استيقظ برايس مبكراً وجهز نفسه على ضوء سراج. جلس على سطح السفينة بعد ساعة. كانت الشمس تبزغ بالكاد بينما ينتظر التنين. بدأ يجمع معلومات مهمة عن الفصيلة التي يدرسها. أشبه بدليل وحوش مصغر. وحدها اللواحم كانت مدرجة حتى الآن. ولم يملك الكثير عن سلوكياتها سوى أنها شديدة الذكاء وتبدو مفضلة لكمين الصيد. حقيقة وقوع هجومين بعيد قضائه على اللحم الأول تعني وجود روابط اجتماعية قوية بما يكفي لتوليد شعور بالانتقام أيضاً.
أزعجه أمر واحد فقط. كيف أن اللواحم ارتدت قليلاً فحسب عند سماع صوت طلقات البندقية. لم يلاحظ ذلك وسط لهيب اللحظة. لكن عملياً يمكن تخويف كل الحيوانات بالأصوات العالية. طلقة البندقية أعلى صوتاً بكثير من أي شيء في الطبيعة تقريباً. فلماذا لم تهرب اللواحم؟ بدت الإجابة المنطقية الوحيدة هي أن اللحم الذي فر منه في اليوم الخامس والعشرين أخبر البقية بأمر طلقات النيران. لذا عرفن ما يجب توقعّه.
كانت فرضية استثنائية تفتقر إلى الأدلة الكافية. لا. تذكر برايس وجود دليل إضافي نسيه. بدت اللواحم كأنها تحاول استخدام الصواري ومداخن الدخان على سطح السفينة. لم يكن على الفارّة معرفة كيفية عمل البنادق. لكنها رأته يستعملها. فربما استنتجت أن البندقية يجب أن تُوَجَّه صوب الهدف. بطبيعة الحال، قد تملك اللواحم غريزة استخدام الأشجار للاحتماء عند الصيد لقطع خط الرؤية. لكن الأمر بدا شديد المصادفة كي يكون مجرد صدفة.
ووعد نفسه ألا يستهين بهن بعد الآن. رفع نظره عن ملاحظاته لما ظنه للمرة المئوية ولاحظ طائراً يحلق عالياً في كلاسء السماء. ضيق عينيه. ثم رفع المنظار. كلا. ليس طائراً البتة. ابتسم بحماس. أخرج برايس مرآة اليد من جيبه ليعكس ضوء الشمس صعوداً نحو التنين. متمنياً أن تتمكنا من رؤيتها من ذلك الارتفاع الشاهق. لم يعلم برايس إن كان التنين قادماً نحوه بالفعل أم لا. لكن الشكل البعيد بدا وكأنه يرفرف بجناحيه كمن يتعجل.
نوى برايس في البداية انتظار السطح ببساطة. كان ليقبع على السطح وحسب. لكنه تعلم درسه من الافتراضات الآن. سينتظر قرب المدخل. بندقيته في يده إلى جانب بضع قنابل صوتية في حمالة صدان تحسّباً لكون هذا التنين مختلفاً عن سابقه. شعر بالسخف كطفل يمثل دور جندي. لكنه لم يمتلك رفاهية المخاطرة بلا مبرر الآن. خُصصت القنابل البحرية لإخافة أي مفترسات محيطية تهدد السفينة عبر الانفجار في الماء.
ورغم تصميمها كرادع لا سلاح، إلا أنها ظلت قوية للغاية وربما أحدثت ضرراً بالغاً إن انفجرت قرب تننين. وحيث أمكن تجنب ذلك، فضل برايس تفادي قتل أي كائنات عاقلة. سيلقي الأسلحة بالطبع فور تأكده من كون هذا الفرد هو نفسه الذي التقى به. لن يعادي التنين الذي أنقذ حياته بغض النظر عن دوافعه أكانت إيثاراً أم أنانية. لم تكن استعداداته ذات فائدة هذه المرة لحسن الحظ. ومع اقتراب التنين، تمكن برايس من تمييز الندوب المتوازية الثلاثة التي لاحظها البارحة على كتفيه.
فخطا برايس نحو السطح ووضع أسلحته جانباً قبل الهرولة إلى مقدمة السطح. حين بلغ مقدمة السفينة كان التنين على بعد ثوانٍ من الهبوط. فأشار إلى الشاطئ متمنياً أن يهبط التنين هناك. ودد برايس انتظار التنين على الشاطئ. لكنه لم يرد المجازفة بلا داعٍ بالجلوس في العراء ليباغته أي لحم. بدت إشارته مفهومة للتنين. فهبط على الشاطئ عوضاً عن السطح مثيراً عاصفة هوجاء. انتظر برايس ركود عاصفة الرمل المصطنعة قبل تسلق الحاجز والانزلاق عبر الحبل الذي أعده مبكراً هذا الصباح.
هبط على الشاطئ بخفة ورفع بصره... مباشرة في وجه التنين المحدق به.
قال برايس ملوحاً بيده بتواضع: "أه... مرحباً؟"
قال التنين محدقاً به مباشرة: "غووووي؟"
حدق برايس بلا فهم. كان مشغولاً بمحاولة عدم الشعور بالرهبة حتى أصدر التنين صوتاً يشبه تماماً شرارة كهربائية. ورفع مخلباً مشيراً به مباشرة إلى جيب معطف برايس الذي يحوي المرآة. لم يملك وقتاً للتفكير في كيفية توليد التنين لشرارة كهربائية، إن كانت تلك هي ما حدثت بالفعل.
قال مادّاً المرآة ليكون وجه الزجاج باتجاه التنين: "آه، صحيح، تحب الأشياء اللامعة، أليس كذلك؟"
أدرك برايس متأخراً وجوب رؤية التنين له وهو يضع المرآة في جيبه من ذلك الارتفاع الهائل. فأي نوع من حادة البصر تملكه هذه الفصيلة؟ أرجع التنين رأسه للخلف لدى رؤيته انعكاسه مطلقا فحيحاً تحذيرياً. قفز برايس إلى الوراء استجابةً متفاجئاً بالعدوانية المفاجئة. لكن ومما بعث الارتياح في نفسه، هدأ التنين سريعاً بعد مفاجأته الأولى. تجهم مدركاً مدى حماقته. سيصاب أي كان بالذعر حتماً عند رؤية مرآة للمرة الأولى.
وسيمثل التنين المذعور خطراً بغض النظر عن النوايا. كان عليه تركها ملقاة في مكان ما ليتفقدها التنين بنفسه. كان التنين المعني يهز رأسه حالياً مراقباً انعكاسه يقلد حركته. مما لم يظهر سوى جزء من الرأس غالباً نظراً لصغر حجم المرآة. وضع برايس المرآة ببطء وظل بصر التنين مثبتاً بتركيز على انعكاسه. تراجع ببطء نحو السفينة وتوجه لالتقاط ثاني أكبر مرآة وضعها في مخزن البضائع. حملها صعوداً عبر المنحدر بحذر بينما واصل التنين فحص المرآة بفضول.
قال برايس متردداً: "أهلاً... أيها التنين؟"
لم يبدُ أن التنين سمعه في البداية. لكنه رفع رأسه بعد لحظات كما لو كان متردداً في نزع نظراته عن المرآة الصغيرة. ثم اتسعت عيناه مثبتين المقلتين على المرآة الكبيرة وتحرك جناحاه لترتفع إبهاماهما أعلى. سجل برايس ذهنياً تلك اللقطة من لغة الجسد باحتمالية دلالتها على الحماس بينما دعّم المرآة بعصا. سامحاً للتنين باستخدامها دون الحاجة لإمساكها من أجله. خطا التنين نحوه ناسياً المرآة الصغيرة على ما يبدو وهو يتفحص وجهه بتفصيل مائلًا رأسه تارة هكذا وتارة هكذا ثم فتح فمه متفحصاً حلقه.
أخرج برايس دفتر ملاحظات صغير من جيب صدره لتدوين بعض الملاحظات حول السلوكيات التي أبداها التنين. من بين كل الأنواع غير البشرية، وحدها الغرابيات اجتازت بنجاح اختبار التعرف الذاتي في المرآة. أيقن برايس قدرة التنين على الاجتياز نظراً لعقليته الواضحة. لكن مشاهدته وهو يستوعب المرآة بهذه السرعة ظلت مفاجئة. تمثلت المرآة الطبيعية الوحيدة التي خطر ببال برايس في سطح بحيرة ساكنة.
لذا لم يستحل على كائن يعيش في البرية تمييز المرآة بعد إعادة التفكير. لكنها ظلت علامة على ذكاء مذهل. تساءل باختصار عن حال إنسان لم يره مرآة قط. أثار ذلك التفكير تساؤل برايس حول احتمال تفوق ذكاء التناسق على البشر. وحسب ما رآه حتى الآن، بدوا في مستوى ذكاء بشري تقريباً إن لم يكن أعلى. لكن إن تمتعوا بكل ذلك الذكاء، فلمَ لم يطوروا أي أدوات أو علوم؟ احتمل عدم حمل هذا التنين لأي أدوات.
لكن إن امتلكوا قدراً من علوم المواد لما فوجئوا بالمرآة. منحت نظرة إلى الجسد مفتول العضلات والمخالب المسننة بخبث فكرة قوية لبرايس. لم يحتاجوها أبداً وببساطة. مقارنة بالحيوانات، بدا البشر ضعفاء بشكل مثير للشفقة مما أجبرهم على العمل معاً. ليؤدي ذلك نهاية المطاف إلى تطوير الثقافة والأدوات والتقنية. بطريقة ما، تسببت ضعة البشر بكونهم الكائنات المهيمنة على بيئتهم بينما وُلد التنانين أقوياء ببساطة.
أو لربما كان مخطئاً تماماً. تضمنت هذه النظرية ثغرة واحدة: امتلك التنين لغة منطوقة. تيقن برايس من امتلاكهم للغة نظراً لامتلاكهم أسماء. وإن امتلكوا لغة فهذا يعني التفاعل مع أبناء جنسهم. فالفرد لا يمكنه اختراع لغة دون وجود من يستخدمها معه. تراجع التنين للخط الخلفي متفحصاً جسده بالكامل في المرآة بينما غرق برايس في أفكاره. لاحظ برايس ترويح التنين لجناحيه بطريقة درامية وسارع برفع الكاميرا المتدلية حول عنقه لالتقاط صور.
توترت أشواك التنين والتفتت عيناه نحو الكاميرا حين أصدرت صوت الغالق ليعيد اهتمامه سريعاً إلى المرآة. التقط برايس جشعاً عدة صور خلال ثوانٍ. ثم لاحظ جشعة في نهاية أحد أغشية جناح التنين الأيمن. بدت كجرح كبير على إنسان ربما أطول من اتساع كفه. لكنها بالنسبة لتنين لابد وأنها بدت صغيرة نوعاً ما. لاحظ خلو الجناحين تماماً من الندوب رغم مظهرهما الهش. مما يعني قدرة الجناحين على تجديد التلف بكفاءة عالية.
سمع برايس بقدرة أجنحة الخفافيش المذهلة على التئام نفسها ذاتياً مع وفرة الغذاء والراحة.
أشار برايس نحو الإصابة متسائلاً: "جرح؟"
توقف التنين عن تفقد نفسه للحظات مميلا رأسه نحوه ثم نحو الجرح.
سأل التنين مشيراً إلى كتف برايس المصاب: "جو... رو... ح؟"
قال برايس مؤكداً: "جرح."
سارت تلك المداولة بشكل جيد. لكن ما أراد برايس معرفته بحق هو كيفية تلقي التنين للجرح وطرح السؤال بينما يعلم التنين مسمياتها...
حمل برايس إصبعاً مخترعاً فكرة وقال: "انتظر."
قبل التوجه إلى داخل السفينة. لم يبدُ أن التنين واجه مشكلة مع ذلك عائدًا لما بدا مشبوهاً كتهذيب لنفسه أمام المرآة. حسنأً، إنهما يستمتعان بالوقت على الأقل، هكذا فكر برايس وهو يبحث عن الصور التي التقطها.
حين عاد برايس، رفع صورة لجارح ميت. كان قد التقطها بالأمس بكاميرا فورية، إذ أراد بعض الصور المادية التي ينظر إليها بدلا من الاضطرار إلى استخدام عارض الأفلام.
حين تفضل التنين أخيرا بأن يشيح بنظره عن المرآة، قال: "صورة"، وهو يمد إليه الصورة.
لم يرد التنين، بل ظل يحدق في الصورة ويرمش، وأمال رأسه وأطلق أصواتا حلقية غريبة. أدرك برايس متأخرا جدا أن الصور ستكون غريبة أيضا على من لم ير صورة من قبل. حسنا، لعله لن يظنه ساحرا أو ما شابه. قال التنين بعد أن فرغ من كلامه... بلغة التنين؟ لغة دراكونية؟
قرر برايس أن يسميها الدراكونية: "ففو...تو".
ثم جلس على عقبيه، ومنح برايس نظرة حائرة لا يمكن وصفها إلا بالحيرة، وهو يشير إلى الصورة.
رفع برايس الكاميرا الفورية وقال: "كاميرا".
أمضى التنين بضع ثوان يتفحص هذا الشيء الغريب الجديد، ثم ردد: "كا...مير...ا".
أشار برايس من الكاميرا إلى الصورة، ثم علم التنين أول جملة له: "كاميرا، صورة. الكاميرا تصنع صورة"، قال وهو يصوب الكاميرا إلى التنين ويلتقط صورة لوجهه الفضولي.
ردد التنين على هيئة سؤال: "كا-ميرا تصنع صورة؟"، فيما أزيز الكاميرا يعلو وتخرج منها صورة ملونة للتنين.
خطف برايس الصورة وقلبها ليعرضها على التنين، الذي ظل يحدق فيها بعينين اتسعتا.
وبعد لحظات، أشار برايس إلى الجرح في جناح التنين وسأل: "ما الذي صنع الجرح؟"
ظل التنين مرتبكا بعض الشيء بسبب الصورة، لكنه قال: "...ما...ذا؟ ما الذي صنع الجرح؟"
بنبرة فسرها برايس على أنها حائرة.
لكن لحسن الحظ، بدا أن التنين أدرك أن كلمة "ماذا"
لا يمكن أن تعني إلا شيئا واحدا: "الجارح".
توقف برايس، محاولا أن يتذكر إن كان قد رأى تلك الإصابة في اليوم السابع والعشرين. كان واثقا إلى حد بعيد من أنه كان سيلحظ الجرح، ولم يتذكر أنه رآه. وهذا يعني أن الجرح أصيب به في الفترة بين أول أمس واليوم، أي إن الجوارح جرحت التنين بالأمس؟ أخرج برايس أول صورة كان قد عرضها عليه، وأشار إلى الجارح فيها.
"صنع الجرح؟"
رفع التنين إبهامه، فكتم برايس ابتسامة عند رؤية ذلك المنظر الغريب.
لم يكن هناك وقت أنسب من هذا لتعليمه كلمتي "نعم"
و"لا".
رفع برايس إبهام يده اليمنى، ثم أشار إليه بيده اليسرى وهو يقول: "نعم".
قال التنين: "...ييه... نعم".
خفض إبهامه، وأشار إليه من جديد، ثم قال: "لا".
"لا".
رائع. بعد أن ثبتت الأساسيات، حان وقت الأسئلة.
قال برايس وهو يرفع صورة الجارح من جديد: "هذه صورة".
رمش التنين في تساؤل، لكنه قال بنبرة مترددة: "نعم؟"
قال برايس مرة أخرى: "هذه".
لكنه أشار هذه المرة إلى الجارح في الصورة وقال: "هذا جارح... وهذا"، ثم استبدل الصورة بالصورة التي التقطها للتنين قبل قليل، "هذا تنين".
بدا أن التنين يتابع كلامه، فواصل برايس: "ما الذي صنع الجرح؟ هذا سؤال"، قال وهو ينطق كل كلمة على حدة بوضوح.
"نعم جواب. لا جواب".
قال التنين وهو يومئ برأسه: "سؤال، جواب".
قال برايس بحماس: "نعم! نعم ولا جواب!".
شعر بشيء من السخف وهو يتكلم كأنه رجل الكهف، لكنه كان بحاجة إلى بناء أساس أولا، وإلا لضاع التنين وارتبك. ثم أدرك بعد فوات الأوان أن التنين أومأ برأسه، وحاول أن يتذكر إن كان قد رآه يومئ من قبل، لكنه لم يكن متأكدا. سجل في ذهنه أن يسأل عن ذلك لاحقا.
سيكون من المثير للاهتمام جدا إن كان التنانين والبشر قد توصلوا، كل على حدة، إلى أن إيماء الرأس يعني "نعم".
كان التنين قد أمال رأسه مفكرا خلال الثواني القليلة الماضية، لكنه أشار الآن إلى الصورتين.
قال وهو يشير إلى صورة الجارح: "هذه"، ثم أشار إلى صورة نفسه وقال: "وهذه صورة".
قال برايس بحماس: "نعم!".
كان التنين يتابع أفضل بكثير مما توقع أو أمل.
وبالمناسبة، كان هذا وقتا مناسبا لتعليمه كلمة "أو".
سأل برايس: "ما الذي صنع الجرح؟"، لكنه أشار هذه المرة إلى إصابته في كتفه.
ثم قال وهو يشير إلى الجارح: "هذا"، وأشار إلى ساطوره الثاني، "أو هذا؟"
قال التنين وهو يشير إلى صورة الجارح: "الجارح".
قال برايس: "نعم!".
وتساءل للحظة إن كان ينبغي أن يعزز السلوك الإيجابي بطريقة ما، ربما بطعام من السفينة، لكنه صرف النظر عن الفكرة. قد يفكر في ذلك إن فقد التنين اهتمامه، أما الآن فكلاهما منخرط في الأمر بالقدر نفسه. ومن الأفضل أن يواصل تعليم الأشياء التي تثير اهتمام التنين.
قال وهو يشير إلى المرآة الكبيرة على الأرض: "مرآة".
قال التنين وهو يلقي نظرة أخرى على انعكاسه: "مي...ور... مير...ور".
قال برايس هذه المرة وهو يشير إلى الساطور: "سكين".
لم يرد استخدام كلمات معقدة الآن، وظن أن كلمة "ساطور"
قد تكون صعبة بعض الشيء.
"ني... فف..."
واصلا ذلك ساعات عدة، إذ كان برايس يشير إلى الأشياء ويسميها.
وكانت معظم الأسماء لأجزاء من جسد الإنسان والتنين، ولما يحيط بهما، مثل "الرمل"
و"الشجرة"
و"السفينة".
أبدى التنين اهتماما خاصا بالسفينة حين ذكرها برايس. فطرق الهيكل بضع مرات، فأصدر رنينا عميقا تردد صداه خارج فتحة الخروج.
سأل التنين: "ما السفينة؟"
حك برايس رأسه، غير واثق من كيفية المتابعة. كان شرح شيء كهذا معقدا جدا بحيث لا يمكنه استخدام إنجليزيتهما البدائية.
ولوح بيديه في ضعف وهو يحاول العثور على الكلمات التي يجيب بها، ثم قال في النهاية: "معقدة".
سأل التنين وهو يميل برأسه: "ما المعقد؟"
هز برايس كتفيه عاجزا. لكنه استطاع على الأقل أن يعلمه الكلمات اللازمة ليخبره بأنه سيشرح له لاحقا. أولا، كان يحتاج إلى الأعداد.
التقط برايس قضيب حديد وحفنة من الحصى، ورفع حصاة أمام التنين وقال: "حجر"، ثم أخذ يسقطها في أكوام، وبدأ يرسم في الرمل.
"هنا"، قال برايس، وهو يشير إلى الجدول الذي رسمه في الرمل.
اقترب التنين بضع خطوات، ومد عنقه ليتفحصه. أمضى لحظات يدقق في كل رقم، وبدا عليه الارتباك. بدأ برايس يتساءل إن كانت للتنانين لغة مكتوبة أصلا. كان يستطيع أن يعلمه الكلمات، لكن الأفضل أن يكون التنين قد عرف مفهومها من قبل، كي يبدأ من هناك. كان له عشرة مخالب، خمسة في كل طرف أمامي، لذلك افترض برايس أنه إن كان يعرف مفهوم الأعداد، فلا بد أن يكون نظامه عشريا مثل البشر. ربما كان مخطئا.
وقبل أن يتدخل، بدأ التنين يملأ الجدول، مستخدما مخالبه للرسم في الرمل. تنحى برايس جانبا ليفسح له المجال، وليحصل على رؤية أوضح وهو يعمل.
حسنا... كان النظام بديهيا على الأقل. أما الصفر فكان غريبا بلا شك. وكان من الغريب أيضا أنه بدا كأنما يرسم علامة على شيء ليشطب عليه. أمضى برايس بضع دقائق يجمع مزيدا من الحصى ويوسع الجدول. وحين انتهى، راقب التنين وهو يملؤه من جديد.
كان النظام بديهيا بلا شك، وتخيل برايس أنه يؤدي الغرض جيدا جدا إذا لم يكن التنين يحتاج إلا إلى تسجيل عدد من الأشياء. كان كل خط يرسم بمخلب واحد إلى خمسة مخالب، ولذلك كان رسم أي عدد من صفر إلى عشرة لا يتطلب أكثر من ضربتين، في حين أن عددا مثل 99 سيحتاج على الأرجح إلى أربع ضربات. أما عيب هذا النوع من الأنظمة العددية، فأنه يكاد يجعل إجراء أي عملية حسابية مستحيلا. التقط برايس صورا للجداول بكاميرا الأفلام وكاميرا التصوير الفوري، ثم ألقى نظرة أخرى على المخالب، وتحديدا على اللمعة الحمراء الغريبة فيها.
كان اللون الأحمر يدل عادة على وجود الحديد... فهل تحتوي مخالب التنانين على مركب من الحديد؟ ولماذا؟ بدا الأمر مذهلا، لكن المخالب العادية كانت كافية لقتل الفرائس، ولن تكون المخالب المحتوية على مركبات الحديد ميزة كبيرة إلى هذا الحد. لم يكن التطور يفعل شيئا بلا سبب. بل إنه كان يكتفي دائما بالحد الأدنى. فإذا نجح شيء، فلا داعي لتغييره. وهذا يعني أن التنانين لا بد أن تملك سببا يدفعها إلى الحاجة لمخالب أكثر متانة.
ألقى برايس نظرة على الأرقام التي حفرتها مخالب التنين. فإذا كانت تنقش الرموز في أشياء أصلب كالخشب، فربما كان ذلك سببا كافيا لتطور مخالب حديدية. ولم يكن استخدام نوع ما للحديد كي يقوي نفسه أمرا غير مسبوق. فللقنادس أسنان برتقالية داكنة تدخل مركبات الحديد في بنيتها، فتجعلها أكثر متانة. كانت تحتاج إلى ذلك لأنها تقضم الخشب، ولعل التنانين تستخدم الحديد لأغراض مشابهة. ربما كانت تحفر قطع الخشب لتبني الأعشاش أو الأدوات.
وربما كان لها فنون أيضا. كتم برايس ضحكة وهو يتخيل تنينا ينحت الخشب مثل شيخ عجوز. لم يكن برايس عالما في الأنثروبولوجيا. ولم يهتم بذلك الفرع من العلم اهتماما حقيقيا من قبل، لكنه بدأ يرى الآن ما فيه من جاذبية. أي ثقافات يمكن أن تنشئها فصيلة تبعد عن البشر كل هذا البعد؟ كان ذلك كافيا من التنظير في الوقت الحالي. التقط برايس العصا ليركز على مهمته التالية، وهي تعليم التنين نطق الأعداد.
أشار إلى المربع الخالي من الحصى وقال: "صفر".
"ز...ي...رو...؟"
أشار برايس إلى حصاة واحدة منفردة وقال: "واحد".
"و...احد."
"اثنان."
"اثنان."
واصل برايس الصعود من واحد إلى عشرة من دون حادثة تذكر، لكن حين بلغ أحد عشر، بدا أن التنين يحرك أشواكه في ما كان، على ما يبدو، علامة ارتباك. ومع ذلك ظل يردد الأعداد من بعده من دون خطأ، فواصل برايس. وبينما كان يعد، أدرك أن نظام العد لا يبدو منطقيا كثيرا إذا نظر إليه المرء من الخارج.
ما معنى "أحد عشر"؟
لا علاقة له بعشرة أو بواحد.
وكذلك "اثنا عشر".
أما "ثلاثة عشر"
فبدأ، على الأقل، يسلك نهج اللاحقة "عشر"، من دون أن يبدأ بـ"ثلاث"
بل بـ"ثلا".
وكان "أربعة عشر"
منطقيا على الأقل، لكن "خمسة عشر"
يعاني المشكلة نفسها التي يعانيها "ثلاثة عشر".
أما "ستة عشر"
و"سبعة عشر"
و"ثمانية عشر"
و"تسعة عشر"، فكانت منسجمة مثل "أربعة عشر"، على الأقل.
وحين بلغ برايس العشرين، أشار إلى الرقم الأول من جديد، ونظر إلى التنين نظرة مقصودة.
قال التنين: "واحد".
انتقل برايس إلى الرقم التالي.
قال التنين: "اثنان"، وكان صوته يكاد يوحي بالتردد.
أشار برايس إلى الرقم ثلاثة...
فردد التنين: "ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، أحد عشر، اثنا عشر، ثلاثة عشر، أربعة عشر، خمسة عشر، ستة عشر، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرون".
ظل برايس واقفا، وقد عقد الذهول لسانه. بدا أن للتنانين ذاكرة ممتازة، على الأقل حين يتعلق الأمر بالأصوات. لم يكن خطم التنين معبرا مثل وجه الإنسان قط، لكن برايس، لولا أنه يعرف أفضل من ذلك، لقال إن التنين كان يبدو مغرورا تماما.
قرأ برايس بقية الأرقام وصولاً إلى المائة بسرعة إذ بدا التعب يلوح على التنين. وانتقل بعد درس الأرقام ليجلب لوح غو من مستودع الشحن. وفرش غطاءً بلاستيكياً وأخرج عشرة أحجار وقلبها جميعاً إلى اللون الأسود.
قال برايس: "أسود"، ثم قلبها إلى اللون الأبيض.
"أبيض".
"أسود، أبيض".
وضع برايس حجراً واحداً في كفه وقال: "حجر".
ثم وضع حجراً آخر في كفه وقال: "أحجار".
وجمع الأحجار المتبقية كلها وقال: "أحجار".
ضيق التنين عينيه وهو يتدبر المسألة.
وبعد لحظات قال: "واحد حجر، اثنان أحجار، ثلاثة أحجار، أربعة أحجار...؟".
تنفس برايس الصعداء بارتياح كبير فقد كان يرجو ألّا يكون الجمع مجرداً أكثر من اللازم. وهو لا يدري إن كانت لغة التنين تحتوي على صيغ جمع من الأساس. لا بد أنه مفهوم غريب لمن لم يره من قبل.
قال برايس وهو يلتقط حجراً مفرداً: "واحد".
وقال وهو يشير إلى كومة الأحجار عند قدميه: "كثير".
التقط برايس حجراً بعيداً عن المجموعة وقلبه إلى الأسود وقال: "حجر واحد أسود"، ثم نقل حجراً أسود آخر إلى كفه وقال: "حجران أسودان".
وقبل أن يتمكن التنين من الرد قلب برايس حجراً آخر وقال: "ثلاثة أحجار سوداء... أربعة أحجار سوداء... خمسة أحجار سوداء..."
إلى أن قلب الأحجار العشرة كلها. وبدأ الكرة من جديد محركاً الأحجار بين كفيه المتشابكتين لخلطها عشوائياً. فتح كفه فكانت ستة بيضاء وأربعة سوداء.
قال برايس قبل أن يقلب حجرين أبيضين إلى أسودين: "بعض الأحجار بيضاء، بعض الأحجار سوداء... أغلب الأحجار بيضاء".
ثم قال: "بعض الأحجار بيضاء، بعض الأحجار سوداء... أغلب الأحجار سوداء".
ثم قلب سبعة إلى السوداء وقال: "كثير منها أسود، وبعضها أبيض".
وقلبها كلها إلى السوداء وقال: "كلها سوداء، وليس منها أبيض".
وقلبها كلها إلى البيضاء ورفع نظره إلى التنين بترقب.
أجاب التنين بيسر: "كلها بيضاء، وليس منها أسود".
قلبها لتصبح ثمانية بيضاء واثنين سوداء.
"أغلبها بيضاء، وبعضها سوداء".
حسناً بما أن التنين بات يفهم تلك الكلمات صار بإمكانه تعليمه كلمتي "أكثر من"
و"أقل من".
قال برايس وهو يرفع حصاة واحدة في كفه: "هذه أقل من ثلاثة".
وأعاد العبارة وهو يضيف حصاة أخرى إلى كفه.
قال وهو يرفع ثلاث حصيات في كفه: "هذه ثلاثة".
وأعاد الكرة مع أربع وخمس حصيات في كفه قائلاً: "هذه أكثر من ثلاثة".
وقال برايس وهو يرفع حصاة واحدة: "هل هذه أكثر من خمسة؟".
"لا".
قال برايس: "هل هذه أقل من سبعة؟".
"نعم".
ممتاز ما زال التنين يستوعب المفاهيم بيسر تام. ولننتقل الآن إلى ما هو أغرب بعض الشيء.
رفع برايس حجرين أسودين وقال: "هذا الحجر يشبه هذا الحجر"، ثم قلبهما معاً إلى اللون الأبيض وقال: "هذا الحجر يشبه هذا الحجر".
وقلب أحدها إلى الأسود وقال: "هذا الحجر لا يشبه هذا الحجر".
ظن أن الفرق بين كلمة "لا"
وكلمة "ليس"
معقد للغاية كي يُشرح الآن، وعلى أمل أن يتمكن من تعليم التنين الفرق لاحقاً بعد أن يرسخا الجوانب الأكثر أهمية. نظر التنين حوله على الشاطئ والتقط صدفة واحدة ثم أبعد بضع أصداف أخرى بإصبعه قبل أن ينتقي صدفة ثانية شبيهة بها ويضعها في كف مخالبه.
"سؤال: هل هذه الصدفة تشبه هذه الصدفة؟".
"جواب: نعم!".
ابتسم برايس فقد كانت فكرة رائعة أن يسبق الكلام بكلمة "سؤال"
إذ لم يكن أي منهما متأكداً مما إذا كان ما يقال سؤالاً أم لا، وكان يجدر به التفكير في ذلك بنفسه. بل إن التنين راح يطبق المفاهيم التي يطرحها على أشياء مختلفة، وكادت ذكائهم تكون مخيفة إن كان برايس صادقاً مع نفسه. وسينظر الآن إن كان التنين يستوعب المنطق الثنائي بيسر مماثل.
سأل وهو يرفع حجرين أسودين: "سؤال: هل هذا الحجر أبيض أم هذا الحجر أبيض؟".
"جواب: لا".
سأل وهو يقلب حجراً واحداً إلى الأبيض: "سؤال: هل هذا الحجر أبيض أم هذا الحجر أبيض؟".
"جواب: نعم".
سأل وهو يقلب الحجرين بحيث يظل أحدها أسود والآخر أبيض: "سؤال: هل هذا الحجر أبيض أم هذا الحجر أبيض؟".
"جواب: نعم".
سأل مرّة أخيرة وهو يقلب حجراً ليصبح كلاهما أبيضين: "سؤال: هل هذا الحجر أبيض أم هذا الحجر أبيض؟".
"جواب: نعم".
نظر برايس إلى التنين الذي بدا كمن ضاع تماماً.
سأل برايس مغيراً طريقته وهو يشير إلى الحجر الأبيض ثم إلى الأسود: "هل هذا الحجر أسود أم هذا الحجر أسود؟".
قال وهو يشير إلى الحجر الأسود: "نعم، هذا الحجر".
هه لقد أصابا الإجابة. تساءل برايس عما إذا كان قد فسّر صمته خطأ على أنه حيرة وجرّب مثالاً آخر ليتحقق من استيعابه الحقّ.
سأل برايس وهو يرفع حجرين أسودين: "هل هذا الحجر أبيض أم هذا الحجر أبيض؟".
أطلق التنين أصوات غرغرة غريبة وبسط أشواكه. أهي حيرة؟ أم شيء مختلف بعض الشيء؟
قال: "لا".
قال برايس: "نعم، جيد!"، فحتى وإن لم يكن التنين يستوعب معنى "أو"
تماماً فقد أرسى بعض الأساسيات على الأقل وهذا أكثر بكثير مما توقعه.
ثم كرر التمرين ذاته مبيناً هذه المرة معنى كلمة "و".
وبدا أن التنين استوعب المفهوم بيسر أكبر من مثال "أو"، أو ربما فطِن إلى ما يحاول برايس تعليمه إياه.
نظر برايس إلى الشمس التي أخذت تميل نحو المغيب في السماء. كان الوقت مناسباً لتعليم التنين ألواناً أخرى بعد أن فرغ لتوّه من تعليمه الأسود والأبيض. استخرج برايس موشوراً من جيبه وكان قطعة غيار للمنظار فتمسك به بقوة ريثما يُعرّف التنين بالشيء الذي أبدى اهتماماً بالقطعة البراقة الجديدة. تطلب الأمر بعض المحاولات لكن برايس تمكن في النهاية من تثبيت المشور على صندوق صغير بحيث يلقي بقوس قزح على الأرض.
قال برايس: "أحمر، برتقالي، أصفر، أخضر، أزرق، نيلي، بنفسجي".
ويبدو أن التنين يتمتع بذاكرة مثالية لذا كان مرتاحاً لتعليم الكلمات بوتيرة أسرع -رغم أنه ظل يحرص على نطق كل كلمة بوضوح-. وربما أسرع الخطى هذه المرة أكثر من اللازم. أمال التنين رأسه كما اعتاد أن يفعل حين يعتريه الحيرة.
أعاد برايس بوتيرة أبطأ هذه المرة: "أحمر. برتقالي. أصفر. أخضر. أزرق. نيلي. بنفسجي".
وقبل أن يتمكن برايس من منعه نقر التنين المشور بمخالبه بخفة واتسعت عيناه ذهولاً أمام حزم الضوء الملونة التي راحت ترقص على الرمال مع تحرك المشور. ابتسم برايس رغم انزعاجه اليسير. وكان من المحبب بصورة غريبة أن يرى مفترساً ضخماً وقوياً هكذا يبدي فضول الأطفال.
أتاحه له بضع لحظات أخرى قبل أن ينقر المكان الذي كان المشور فيه ويقول: "هنا".
وحين لم يُبدِ ذلك أي استجابة كرر الطلب بصوت أعلى. التفت إليه التنين هذه المرة وأعاد المشور إلى مكانه الأصلي على مضض رغم اضطرار برايس لإجراء بعض تعديلات لكي يعود قوس قزح مرئياً بوضوح مجدداً.
كرر برايس للمرة الثالثة: "أحمر، برتقالي، أصفر، أخضر، أزرق، نيلي، بنفسجي".
حرّك التنين غشاءه الرامش أو ما يعرف بالجفن الثالث- ولم يدرك برايس حتى أنهم يملكون ذلك، لكن لم يكن لديه متسع من الوقت للتفكير في تبعات الأمر لأن التنين مد مخالبه ونقر على... البقعة الفارغة المجاورة للأحمر ثم نقر البقعة الفارغة المجاورة للبنفسجي.
كرر التنين السؤال وهو ينقر البقعتين اللتين بدا عليما الخلو: "ما هذا؟... ما هذا؟".
حدق برايس بذهول لبضع لحظات قبل أن يتذكر أن الشمس تبعث أطوالاً موجية من الضوء تقع خارج النطاق المرئي تماماً.
ولا يستطيع البشر سوى رؤية جزء يسير من الطيف الكهرومغناطيسي المسمى بحق "طيف الضوء المرئي"
والذي يضم أطوالاً موجية ضوئية تتراوح من ثلاثمائة وثمانين نانومتراً إلى سبعمائة نانومتر. وكقاعدة عامة يستطيع ضوء الأشعة تحت الحمراء اختراق أي شيء يمر عبره الضوء المرئي، ولكن هل تستطيع الأشعة فوق البنفسجية اختراق زجاج المشور؟ يبدو أن بوسعها ذلك حُكْماً بناءً على رد فعل التنين، ولكن بأي أطوال موجية؟ اعتذر برايس لنفسه لحظة ليجد كتاباً مدرسياً يضم المعلومة التي يحتاجها: يُشار إلى الأشعة فوق البنفسجية ذات الطول الموجي البالغ مائتين وثمانين نانومتراً فما دون باسم الأشعة فوق البنفسجية سي، بينما يُطلق على الأشعة فوق البنفسجية بين مائتين وثمانين وثلاثمائة وعشرين نانومتراً اسم الأشعة فوق البنفسجية بي، وتلك التي تتراوح بين ثلاثمائة وعشرين وأربعمائة نانومتر فهي الأشعة فوق البنفسجية إيه.
و"سي"
قصيرة جداً لدرجة تمتصها طبقة الأوزون لذا لم يكن عليه التفكير في تلك الأطوال الموجية. أما أطوال الضوء الموجية البالغة ثلاثمائة وثلاثين نانومتراً فما فوق فتمر عبر أغلب أنواع الزجاج، وإن افترضنا أن هذا المشور مصنوع من الزجاج فهذا يعني أن المشور سيكون معتماً أمام الأشعة فوق البنفسجية بي. وهذا ما ترك نطاقاً من الأشعة فوق البنفسجية إيه بجوار نطاق البنفسجي ونطاقاً من الأشعة تحت الحمراء القريبة بجوار نطاق الأحمر وهو ما عجز برايس عن رؤيته.
لماذا يستطيع التنين رؤية الأشعة فوق البنفسجية؟ لا علم له بذلك. ربما يسمح لهم ذلك بتجاوز تمويه حيوانات معينة... كالديوراصات؟ كانت فكرة جيدة لكنها قد تُستخدم لأسئلة أخرى بيسر. لم يكن برايس متأكداً من أطول طول موجي للأشعة تحت الحمراء يستطيع المشور فصله، ولكن نظراً لأن التنين لم ينقر سوى على بقعة واحدة فقد خمن أنه أطول بنحو سبعين نانومتراً فقط من الطول الموجي للأحمر.
لماذا تطورت التنينات لتتمكن من رؤية الأشعة تحت الحمراء؟ يعلم برايس أن الأطوال الموجية الطويلة جداً للأشعة تحت الحمراء تخترق الغيوم، وهو ما يُمثل حاسة بالغة الأهمية للكائنات الطائرة، ولكن إن كان التنين قادراً على رؤية أطوال موجية أطول قليلاً من الأحمر فهذا لا يقيم وزناً. وهو يعلم أيضاً أن الطيور لا تملك القدرة على رؤية الأشعة تحت الحمراء لذا لا بد من سبب آخر...
وسيتعين عليه السؤال عن ذلك لاحقاً. كان برايس... مندهشاً تماماً فهو لا يعلم كائناً في المملكة الحيوانية قادراً على رؤية الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء. ومما يثير العجب أن الكائن الوحيد المعروف في المملكة الحيوانية الذي يحمل تلك الميزة هو السمكة الذهبية. ولم يتوصل إلى أي سبي يحدد أدنى طول موجي للأشعة فوق البنفسجية تستطيع التنينات رؤيته. فإن كان التنين قادراً على رؤية الضوء الأقل من ثلاثمائة وعشرين نانومتراً فسيظهر الزجاج ملوّناً قليلاً، وإن لم يكن فسيظهر الزجاج شفافاً، ولكن كيف يعلم التنين ما هو الشفاف؟
يحجب الماء الضوء فوق البنفسجي لذا سيبدو داكناً بعض الشيء، بالطريقة ذاتها التي يمتص بها الأحمر ويبعث الأزرق لذا... ربما إن استعمل القليل من الماء؟ ينبغي أن يكون ذلك شفافاً. أولاً كان عليه تسمية نطاقات الضوء.
قال وهو يشير إلى النطاقين غير المرئيين بجوار البنفسجي والأحمر: "أشعة فوق بنفسجية، وأشعة تحت حمراء".
ثم حاول توضيح أنه لا يستطيع رؤية نطاقات الضوء التي يستطيع التنين رؤيتها.
قال برايس وهو يشير إلى عينيه ثم إلى قوس قزح: "برايس نعم يرى".
وقال وهو يشير هذه المرة إلى عينيه ثم إلى نطاقي الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء: "برايس لا يرى".
أمال التنين رأسه ورمش بحيرة. ولم يلوم برايس عدم استيعابهم للأمر. فقد استغرق البشر وقتاً طلاباً ليدركوا وجود أنواع من الضوء نعجز عن رؤيتها، ولم يحسن هو شرح الأمر أيضاً. وبالانتقال إلى تجربته سكب برايس القليل من الماء العذب من زجاجة على كفه المقعر ورفع نظره إلى التنين.
"ماء".
قال التنين وهو يحول نظره عن قوس قزح: "...ماء".
وضع برايس حصاة سوداء في كفه بحيث تستقر تحت الماء ثم سأل: "سؤال: أنت ترى حجراً أسود، أصححيح؟".
"نعم".
"الحجر أسود، والماء شفاف".
"الماء ش... فاف".
أشار برايس إلى الزجاج.
"سؤال: هل الزجاج شفاف؟".
رمش التنين -بشكل طبيعي هذه المرة- وأجاب: "بعضه؟".
حسناً لقد حُسم الأمر؛ وبما أن الزجاج كان شفافاً بعض الشيء بالنسبة إليهم فهذا يعني أنهم يستطيعون رؤية امتصاص الأشعة فوق البنفسجية الأقل من ثلاثمائة وثلاثين نانومتراً. كاد برايس يعجز عن كبح نفسه فهو أول بشري في التاريخ بأسره يتعلم كل هذه الأمور! وكان يشتاق بشدة ليرى ما يراه التنين، وأي عالم يريانه!
وحيث علم التنين كلمة ماء طلب منه برايس الانتظار ريثما يجلب بعض الملح من المطبخ، ثم عاد وأشار إلى المحيط: "المحيط، المحيط ماء مالح".
ثم سكب القليل من الملح على كفه وقال: "هذا ملح".
انحنى التنين برأسه ومد لسانه ليتذوق الهواء فاتسعت عيناه دهشة.
قال بصوت يختلف قليلاً عن المعتاد: "...ممم...لح؟".
ولم يتبين برايس أي شعور كان ذلك. كان الملح نادراً وقيماً في فترة من الفترات، وربما كان قيماً للتنينات كذلك أيضاً؟ وبدا نظره متوقاً بشكل هزلي. جلب السفينة الكثير من الملح لأنه يُستخدم في تكييف اللحوم وحفظها. وباعتباره الشخص الوحيد هنا فقد امتلك برايس الكثير ليشاركه.
قال برايس وهو يمد الكيس: "خذ ملحاً".
قال التنين وارتفعت أجنحته قليلاً بينما سحب رأسه إلى الوراء -دهشة-.
وأكد برايس: "نعم، خذ"، ومد التنين يده ليقبض على كيس الورق بحذر بين مخلبين.
تحرك التنين وكأنه غير مرتاح. ثم مد يده ليحك موضعاً في ظهره مسبحاً عن قشرة منحها لبريس. تقبل برايس القشرة بحماس وبلغ عرضها ربما خمسة سنتيمترات وهي أكبر قشرة رآها على الإطلاق، لكن الأجمل من ذلك غياب لونها. وبدت قزحية قليلاً مثل العقيق أو الصدف لكنها كانت شفافة في الغالب. لا بد أن الجلد الواقع تحت القشور هو ما يمنحها لونها. لم يلتقِ التنين بنظراته تماماً حين قدمها وكأنه يظن أنها ليست أجراً كافياً للملح، لكن برايس غمرته السعادة لحصوله على قشرة ليدرسها لاحقاً.
ووضع برايس القشرة في جيبه بارتياح وقرر أن الوقت قد حان لطرح بعض الأسئلة الشخصية. لم يكن برايس فناناً بارعاً فخبرته الفنية تبدأ وتنتهي برسومات المخططات العلمية وتحديداً الخلايا منها، لذا استغرق دقيقة ليكرّس رسماً لتنين يمكن التعرف عليه في الرمال.
وحين انتهى أشار إليه برايس وقال: "تنين".
مد التنين رأسه ليتأمل الرسم. أمال رأسه يمنة ويسرة قبل أن يطلق هسرة ازدراء ثم محا الرسم بذنبه -كاد يطيح ببرايس-.
احتج برايس: "هhey!"، لكن التنين تجاهله إذ وضع مخلباً في الرمال وشرع بالرسم.
وبعد نصف دقيقة ظهر في الرمال رسم أفضل لتنين من الناحية الموضوعية. تصالب برايس ذراعيه وحدق في التنين الذي بدا غير نادم البتة. حسناً، لقد أجاب ذلك عن سؤال امتلاكهم للفن على الأقل. وبدا الرسم مُصاغاً بأسلوبية معينة إذ توسط الرمال بين الأيقونة والبورتريه وبدت الملامح المهمة مثل الأقدام والأجنحة والرأس والقرنين التوأمين المستقيمين واضحة تماماً. ومقاومة لرغبة في التذمر بذل برايس قصارى جهده لنسخ الرسم ويرسم تنفيناً ثانياً بجوار الأول.
وكان هذا نسخة مقبولة استناداً إلى حقيقة عدم إزالة التنين له من الوجود. ثم رسم خط شجرة عائلة يربط بين الاثنين ويشير إلى بيضة -تمنى برايس لو أنهم يبيضون وإلا فسيتعين عليه رسم تنين صغير... أيكون ذلك صغيراً؟ أم دركوناً؟ واختار برايس الأخيرة-.
قال برايس وهو يشير بالعصا أثناء حديثه: "هذا التنين وهذا التنين يصنعان بيضة".
أصدر التنين صوتاً أشبه بالهسرة الغريبة ردّاً على ذلك ثم مسح رسم برايس الثاني لتنين.
"هhey!".
وتجاهل برايس مرة أخرى ليرسم رسماً آخر، لكن هذا التنين كان أكبر حجماً بقليل من سابقه مع بعض العلامات حول رأسه. وكانت قرون التنين الأول مستقيم وطويلة، بينما امتلك التنين الثاني مجموعة قرون ملتفة كقرون الكبش. أومأ برايس برأسه وقد هدأ قليلاً. لقد رسم تنينين ذكرين أو أنثيين وهو غير متأكد ما إن كان جنس القرون المستقيمة ذكراً أم أنثى.
لم يكن برايس قد علّم التنين كلمة "أيهما"
بعد، وسبب ذلك أنه يستطيع قول شيء مثل: "أي تنين يصنع بيضة؟"
بينما يشير إلى التنينين. أشار التنين إلى ذي القرون الملتفة. ابتسم برايس وهو يلتقط صوراً للرسم -أول فن غير بشري يوثقه بشري! ومن الناحية التقنية كان عملاً فنياً مشتركاً أيضاً حتى وإن اقتصر ما رسمه على الخطوط والبيضة. وامتلك أخيراً تأكيداً على جنس التنين كذلك.
قال برايس وهو يشير إلى التنين ذي القرون المستقيمة ثم ذي القرون الملتفة: "ذكر، أنثى".
قال التنين وهو يشير إلى نفسه: "ذكر".
ولم يدرك برايس ما يقصده التنين حتى أشار إلى برايس.
"برايس، ذكر؟".
أمر غريب، فهو لم يرى بشراً من قبل فكيف خمن جنس برايس؟ ربما كانت محظوظة فحسب.
أكد برايس: "جواب: برايس ذكر"، وأومأ التنين.
والتالي في القائمة هو العمر، وهو ما يتطلب منه وضع كلمات تعبر عن الوقت.
قال برايس مشيراً إلى الجسم المذكور في السماء: "شمس".
"ششش... شمس".
قال برايس: "يوم"، ثم أشار إلى الشمس قبل أن يومئ نحو الأفق الغربي وإلى جوف الأرض ثم إلى الأفق الشرقي ليقف عند الشمس مجدداً.
"يوم".
أوضح برايس: "ثلاثمائة وخصة وستون يوماً هي سنة".
وأراد أن يقول "سنة واحدة"
لكن التنين قد يسيء تفسير ذلك ككلمة واحدة.
قال التنين ببطء وكأنه يتأمل كل كلمة: "ثلاثة... مائة... وخمسة... وستون... يوماً هي سنة".
لم يكن برايس متأكدًا ما إن كان التنين استوعب النظام العددي البشري بالكامل بعد لذا رسم ما ظن أنه الرمز التنيني للعدد ثلاثمائة وخمسة وستين:
انتفض التنين حين بدأ رسم الرقم وأصدر صوت هديل غريب. أكان ذلك... تشجيعاً؟ أم استحساناً؟ بدا التنين وكأنه يتعرف على الرقم بسرعة كبيرة، أترى التنينات تعرف كم تبلغ مدة السنة؟ لم تكن معرفة طول السنة أمراً بالبساطة التي تبدو عليها، سيما وأن هذه الجزيرة قد لا تعرف الفصول من الأساس. آمن معظم العلماء، وهو منهم، بأن الاحتمال الأرجح هو أن تتمتع الجزيرة بمناخ مستقر للغاية طوال العام لقربها الشديد من خط الاستواء، إضافة إلى احاطتها ببالوعة الحرارة الهائلة المتمثلة في المحيط.
إن لم تكن لديهم فصول واضحة، فلن تكون الوسيلة الوحيدة أمام المرء لمعرفة السنوات سوى مراقبة الشمس وملاحظة كيف تقصر الأيام وتطول في دورات، وتكون كمية الوقت من انقلاب صيفي إلى الذي يليه سنة واحدة.
"ثلاث مئة وخمسة وستون يوماً هي سنة"، ردد التنين بثقة أكبر هذه المرة.
"كم سنة ترى؟"
سأل برايس، وهي أقرب ما استطاع فعله لسؤال التنين عن عمره. ولعل ما لم يكن مفاجئاً هو أن التنين بدا مرتبكاً من هذه الصياغة. صارع برايس لإيجاد طريقة أفضل لصياغة السؤال، لكن شيئاً لم يخطر بباله، لذا سيكون عليه تعليم كلمات جديدة.
"سؤال: متى تأخذ خنزيراً؟ الجواب: قبل يومين"، قال برايس، ملوحاً بذراعه في قوسين بالاتجاه المعاكس لمسار الشمس، آملًا أن يكون المثال منطقياً.
"سؤال: متى يوقع المفترس جرحاً؟"
سأل، مشيراً إلى الشق في جناح التنين.
"...الجواب: قبل... يوم واحد..."
قال التنين، معيداً النظر في كل كلمة.
"نعم!"
قال برايس وهو يومئ بإبهامه بحماس. ثم خط خطاً يشير من البيضة إلى تنين صغير ملقياً نظرة على التنين ليتأكد من أنه لن يمحوَ هذا أيضاً.
"البيضة تصنع تنيناً، هي فقس"، شرح برايس.
"فـ...قس"، وافق التنين.
"سؤال: متى تفقس؟"
"قبل... اثنين... وخمسين سنة"، أجاب التنين.
حدق برايس بلا رمشة.
"...سؤال؟"
سأل حين رأى برايس متجفداً.
"أنا بخير"، قال برايس تلقائياً قبل أن يدرك أن التنين لن يفهم تلك الكلمات.
"قبل اثنين وخمسين سنة؟"
تأكد، فتلقى إيماءة ردّاً.
"سؤال: متى تفَقس؟"
سأل التنين.
"آه... قبل خمسين سنة"، قال برايس.
نخر التنين قبل أن يقول: "أنت بعض."
قطب برايس جبينه، محاولاً فك شفرة ما يعنيه التنين.
لقد علمه أن كلمة "بعض"
تُستخدم حين توجد كمية أقل، إذن فالتنين يدعوه... للصغير؟ أم القصير؟ أم الشاب؟ استبعد برايس هذه الفكرة؛ فما كان أحد ليدعوه شاباً قط، سيما حين صار لديه من الشعر الرمادي أكثر من المعتاد بعد محنه الأخيرة. علاوة على ذلك، لم يكن الأمر منطقياً بالنظر إلى أن التنين أكبر منه بسنتين فقط. بدا أن التنين المعني يدرك ارتباكه، فأشار إلى التنين الصغير الخارج من البيضة.
"سؤال: بعض؟"
"الجواب: تنين فقس قبل سنة واحدة هو شاب، ليس بعضاً"، قال برايس، آملًا أن يوضح ذلك الأمور.
أتى التنين بحركة إيماءة ردّاً على ذلك، فمضى برايس يسأل: "ليس شاباً هو عجوز، متى يفقس التنين العجوز؟"
"...تنين عجوز... تنين عجوز يفقس قبل أربع مئة، خمس مئة سنة."
"ماذا"، قال برايس لا إرادياً.
"تنين عجوز قبل أربع مئة سنة أو خمس مئة سنة يفَقس"، حاول التنين مجدداً، مخطئاً في مصدر ارتباكه.
هز برايس رأسه وخط رقم التنين لأربع مئة وخمس مئة ليتحقق مما إذا كان مخطئاً، فأومأ التنين مؤكداً.
"تنين شاب يصنع بيضة، متى فقست قبل كم من السنين؟"
حاول برايس، متسائلاً عن المدة التي تستغرقها التنينا كي تبلغ النضج الجنسي. أكان الذي يحدثه بالغاً أم مجرد يافع؟ كان برايس متأكداً تماماً — ويأمل — أن التنين ليس طفلاً.
"تنين شاب يصنع بيضة، تفقس قبل عشر سنوات"، أجاب التنين بسهولة.
أومأ برايس، كانت تلك مدة معقولة للنضج، رغم أن التنينا لا بد تنمو بشكل متفجر خلال تلك السنوات العشر.
والآن بعد أن فكر في الأمر، فإن الإشارة إلى التنين بـ "التنين"
باتت مزعجة. آمل أن يقبل اسماً يستطيع برايس نطقه. خط عدة تنينات أخرى في الرمال.
"تنينات"، قال وهو يشير بيده إشارة واسعة نحو تنينات الرمال.
ثم أشار إلى التنين متسائلاً.
"هورومح-ǂ"، أجاب التنين، صوتاً غريباً بلا كلمات لم يستطيع برايس حتى البدء في تقريبه باستخدام الأبجدية.
حان الوقت ليرى إن كان التنين سيقبل اسماً جديداً.
"فاثوم"، قال، مشيراً إلى التنين.
ربما قضى وقتاً أطول من اللازم في التفكير في اسم مناسب، لكن أول تنين يتحدث إلى إنسان يستحق اسماً جيداً. فكر في البداية في تسميته على غرار التنينات الأسطورية أو تلك الموجودة في القصص الشعبية، لكن ذلك سيكون مربكاً إن قدم التنين يوماً إلى بشر آخرين. وكانت تلك الأسماء تميل أيضاً لتكون متبجحة قليلاً، لكن من ناحية أخرى شعرت معظم أسماء البشر بأنها باهتة قليلاً لتكون مناسبة لتنين.
بدا اسم دريك بارداً بما يكفي، لكنه لم يعتبر الاسم لامتلاكه حساً في التسمية. لذا استقر رأيه في النهاية على فاثوم.
فللإسمن دلالات بحرية تناسب الحراشف ذات اللون الأزرق الداكن للتنين، ويعني ست أقدام في إشارة إلى نظام القياس البائد، لكن له معنى مزدوجاً أيضاً نظراً لأن التنينا سداسية الأرجل، ويعني فاثوم أيضاً الفهم، وهو ما يمتلك التنين استعداداً له بالتأكيد — "هورومح-ǂ"، قال التنين.
"...فاثوم"، ردد برايس، ظاناً أن التنين قد أساء الفهم.
"هورومح-ǂ"، قال التنين بعناد.
"فاثوم"، قال برايس، بحدة أكبر هذه المرة.
"هورومح-ǂ"، هس التنين، ونتأت أشواك رقبته للخارج.
رفع برايس يديه مهادناً وهو يفكر في خياراته. بدا التنين عاقلاً بما يكفي، لكنه لم يرغب في إزعاجه. وعلى حد علم برايس، قد تكون الأسماء مقدسة في ثقافتهم أو ما شابه. إن كان مصراً على التمسك باسمه، فربما حان وقت بعض الإقناع.
"فاثوم... يأخذ مرآة؟"
تودد برايس.
"هورومح-ǂ يأخذ مرآة"، قال التنين بتعنت.
"برايس لا يصنع نقرة هورومح"، قال برايس في مزيج متساوی من الضجر واليأس، فهو حقاً لا يرغب في الاستمرار في استخدام كلمة لا يستطيع حتى نطقها.
حدق به التنين لبضع لحظات بينما قاوم برايس الرغبة في إبعاد نظره عن تلك النظرة المشؤومة.
"...فاث...هم يأخذ مرآة"، تمتم، قاطعاً التواصل البصري وهو يقبل الاسم.
احتفل برايس صمت بهذا النجاح إلى أن لوّح فاثوم برأسه بسرعة وسدد مخلباً نحو برايس.
"غاروم"، قال فاثوم.
طرف برايس، ثم أشار إلى نفسه متسائلاً.
"غاروم"، أكد فاثوم.
"غاروم؟"
"غاروم"، وافق فاثوم، جالساً بجو هادئ وراضي.
لم يكن برايس متأكداً مما ينبغي عليه التفكير حيال تلقي لقب، لكنه افترض أنه عادل. تساءل حقاً عما يعنيه، واشتبه في أنه شيء مهين أو محتقر على الأقل. وبينما كان برايس حائراً إزاء هذا التطور غير المتوقع، خط فاثوم شيئاً في الرمال بينما كان يختلس النظر إليه دورياً. تفحص برايس رسوماته فرأى أنها مجموعة من البشر... أو هكذا كان متأكداً إلى حد كبير على الأقل. بدا كل إنسان أشبه بحرف إتش يعلوه دائرة وذراعان عند الكتفين.
مقاوماً الرغبة في إصلاح البشر المرسومين ليثأر من فاثوم، رسم بدلاً من ذلك عدة أشكال عصوية كتلك التي تُرى على أبواب دورات المياه.
"تنين"، قال فاثوم وهو يشير إلى رسم التينات، ثم أشار إلى الأشكال العصوية.
"سؤال؟"
آه، كان يسأل عما يسمي البشر أنفسهم به. مقرراً عدم تصحيح التنين الآن، أشار برايس إلى أحد الأشكال العصوية.
"إنسان"، قال.
"بشر"، أكد وهو يلوح بالعصا نحو جميع الأشكال العصوية.
"هي-مانز"، قال فاثوم، محركاً جناحيه قليلاً.
لم يستطع برايس معرفة ما يعنيه ذلك، لكنه ذكره بسؤال عما حدث.
"سؤال: جرح الجناح، مفترس يصنع؟"
سأل برايس، قاصداً السؤال عن سبب قتال التنين للمفترسات.
"نعم"، قال فاثوم، بدا مرتبكاً بوضوح من طرح برايس لذات السؤال.
ربما كان عليه تعليم كلمتي "كيف"
و"لماذا"، لكنه تشتت وخرج عن الموضوع عدة مرات اليوم...
رغم أن تلك كانت مفاهيم صعبة النقل بإنصاف.
"يطير"، قال برايس، مشيراً إلى جناحي التنين.
بدا فاثوم مرتبكاً، فرفرف بذراعيه لتوصيل الفكرة. نخر على أفعال برايس سخيفة، لكنه بدا كمن فهم الفكرة وأتى بحركة رفرفة ضعيفة للتعبير عن فهمه.
"سؤال: كيف يطير؟"
سأل برايس، ملوحاً بذراعيه، ومشيراً إلى جناحي التنين.
"الجواب: أجنحة"، قال برايس، مجيباً عن سؤاله لكي يستوعب التنين معنى كلمة "كيف".
أمال فاثوم رأسه، مفكراً أو مرتبكاً، فتابع برايس.
"سؤال: كيف يصنع المفترس جرحاً؟"
"الجواب: مخالب"، قال فاثوم، رافعاً مخلباً أمامياً وثنى المخالب.
تأفف برايس محبطاً؛
لم يكن ذنب فاثوم، لكنه كان يأمل أن يستطرد التنين في شرح "لماذا"
نظراً لعدم تأكده الحقيقي من كيفية تعليم معنى تلك الكلمة. مقرراً إعطاءه توضيحاً، التقط برايس قطعة قماش إضافية.
"قماش"، قال قبل أن يغطسها في المحيط.
"قماش يأخذ ماء"، شرح وهو يعصر القماش، مخرجاً الماء منه.
"سؤال: لماذا يأخذ القماش ماء؟ الجواب: المحيط."
استطاع العثور على محارة صغيرة على الشاطئ بعد دقيقة من البحث.
"محارة"، قال، مشيراً إلى الرخويات التي وضعها على صخرة مسطحة.
ثم أمسك مطرقة وحطم القذيفة مفتوحة.
"قتل"، قال.
"برايس يقتل محارة. سؤال: لماذا يقتل فاثوم المفترسات؟"
سأل، آملًا أن يفهم فاثوم "لماذا"
من السياق إن لم يكن من شيء آخر.
"مفترسات..."
قال فاثوم، مسترسلاً في كلامه.
"مفترسات... تقتل غاروم، فاثوم يقتل المفترسات."
لم يكن ذلك منطقياً، فلم تكن المفترسات قد قتلته. والإجابة الواضحة هي أن فاثوم لم تكن لديه الكلمات للتعبير عن أفكاره، لذا فعل ما بوسعه... لكن هل يعني ذلك أنه قتل المفترسات لأنها حاولت قتل برايس؟
"المفترسات تحاول قتل غاروم"، صحح برايس، غير متأكد من شعوره تجاه فرضيته.
"المفترسات تحاول"، وافق فاثوم، بنغمة غير معتادة في صوته.
أكان ذلك مزاحاً، أم شيئاً آخر؟
"انتظر"، قال برايس، رافعاً إصبعاً.
عاد إلى الداخل ودخل العيادة الطبية لجلب بعض المضادات الحيوية الموضعية، غاسلاً يديه ومبتلعاً حبة بنسلين أثناء قيامه بذلك؛ كان يعاني من صداع ويشعر بأعراض حمى خفيفة، وكانت تلك بالتأكيد مشكلة أراد وأدها في مهدها.
"برايس يأخذ جناحاً"، قال وهو يعود للوقوف على الشاطئ، رغم أن فاثوم نظر بريبة إلى طلبه.
"برايس يرى جناحاً؟"
حاول، مقترباً من العضو. أبقى فاثوم نظرته الحذرة عليه، لكنه لم يبتعد. فك الغطاء وضغط قليلاً من المرهم على طرف إصبع ه. مد فاثوم عنقه الطويلة وشم المرهم، ثم سحب رأسه وجناحه بسرعة إلى الخلف مصحوباً بهسيس. تنهد برايس ومشى ليجلس على حجر، ثم خلع معطفه ليفك الضمادات برفق عن كتفه. كان جزء من الجرح في طور تكوين القشرة، وقد التصق بالضمادات، مما جعل الإزالة عملية مزعجة. وحين انتهى، بلل برايس برفق خرقة نظيفة لتنظيف الجرح.
وما إن اطمأن لحالة الإصابة وألا تكون أي من الغرز قد خرجت، حتى دلك المرهم برفق فوق الشق. كان مضاداً حيوياً ومخدرأ موضعياً، لذا سيمنع الجرح من الالتهاب ويساعد في تنميل الإصابة. وحين فرغ، لَفّ الإصابة بضمادات جديدة ووقف لينظر إلى فاثوم، الذي كان ما يزال يحدق به بعين حذرة. قلب برايس عينيه ووخز جرحه وأطلق صرخة درامية من الألم.
"...هذا ألم"، قال، واقفاً ومشيرأ إلى أنبوب المرهم.
"هذا يجعل الألم أقل."
لم يجب فاثوم فوراً، لكنه خفض جناحه ببطء. اعتبر برايس ذلك إذن وغسل يديه قبل التحرك لتطبيق المرهم. التقط خرق مبللة نظيفة ومد يده برفق — هس فاثوم ألماً، مما جعل برايس ينتفض.
"لم ألمسك حتى الآن!"
انفجر ضجراً، أكثر من أن يتعب نفسه في إيجاد الكلمات المناسبة في مفرداتهم المحدودة. بدا أن فاثوم يدرك ذات الأمر حتى دون فهم ما قاله برايس، وتمتم مسترخياً قليلاً. غسل برايس الجرح بسرعة وبدقة، منظفاً الغبار قدر استطاعته دون التسبب بضرر كبير. وبينما كان ينظف الإصابة لاحظ أن الجناح كان دافئاً؛ لم يكن ذلك مفاجئاً كثيراً، فالمخلوقات ذوات الدم البارد لا تمتلك عمليات استقلاب عالية وشك في أن طائراً يستطيع الطيران قط.
وحين رضي عن الاستعدادات وضع مسحة من المرهم على إصبع ه ودلك برفق الشق في الجناح، متجاهلاً أصوات عدم الراحة المختلفة التي أصدرها فاثوم. كان للجناح ملمس غريب؛ فلم تكن الحراشف الرقيقة مثبتة تماماً في مكانها، بل كانت تنزلق فوق بعضها البعض كدرع مجزأ. غطت معظم الجناح حراشف دقيقة للغاية كانت ملساء في اتجاه وخشنة في الاتجاه الآخر، والأكثر إثارة للاهتمام هو أن بعض الحراشف كانت أكبر وأسمك بشكل ملحوظ حول الحواف مقارنة بالأخرى، تماماً مثل حلقة.
تباعدت هذه الحراشف السمكة بنمط منتظم يشبه خلية النحل إذا كانت كل زاوية حشفة رقيقة وكان المركز حشفة سميكة. ولاحظ أيضاً أن الشق الأولي بدا أصغر من الحالي؛ كانت القشرة أسمك في مركز الشق، بينما كانت الحواف أرق. ربما نما التمزق مثل القطعة في قطعة قماش، لكن الأكثر إثارة للاهتمام هو حقيقة أن كلا طرفي الجرح انتهيا في منتصف حشفة سميكة. ذكّره الهيكل بثقب التوقف؛ وهي تقنية تُستخدم لوقاف صدع بحفر ثقب في نهايات الصدع لتوزيع الإجهاد.
كانت الأجنحة أشياء مرنة، لذا لن تفيد الثقوب في إيقاف التمزقات؛ بل بدا أن التنينا قد طورت حراشف محددة رقيقة في المركز وسميكة حول الحواف بحيث إذا كُسرت إحدى حواف الحشفة، ستعمل الحشفة على توزيع الإجهاد ومنع التمزق من النمو. ما حير برايس هو كيف بدا التمزق وكأنه يتسع من القطع الأولي ويتعرج ليصب في حشفة حلقية. ربما شجع هيكل النسيج التمزقات في غشاء الجناح على القيادة إلى حشفة حلقية، أو ربما جعل هيكل تلك الحراشف ضعيفاً في مواجهة قوى الشد وقوياً ضد قوى الضغط، مما يوقف التمزق حين تنفتح الحشفة الحلقية.
ملأ ذلك برايس بالدهشة لرؤية مثل هذه السمة الأنيقة في مخلوق حي — بافتراض صحة فرضيته بالطبع، لكن الأدلة بدت قوية للغاية. انتهى العلاج الطبي الأساسي بسرعة كبيرة، لكن العالم بداخله لم يستطع مقاومة قياس الجرح — الذي بلغ طوله عشرة سنتيمترات — والتقاط بضع صور له. وقد حظي بعذر محظوظ يتمثل في كون ذلك مفيداً في مراقبة عملية الشفاء. من يدري متى سيتمكن تالياً من علاج جرح تنين؟
إن امتلاك أساس لمعدل شفائهم سيكون مفيداً بشكل لا يصدق للتشخيصات المستقبلية.
"انتهى"، قال برايس، متراجعاً بضع خطوات إلى الوراء.
لم يكلف نفسه عناء وضع ضمادة؛ فلم يكن هناك ما يمكن لفه، وأي ضمادات لاصقة ستسقط أو تعيق طيرانه. رفرف فاثوم بجناحيه بحذر، ثم ثنى جناحيه بالكامل لبضع لحظات.
"ألم... أقل؟"
قال، بادياً كأنه غير مرتاح تقريباً. تثاءب برايس، ملاحظاً أن الشمس باتت منخفضة للغاية الآن، وشعر بالتسلية لرؤية فاثوم يتثاءب رداً على ذلك. أمر ممتع، فهذا يجعل التنينا ثالث نوع معروف يمكن أن يتأثر بالتثاءب المعدي — إضافة إلى البشر والكلاب بالطبع.
أشار برايس إلى الشمس وقال: "غروب"، وأشار في الاتجاه المعاكس وقال: "شروق".
"غروب"، وافق فاثوم، ثم بدا وكأنه يتذكر شيئاً وهو ينحني أقرب.
"غاروم ليس غابة، الغابة تقتل غاروم."
"...نعم، مفهوم"، قال برايس، ناظراً بريبة إلى الغابة.
لقد أخاف فاثوم المفترسات البارحة ظاهرياً، فما هي الأخطار الأخرى الموجودة في الغابة؟
"يرى غاروم، شروق"، أضاف فاثوم، قبل أن يجمع كيس الملح والمرهم بمخلبيه الأماميين.
"انتظر!"
صرخ برايس، متذكراً إحضار كوب خزفي أحمر مكسور وجده في المطبخ. لم يكن مرآة، لكنه آمل أن يفهم فاثوم أن الاثنين متشابهان.
"هذا"، قال ماداً الزجاج، "خزف، يشبه الزجاج. المرهم زجاج."
أحضر قضيباً حديدياً وضربه على كوب الزجاج المكسور، محطماً إياه إلى قطع ومحرضاً فاثوم على إرجاع أشواكه للخارج بامتعاض.
"الخزف هش، والزجاج هش، والمرآة هشة"، حذر برايس.
نظر فاثوم إلى شظايا الخزف، متدلي الرأس. تساءل برايس إن كان التنين يظن أنه عار تدمير شيء ظنه جميلاً.
"نعم"، قال في النهاية، ثم لوح لبرابس ملوحاً به قبل أن يقفز في الهواء، مرفرفاً بجناحيه بجهد.
بدا وكأنه يبذل طاقة أقل بكثير في رجليه الخلفيتين مقارنة بالمرة الأولى التي رآه برايس يقلع فيها، تفادياً على الأرجح لإتلاف حمولته الثمينة. ومع ذلك، حجب برايس نفسه بذراعه السليمة، وحبس أنفاسه حتى استقرت العاصفة الرملية المصغرة. باصقاً بضع حبيبات رمل، راقب التنين الأزرق الداكن وهو ينكمش ببطء في المسافة.
[مذكرات يومية]
يسرني أن أسجل أن هذا اليوم كان مثمرا للغاية.
تمكنت من تعليم التنين كلمات ومفاهيم كثيرة، وقد وافق، بعد شيء من العناء، على لقب «فاثوم».
إنه سريع التعلم على نحو استثنائي، وقد تعلم الكلمات والمفاهيم بسرعة تثير السخرية. كأنني أتحدث إلى أحد أولئك النوابغ اللغويين الذين نسمع عنهم في الأخبار بين حين وآخر. غدا أنوي أن أعلمه مزيدا من الأسماء، وكذلك الضمائر التي ستجعل الكلام أقل إملالا. لقد سئمت بالفعل من الإشارة إلى نفسي بضمير الغائب. من الغريب أن التنانين تستطيع رؤية الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء معا.
لا أعرف مخلوقات أخرى تستطيع ذلك. ولست واثقا أيضا من سبب تطورها بحيث تتمكن من رؤية الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء معا... ربما تطورت لترى الجوارح، أو لترى، على الأقل، مخلوقات ذات تمويه نشط؟ ينبغي أن أفكر في طريقة لاختبار حدود فسيولوجيا التنين، مثل نطاق الترددات التي يستطيع سماعها والأطوال الموجية الدقيقة للضوء التي يستطيع رؤيتها (التقدير المحافظ الحالي: 330 نانومترا – 770 نانومترا).
...لكنني متعب جدا. أشعر بأن الحمى توشك أن تعاودني، لذا سأتناول جرعة من المضادات الحيوية كل يوم طوال الأسبوع المقبل. على الأقل، الحديث مع فاثوم ممتع ولا يتطلب مجهودا بدنيا، لذلك سيتاح لجسدي وقت ليرتاح ويتعافى. سأخلد إلى النوم الآن.