثف، وربما شاقّ. لاحظ هو نظرتها، فمرت عيناه على عينيها لفترة وجيزة بنظرة امتزجت بالانزعاج.

"كنت مخطئة"، هكذا فكرت.

"إنه هاوٍ حقاً".

لم تكن هناك سُبل تُمكّنه من تدريب سحره، وجسده، ومهاراته الحوارية إلى هذا المستوى الرفيع. كان أصغر من أن يُنجز مآثر كهذه، لا سيما إذا أخذ المرء في الاعتبار براعته المُرجّحة للغاية بالحصام وعدة أسلحة أخرى فوق ذلك. كان العديد من نبلاء الشرق ما زالوا يستخدمون السيف الطويل في القتال، لذا افترضت كاتارينا أن أرنولد يعلم كيف يتعامل معه. كان معظم الشباب النبلاء كفؤين بدرجة مقبولة على الأقل بالسيف القصير، ولم تشك في أنه كان بينهم.

حتى إنها تلقت بضعة دروع وربما استطاعت الصمود في مبارزة، هذا إن كانت تكترث لاكتشاف ذلك. منحها ذلك تقديراً متحفظاً للغاية لا يقل عن ثلاثة أسلحة يستطيع الأمير التعامل معها. وإلى جانب كل ما لاحظته سواها، فإن التدريب سيستغرق وقتاً طويلاً لدرجة تجعل أرنولد معجزة المعجزات إن أراد مجاراتها في ساحة المعركة الاجتماعية أيضاً. إذن، لمَ؟ لمَ كانت تقع دائماً في موقف الضعف؟ عادت عيناه لتستقر عليها فجأة، كأنه لاحظ تنامي غيظها.

"عليّ توخي الحظوة مع تعابيري"، وبّخت نفسها.

"انتظري. ماذا لو..."

بذلت كاتارينا قُصارى جهدها لئلا تظهر فجأَة ذعرِها على وجهها بينما أجرت أخفّ مسح لهالة تستطيع تدبيره. ولحسن الحظ، لم تجد أثراً لأي سبر، فسحت لنفسها مجالاً للاسترخاء مجدداً. عقدت العزم على توخي اليقظة على أي حال، على الرغم من الاستبعاد الشديد لتغلب شخص ما على تمويهها ثم خداع حواسها السلبية.

"لقد لاحظ محاولتي للسبر، لذا فالممر ليس مستحيلاً".

قال أرنولد بابتسامة ماكرة مزعجة: "بينما أقدر هذا الاهتمام، فإن نظرتك مشتتة للغاية يا سيدتي".

تطلب الأمر منها جهداً جباراً لتتفادى التكشير بامتعاض.

ردت قائلة: "أعتذر يا سمو الأمير. لا بد أن أفكاري قد شردت"، مستمتعة برؤية انزعاجه الواضح لسماعه اللقب.

ثم أدركت ما فعلته. ولحيرتها الشديدة، تنهّد بدل أن يوبخها.

قال بيأس: "لا تكوني شديدة الحذر هكذا. فلن أغضب بسبب بضع كلمات لاذعة. لقد كان عليّ التعامل مع لسان أختي السام طيلة حياتي".

تطلب الأمر منها بضع ضربات قلب لتجمع أفكارها وتجد الكلمات المناسبة.

"مع ذلك، أعتذر. لم يكن ذلك ملائِ...".

قاطعها قائلاً: "لا أبالي. كان الأمر أقل ملاءمة حين طلبت منك إسقاط الألقاب، ومع ذلك فعلت".

لقد فعلها مجدداً. كان الأمر أشبه بقراءته لأفكارها، وقد بلغ الإزعاج منها كل مبلغه. ومجدداً، لم تلحظ أي سبر. إذن، كيف؟ لقد حدث الأمر في غرفة الدراسة أيضاً، مما استبعد طقوس الوثنيين المبهمة التي كان يمكنه إعدادها مسبقاً.

قالت مصححة عن قصد لتؤكد قبولها لطلبه: "أظن ذلك، يا سمو... أرنولد".

رمقها بابتسامة متعبة لكنها صادقة.

قال: "شكراً لك. أنا أقدر ذلك يا كاتارينا".

بدا غريباً سماع اسمها يُلفظ بعفوية بالغة هكذا من شخص خارج عائلتها. أعاد إلى ذهنها طفولتها، حين كان أطفال الخدم أصغر من أن يكترثوا للمكانة. ولم تكره ذلك. بعد لحظات طويلة من الصمت، أخذ أرنولد نفساً عميقاً واعتدل في جلسته قليلاً.

"ما رأيك بالأمير لودفيغ؟"

أوقعها السؤال في مفاجأة تامة، وهو ما قصدته بلا شك. استغرقها الأمر بضعة نبضات قلب لتجميع أفكارها.

سألت آملة في كسب بضع لحظات إضافية للتفكير: "إنه لسؤال شائك للغاية بالنظر إلى أحداث هذه الليلة. أأزعجك بالخوض في مزيد من التفاصيل؟"

تحرك أرنولد بعدم ارتياح.

"لم أستطع إلا أن ألاحظ أنه... أحم. لا يبدو أنه يضمر لك قدراً كبيراً من التقدير. إن لم يكن ذلك طلباً ثقيلاً..."

كانت تتوقع إثارة هذا الموضوع وظنت أنها مستعدة، لكنها وجدت نفسها عاجزة حتى رغم ذلك عن كبح نوبة حارقة من الذعر والخجل. شعرت بالدم يتدفق إلى وجنتيها وأذنيها، مما زاد طين بلتها بلة.

"رباطة الجأش هي القوة".

تنبه أرنولد لتوّه لانزعاجها.

"أنا أعتذر، لم أقصد التسبب..."

تذمرت باستهجان مصطنع، مسارعة لإعادة بناء قناعها المتهالك: "لا أصدق أنك تضع سيدة في موقف محرج هكذا".

بدا عليه التأثر بالخزي.

قال: "أعتذر من كل قلبي عن استفساري الوقح".

لم يؤدِ تراجعه اللفظي إلا إلى إثارتها. بدا قبول الأمر خاطئاً، كالاعتراف بالهزيمة. هزيمة أمامه، وهزيمة أمام نفسها. علاوة على ذلك، كان بإمكانها جني مكسب من وراء ذلك أيضاً، إن تعاملت معه بالشكل الصحيح.

كذبت قائلة: "أنا بخير".

استطاعت أن تري في عينيه أنه لم يبتلع الأمر تماماً.

"سأروي لك القصة، إن أجبت عن سؤال لي بعد ذلك".

"...حتى أنك..."

مع أنه ضيق عينيه قليلاً في ريبة خفية سيئة الإخراج، إلا أن كاتارينا شعرت بالسرور. لم يكن بمقدورها طلب الكثير، لكنها كانت فرصة عظيمة مع ذلك.

تابعت قائلة: "شكراً لك. كنت مخطوبة يوماً للأمير أوغوست فون سونينشاين، الشقيق الأصغر للأمير لودفيغ. وقد أُبطلت الخطبة بعد أن تسببت في حادث مؤسف وأحرقت وجه الأمير لودفيغ. وكما رأيت سابقاً، فهو لم يسامحني، ومن المستبعد أن يفعل ذلك قط".

لم ينطق أرنولد بالسؤال المرتسم على وجهه، لكن جزءاً منها أراد الإجابة عنه بغض النظر عن ذلك. فضلاً عن ذلك، سيعرف الأمر على أي حال ــــ وكان الأفضل بكثير أن يسمع القصة منها لا من شخص آخر.

"لقد كان... خرقاً للآداب".

وإلى حرجها الشديد، عانت للعثور على الكلمات المناسبة للاستمرار. ولأول مرة، شعرت بالامتنان لإدراكه المخيف حين لاحظ محنتها وعرض تعليقات لتتشبث بها عقلها وترتب نفسها.

"لا بد أن ذلك كان خرقاً شنيعاً لكي يستدعي مثل هذه ردة الفعل".

"بدا الأمر في حينه بريئاً بما يكفي. كنت أرغب ببساطة في الإسهام برؤى إضافية، لذا..."

"رؤى إضافية؟"

"لقد تطرق الحديث إلى موضوع أدرسه جيداً، ولم أستطيع منع نفسي من... تقديم معلومات متناقضة".

"عائلة سونينشاين تفسخ خطبة لمجرد أنك تناقضين ذلك النرجسي؟"

ارتفع حاجباه في تشكك واستهجان. كان الأمر محبباً على نحو مدهش.

اعترفت وعاودها الخجل: "حسناً... هناك ما هو أكثر بقليل من ذلك. لقد صادف أن حدث الأمر علناً".

"مع ذلك، فهذا لا..."

"أثناء مأدبة عيد ميلاده".

"..."

قالت ضاحكة بلا حماسة: "أمام ما يقرب من مئتي ضيف".

"آه".

تحول تعبير أرنولد تدريجياً إلى تكشيرة ألم وتعاطف.

تنهدت لاعنة قنواتها الدمعية الخائنة بصمت: "أحسنت القول".

"تطلب الأمر من والدتي عددًا لا يحصى من الخدمات والوعود والصفقات لإنقاذي من تلك الورطة".

أدركت أنها ترتكب خطأً مجدداً. لم يكن عليها حقاً الحديث عن هذا. ستصلبها والدتها إن اكتشفت ذلك قط. لكنها وجدت نفسها عاجزة بطريقة ما عن التوقف.

"سأستغل الأمر على أكمل وجه إذن. الرجال ضعفاء أمام النساء الباكيات".

تذمر وبصوته تعاطف حقيقي: "بحق الجحيم، يبدو هذا مرعباً".

ضحكت ونحبت في آن واحد: "لقد كان كذلك. لن تصدق التوبيخ الذي كان عليّ احتماله!"

"ستتفاجأ. لقد سمعت نصيبي العادل من الشكاوى. "فكروا في عائلتنا!"

"إنه واجبك!"

"فقط اخرجي من حجرتك وتحدثي إلى الناس!"

"لا أعتقد أنني سمعت الأخيرة قط"، تغلغلت كاتارينا في الضحكة.

"لكن البقية تبدو مألوفة. فقط أضف وجبة ضخمة أخرى من اللوم خيبة الأمل، وستحصل على الصورة".

خرخر أرنولد، ليغير الموضوع فجأة: "الكلاسيكية القديمة. أفترض إذن أنك لم تعودي... مرتبطة كثيراً بعائلة سونينشاين؟"

وها قد حدث ذلك. ضربة بلا رحمة، تستغل حالتها النفسية. كانت تعلم أن لدموعها تأثيراً عليه، لكنه كان أقل وضوحاً بكثير مما كانت تأمل.

"قد يكون هاوياً، لكن لا يمكنني خفض حذري".

استخدمت كاتارينا كمّيها لتجفيف دموعها بعناية، فقد تبللت كل مناديلها بالدماء.

قالت كاتارينا: "يمكنك القول ذلك. ومع ذلك، فإن عائلة زيلبرتال بأكملها حليفة قديمة لهم، مما يضعني في موقف صعب إلى حد ما، كما قد تتخيل".

سأل بنبرة جادة متخفياً عن كل دهاقة وتاركاً إياها أمام سؤال صعب للإجابة: "أترومين العودة إلى حظوة سونينشاين الطيبة؟"

تنهدت قائلة: "كنت أفعل، حتى اليوم".

لم تكن كذبة حتى ــــ فتهكم الأمير لودفيغ العلني عليها لم يكن أمراً يمكنها التعافي منه في أي وقت قريب إن فعلت. الخضوع أمامه الآن لن يجعلها تبدو إلا مثيرة للشفقة ويلحق ضرراً أكبر بسمعة عائلة زيلبرتال.

"في تلك الحالة، أترينك منفتحة على... تعاون مؤقت؟"