استيقظ برايس وفرك عينيه، ثم ألقى نظرة على التنينين النائمين. بل على أحدهما في الحقيقة. كانت سيليست تحدق فيه وهي مستلقية تحت جناح فاثوم. لوح لها، فحرّكت سيليست أشواكها ردا على تحيته. لم يكن واثقا مما إذا كانت ترد التحية أم أنها منزعجة فحسب من عجزها عن الرد، فاختار أن يفترض الاحتمال الأول. راقبت سيليست برايس وهو يتناول إفطاره المعلب باهتمام واضح إلى حد ما. وكان ذلك مفهوما، إذ لم يسبق لها أن رأت علبا معدنية مصنّعة.
وبعد دقائق قليلة أغمضت عينيها، أضجرا كانت أم نعاسا، وعادت إلى النوم. أخذ برايس يخربش في دفتر ملاحظاته، يخطط لأحداث اليوم ريثما يستيقظ الاثنان. وحين فرغ من ذلك، شغل نفسه بمراقبة النباتات والحيوانات المحلية وتدوين ملاحظاته عنها، لكنه حرص على ألا يبتعد أكثر من بضعة أمتار عن مدخل الكهف. استيقظ فاثوم بعد نحو ساعة. وأدار رأسه ليتفقد ابنته التي كانت قد عادت إلى النوم، وعيناه تفيضان بشيء يتوسط الحنين والكآبة.
همس: "لقد كبرت حقا".
ولم تكن كلمته تبدو في حاجة إلى رد، لا سيما أن برايس لم يكن لديه ما يجيب به. بدأت سيليست تتحرك متأثرة بالضجيج، فسحب فاثوم جناحه إلى الخلف، وتمطى قليلا وهو ينهض.
سألها فاثوم: "هل نمت جيدا؟"
أجابت وهي تطأطئ رأسها وتعبث بيديها قليلا: "نعم. لم أقصد أن أنام. كنت سأطلب منك أن نذهب للصيد، لكنني شعرت بالتعب، ثم..."
وتلاشى صوتها باعتذار.
قال فاثوم، وقد بدا سعيدا إلى حد كبير: "لا داعي للاعتذار. لقد نسيت كم يكون النوم إلى جوار أحد دافئا".
وحين لم تفعل سيليست سوى أن بدت محرجة ومضطربة، عرض عليها قائلا: "يمكننا أن نذهب للصيد الآن إن شئت".
قال برايس، مغيرا موضوع الحديث: "حسنا، لنذهب ونتحدث إلى غوراه وجورال بعد أن تأكلي شيئا. يجدر بي على الأرجح أن أشرح لهما كيف نعرف موعد مجيء البشر الآخرين".
وبالنظر إلى مدى استقلالية التنانين، لما استغرب برايس لو كان نوم شخص بالغ تحت جناح أحد والديه يعد أمرا طفوليا.
"هكذا يعمل المذياع إذن. يستخدم باختصار ضوءاً لا نراه لإرسال الرسائل وتلقّيها."
استغرق الصباح طويلاً في استطرادات وشروح شتّى، لكنّه أنهى أخيراً شرح طريقة عمل المذياع بمساعدة فاثوم. لم يكن برايس يتوقع البتة أن يكون الحديث هو السبب الذي سيتطلب منه كل قوارير المياه التي جلبها، لكنه سرّه أنه أتى مستعداً.
"يصعب تصديق هذا الضوء الذي لا نراه،"
نفخت غوراه بيقين تشكيكيّ.
"هذا يفسّر تماماً لِمَ رأيت بعض الحيوانات تمشي مصطدمة بالصقور، حتى حين نكون قادرين على رؤيتها،"
تفكّرت جورال بصوت عالٍ.
وقالت بصراحة: "طوال هذا الوقت ظننتها غبية فحسب."
"انتظري، ألهذا السبب نُبدو مختلفين في الصور؟"
سألت سيليست.
"يبدو منطقياً أن يصنع البشر صوراً تستخدم فقط أنواع الضوء التي يستطيعون رؤيتها."
توقف فاثوم برهةً عن الترجمة، مدركاً أنه نسي سؤال برايس عن هذا الأمر الغريب.
"لمَ ليس لدينا نقوش في الصور؟"
"لديكم نقوش؟"
هتف برايس.
"لمَ لم تخبراني مبكراً؟"
أجاب فاثوم بنبرة بدت دفاعية بعض الشيء: "ظننتك تستطيع رؤيتها، ولم أمتلك الكلمات لأستفسر عن سبب خلو الصورة من علاماتي آنذاك، وحين أتقنت ما يكفي من كلمات أردت السؤال عن أمور أخرى."
سأل برايس وهو يلوح بضجر: "حسناً، كيف تبدو؟"
تذمر فاثوم: "لا أعرف؛ تبدو علامات."
"عَمَ يسأل؟"
سألت جورال بفضول.
أوضح فاثوم: "يسأل عن شكل علاماتنا، فهو لا يستطيع رؤيتها."
همهمت جورال متفكرة، ثم نهبت فجأة عائدة إلى كهفها.
سأل برايس: "إلى أين ذهبت؟"
فلم يملك فاثوم إلا أن هزّ كتفيه.
قالت غوراه: "إنها تجلب شيئاً،"
دون أن تفصح عن المزيد.
"انتظري، إن كان عاجزاً عن رؤية علاماتنا، فهل يرانا كما نَظهر في الصور؟"
سألت سيليست برغبة واضحة في تأكيد فرضيتها.
أجاب برايس بتردد لعدم تأكده مما إذا كانت الصور تلتقط الأشعة فوق البنفسجية وتحت الحمراء: "أعتقد ذلك؟ أراكم بلون أزرق داكن، وفاثوم أزرق فاتح، بينما غوراه وجورال رماديتان، هذا كل ما في الأمر."
تذمر فاثوم: "نبدو شديدي السأم حين تصف الأمر هكذا."
أشار برايس: "تظل التنانين أجمل بكثير من بقية الحيوانات."
تنهد فاثوم: "نعم، لكنك لا ترى كل شيء. التنانين بلا نقوش كبلّورات لا تلمع."
"...تجعلني الآن أشعر وكأنني أفوّت شيئاً."
ظهرت جورال مجدداً بعد أقل من دقيقة، متعثرة وهي تحمل شيئاً بأحد مخالبها الأمامية.
والمثير للانتباه أنها كانت تمشي مستخدمة ساقين، وذراعها اليسرى، و"راحت"
جناحها الأيمن السليم، رغم أنها بدت وكأنها لا تلقي ثقلاً يذكر عليه.
"أوه، هذه قطعة جيدة،"
قالت سيليست. وتأمل التنانين الثلاثة بإعجاب — وخاصة فاثوم الذي لم يرمق هذه القطعة من قبل — بينما وضعت جورال منحوتة خشبية بطول مترين لتنّين يلتفّ بحماية حول عشّ. وكان التماثل مطليّاً بلون أحمر قرمزيّ، غير أن الأجود كان الدوامات اللولبية المصنوعة من شظايا مطحونة بدقة من الصدف.
"هذه منحوتة مذهلة، شكراً لإطلاعِي عليها،"
قال برايس بذهول حقيقيّ. تمتع التمثال بقدر هائل من التفاصيل، مما زاد الأمر إبهاراً عند إدراك أنه صُنع بيد كائن تفتقر مخالبه إلى رشاقة أصابع البشر. التقطت كل حراشفه المنحوتة بعناية أثر التموج لتنّين في حركته، بينما تألقت عينا الجوهرة بالحياة، ليبدو وكأن التمثال على وشك الوثوب من عشّه في أي لحظة.
قبلت جورال شكره بإيماءة رضا، ثم سألت: "النقوش هنا مصنوعة من أصداف المحار، أترى ألوانها الكثيرة؟"
"نعم، دعيني أريك الألوان التي استطيع رؤيتها..."
نبش برايس في جيوبه ليستخرج المنشور الذي أضمره.
وقال وهو يمرر إصبعاً عبر طيف الألوان الممتد على الأرض، من الأحمر إلى البنفسجي: "لا أستطيع رؤية سوى هذه الألوان."
قالت جورال بنبرة نقدية خفيفة لفاثوم الذي نفض أغشية طرف العين استياءً من هذه اللدغة: "هذا أكثر مما ظننت. بدا من وصفك وكأنّه لا يرى سوى بضع ألوان."
"أخمّن أن أصداف المحار لا تحمل اللون ذاته لنقوش التنّين؟"
سأل برايس فاثوم.
أوضح فاثوم: "لا، إنها... مختلفة. لا تستطيع رؤية الألوان، لذا يصعب وصفها، لكنها تبدو بعض الشيء كالجزء الداخلي من صدفة محار."
سأل جورال: "بماذا صنعتم هذا اللون الأحمر؟"
لاحظ برايس تسطح أشواك غوراه في عبوس حين سمعت ترجمة فاثوم المترددة، فخشي أن يكون قد أبدى إساءة ما بطريقة أو بأخرى. غير أن جورال لم تتفاعل مع خطأه المتوقع.
فقالت بغرور: "سمّيت هذا اللون دم تنّين، وهذا سرّ."
"دم تنّين؟ يتحول الدم إلى اللون الأسود بعد حين، ولن يبدو أحمراً هكذا. أهذا اللون مصنوع من دم الشجر؟"
حزر برايس، مبتسماً لفكرة سر تجاري تنّينيّ. تردد فاثوم مجدداً، لكنه مضى قدماً في الترجمة.
هتفت جورال وقد اتسعت عيناها لجزء من الثانية: "كيف...! كيف عرفت؟"
سألت مستعادة رباطة جأشها.
قهقه برايس بينما ررف فاثوم عينيه بدوره مندهشاً: "سأعتبر ذلك بنعم. لم أكن أعرف، لكن البشر قاموا بأشياء مشابهة لاستخلاص الألوان من الأشجار والصخور أيضاً."
سألت جورال: "الصخور؟ كيف تستخلص اللون من الصخور؟ حاولت استخدام الصخور للألوان من قبل، لكنها لا تدوم طويلاً أبداً."
بدت في آن واحد مسحورة بالفكرة ومتحسرة على تفوقه عليها.
هزّ برايس كتفيه معتذراً: "لا أعرف الكثير عن تلك الأمور. لكن بشراً آخرين يعرفون الكثير عنها،"
وأردف.
قاطعت غوراه بهمة منزعجة: "ألا يعلم أنه من الوقاحة السؤال عن الأسرار؟"
أوضح فاثوم: "البشر مختلفون، يملكون أسراراً أقل، ويعلم بعضهم بعضاً. وليس ذنبه إن هي أفشت سرّها بنفسها،"
وأردف بغرور.
قالت جورال بلطف: "هو ليس مخطئاً، كان ذلك خطئي بالفعل،"
رغم أن غوراه بدت وكأنها ما زالت تريد جدال النقطة، وبدت سيليست التي كانت تراقب بصمت قلقة بعض الشيء.
قال برايس آملاً أن يصلح الأمور: "آسف، لم أكن أعرف أن ذلك وقاحة."
لم يستطع فهم الكثير من الكلمات المستخدمة، لكن نبرتهم العدائية استحالت استهجانها. تردد فاثوم في ترجمة هذا، لكن الاعتذار بدا وكأنه هدأ من روع غوراه.
قالت جورال وهي تنهض مجدداً وتستعيد منحوتتها الخشبية: "لدي شيء آخر لأريك إياه، وفضولي يغمرني لأسبر ما إذا كان البشر يعرفون كيف يصنعونه."
سألت غوراه: "لقد رأيت تلك مسبقاً، لذا ربما أجدر بي الذهاب للصيد. أتريدين شيئاً، جورال، آنومه؟"
قالت سيليست بإيماءة شكر: "أكلت هذا الصباح بالفعل."
قالت جورال بإيماءة شكر خاصة: "شكراً لك، يا جناحيّ، أي شيء تصطادينه سيكون جيداً."
نفخت غوراه وهي ترمي برأسها ضجراً: "تقولين ذلك في كل مرة، وفي كل مرة تأكلين جزءاً مما أصطاده."
ولم تردّ جورال سوى بصوت كركرة غريب — ظنه برايس قهقهة تنّينية.
"أردت السؤال، أتنادي جورال غوراه بـ «جناحيّ»؟"
سأل برايس فاثوم بعد مغادرة جورال وغوراه. لقد سمعها مرات عدة من قبل، لكنه لم يكن متأكداً مما إذا كان يفسر ذلك بشكل صحيح؛ فمن يدري، لعلها سمة في قواعد لغة التنانين، أو تعبير جديد.
"نعم، لمَ؟ إنهما..."
توقف فاثوم.
"لم تخبرني بهذه الكلمة بعد. إنهما... تشبهان القرينين بعض الشيء، لكنهما أقرب إلى صديقتين حميمتين للغاية."
حكّ برايس رأسه: "...لا أعتقد أن هناك كلمة لهذا بالإنجليزية. كل ما أستطيع التفكير فيه هو «أفضل صديق»."
خرخر فاثوم: "هذا... ليس خاطئاً تماماً، لكنها كلمتان وليست كلمة واحدة."
سألت جورال وقد عادت بشيء صغير في مخالبها وبدت فضولية لسماع فاثوم يتحدث الإنجليزية: "عمَ تتحدثان أنت2؟"
قال فاثوم: "الأمر معقد، دعيني أتم حديثي مع برايس، ثم أشرح لك،"
واضطر بعدها لترجمة ذلك إلى برايس.
أوضح برايس: "في الثقافة البشرية، يُنظر للقرينين عادة على أنهما أقرب من الأصدقاء، وأقرب من أفضل الأصدقاء، رغم أن البعض قد يخالف ذلك."
خرخر فاثوم: "حسناً، هذا محير، «أفضل الأصدقاء» أقل شيوعاً وأقرب من القرينين. سأحاول شرح هذه الكلمات مجدداً لجعل الأمور أقل إبهاماً؛ قلت إن الصديق هو «شخص يسرك لقاؤه»، لكننا نتحارب أو نتبادل التجارة مع أغلب التنانين الأخرى. قد تجلب التجارة السعادة لشخص ما، لكنني لا أعتقد أن ذلك يماثل سرور المرء بلقيا شخص."
أومأ برايس: "نعم، لم أملك الكلمات المناسبة في ذلك الحين، لكن الصديق باختصار هو شخص تثق به."
أومأ فاثوم راضياً بتخمينه الصائب: "جيد، هذا ما خمنته. سأشرح الآن «القرينين». القرينان هما تنّينان يملكان بيضة معاً، لذا فهذان... لستا قرينين بالطبع،"
متجاوزاً الكلمة المفقودة.
تمتم برايس وهو يميل برأسه تفكُّراً: "حسناً."
كانت هناك فروق ثقافية حتمية تجعل مصطلح «قرين»
غير دقيق تماماً، حتى وإن كان حقيقياً. قرر طرح كلمة بديلة، نظراً لعدم وجود ما يفعله لتجنب هذه المسكلة.
"لننادهما «شريكتين» في الوقت الحالي. أيمكن للقرينين أن يكونا شريكين؟"
سأل فاثوم، بينما بدت جورال أكثر تململاً مع كل جملة تعذر عليها المشاركة فيها: "نعم، أحياناً يصبح القرينان شريكين، أو العكس، لكن ألم تكن تقول إنك لا تملك كلمة لهذا؟ ماذا تعني «شريكة»؟"
"«شريكة» إحدى كلمات قرين الإنسان. ليست مثالية، لكنها أفضل ما أستطيع تفكريه الآن. يمتلك البشر شريكاً واحداً فقط، أالتنانين مثلهم؟"
قال فاثوم ببساطة: "نعم."
"حسناً، أعتقد أنها كلمة جيدة. عليك شرح ما كنا نناقشه، تبدو جورال وكأنها على وشك الانفجار."
خرخر فاثوم تسليةً، ونفذ ما طلبه برايس: "يعدّ البشر القرينين أقرب من الشريكين، لكنني لست متأكداً لِمَ،"
ملخصاً الأمر.
خرخرت جورال نافضة أشواكها استياءً: "استغرقك الأمر وقتاً طويلاً. هذا غريب للغاية، أتساءل لِمَ يظنون ذلك؟ أيعتقد أننا أغراب؟"
سألت بانتظار الترجمة.
أجاب برايس عبر فاثوم: "الأمر غريب بعض الشيء، لكنه ليس سيئاً، الغريب مثير للاهتمام. ولست متأكداً لِمَ لدينا هذا الفارق... ربما لأن التنانين تعيش أطول بكثير من البشر ويمكنها إنجاب أكثر من قرين واحد في حياتها؟ يجعل ذلك القرينين أقل أهمية، لكن هذا لا يفسّر لِمَ لا تمتلكون... أمم... أصدقاء أكثر،"
قال برايس باسترخاء، مدركاً متأخراً أن هذا بدا كإهانة.
أوضح فاثوم لجورال ثم التفت إلى برايس: "يستغرق البشر عشرين عاماً ليبلغوا الرشد، ومعظمهم لا يعيش سوى نحو ثمانين عاماً. يستغرق تربية طفل معظم حياتهم، لذا فعادة ما يكتفون بقرين واحد."
وأضاف فاثوم: "هذا سهل، الأصدقاء يحتاجون ثقة أكثر من القرينين. يريد القرينان كلاهما رؤية بيضتهما تنمو بأمان، ولا يحتاجان للبقاء معاً بعد أن يبلغ الصغير. بينما لا يريد الأصدقاء غالباً الأشياء ذاتها، لذا فهم بحاجة لثقة أكبر."
قال برايس بعد هنيهة تفكّر: "...هذا... منطقي. كم من مجموع شريكات التنانين كلاهما ذكور أو كلاهما إناث؟ أهناك اسم لهذا؟"
قال فاثوم ضيقاً عينيه تفكُّراً: "أنا... لا أعرف. يتغير ذلك غالباً، وبعض الشركاء لا يبقون معاً طويلاً، لكن ربما شريك واحد من كل خمسة كلاهما ذكور أو كلاهما إناث؟ لمَ أنت متفاجئ هكذا؟"
سألت فاثوم رامشاً عينيه.
قال برايس متذبذباً: "لأن... ربما 1% من شريكات البشر كلاهما ذكر وأنثى؟"
قال فاثوم، وهو شعور رددته التنانين الأخرى: "هذا رقم منخفض للغاية."
وأضاف: "أوه، هناك سبب آخر لذلك؛ يفضل بعض التنانين شريكاً لا يستطيعان إنجاب بيض معه بالخطأ."
قال برايس جاعداً جبينه تفكُّراً: "هذا... منطقي للغاية في الواقع. آسف لإقصائك عن الحديث يا جورال، ماذا تحملين في يديك؟"
قالت باعتزاز وهي تمدّ الجسم: "هذا شيء يستطيع قلة قليلة من التنانين صنعه، وأنا أفضلهن."
هتف برايس متعرفاً على التقنية التي ذكرها فاثوم قبل أيام: "أوه، وعاء فخاري! من الصعب صنع هذه، تستخدمين نوعاً خاصاً من التراب والماء لتشكيلها، ثم تستخدمين النار لتجفيفها وصلابتها، أليس كذلك؟"
نفخت جورال لدى سماعها وهو يصف العملية: "توقعت هذا، لكنني تمنيت عكسه."
سأل برايس مندهشاً: "هذا مذهل للغاية، أتعلمتِ فعل هذا بمفردكِ، أم علّمكِ أحد؟"
قد تكون صناعة الفخار تقنية تعود لآلاف السنين، لكن ظل من الصعب جداً على شخص واحد صنعها من الصفر، لا سيما مع وجوب كون الفخار كبيراً بما يكفي لاستخدام تنّين.
كان الوعاء الذي تحمله أقرب إلى «كوب»
بمقياس التنانين منه إلى وعاء. بلغ قطره نصف متر كحد أقصى، لكن برايس أدرك أنه إنجاز كبير لنحت شي بهذا الحجم دون أن يتصدع أثناء عملية الحرق.
تمتم ونظرة ضبابية بعيدة في عينيها: "نعم، منذ زمن طويل أشعلت ناراً قرب تراب مبلل، ورأيت بعض الأجزاء الطرية تصبح صلبة. استغرق الأمر وقتاً طويلاً لأتعلم كيف أصنع شيئاً لا يتكسر قطعاً، وحتى حينها كان صغيراً وعديم الفائدة."
قال برايس مقترباً لتفحص الكوب دون لمسه: "هذا مذهل."
فاخرت جورال وهو يفحص الكوب الفخاري: "هذا ليس جميلاً جداً، لدي غيره الأفضل."
"أيمكنني رؤيتها؟ أرجوك؟"
رمشت جورال ناظرة إليه بحدة، وبدت مترددة.
فقالت بعض الشيء باسترخاء: "لا، لا أثق بك إلى هذا الحد بعد."
حاول برايس ألا يأخذ الأمر بحساسية، رغم عجزه عن منع شعور طفيف بخيبة الأمل.
"...أمن الوقاحة سؤال جورال عن ماضيها؟"
سأل فاثوم.
أجاب فاثوم قبل أن يردد سؤاله: "إنه أمر محرج للسؤال لأن ذلك شيء يُتوقع من التنانين معرفته، لكن لا بأس إن سألت نيابة عنك."
قالت جورال وفي صوتها تلميح مرح: "يمكنني إخبارك. لكن بشرط أن تخبرني بشيء ممتع أولاً."
تنهد برايس: "ألم أخبرك ما يكفي؟"
قالت نافضة أشواكها بغرور: "نعم، لكنك أفشيت تلك الأسرار."
قهقه برايس: "عدل بحق. ما رأيك أن أخبرك كيف وجد البشر المسافة بين الأرض والشمس؟"
قال وهو يلقي نظرة إلى التنين الأصغر سنا، وقد أوشك النهار على الانتهاء: "سيليست، هل لديك أي أسئلة؟ كنت أهدأ من المعتاد اليوم."
ترجم فاثوم كلامه لها، فقالت سيليست بلا اكتراث: "لا أسئلة لدي الآن. كنت أحاول فحسب أن أرى إن كان بوسعي تعلم لغتكم من خلال الاستماع."
قال برايس، فجعلها تبدو غارقة في التفكير: "أوه، لا داعي إلى كل هذا العناء. سأعلمك إياها متى شئت."
سألت: "لاحظت أنك تقول سيليست حين تتحدث إلي. ماذا تعني هذه الكلمة؟"
"حسنا، لا أستطيع نطق كلمات التنانين، لذلك أحتاج إلى استخدام كلمات البشر حين أتحدث عن تنين."
رمشت سيليست وقالت: "كلمات بشرية؟ كاسم جديد؟ هل منحك اسما جديدا؟"
ثم سألت أباها.
اعترف فاثوم: "...نعم."
قالت سيليست، وقد ضيقت عينيها في عبوس: "أتعجب من أنك سمحت له بذلك. أظنه يناديك فاثوم؟ ماذا يعني هذا؟"
قال مدافعا عن نفسه: "يعني الفهم. وأنا أفضل أن يمنحني اسما جديدا على أن ينطق اسمي على نحو سيئ."
تمتم برايس: "ومع ذلك، اضطررت إلى رشوتك."
استدار فاثوم برأسه وحدق في برايس بشك: "ماذا قلت؟"
قال برايس: "لا شيء. ألهذه الدرجة تهم الأسماء التنانين؟"
نفخ فاثوم من أنفه، وقرر أن يتجاهل الوخزة.
"نعم، الأسماء مهمة جدا. اسمك هو أنت. هل للبشر أكثر من اسم؟"
"لا. كما أخبرتك من قبل، لدينا أسماء عائلية وأسماء شخصية فحسب. وقليل جدا من البشر يغيرون أسماءهم."
سألت سيليست: "ماذا تعني سيليست؟"
وحين أخبرها فاثوم أن معناها السماء، قالت: "ذلك... ليس معنى سيئا، على الأقل. لكنني ما زلت أفضل أن يستخدم اسمي. هل يمكنك أن تطلب منه أن يحاول؟ لا يمكن أن يكون الأمر بهذا السوء."
قالته بشك. نفذ برايس طلبها.
"...يمكنه أن يناديني سيليست."
تمتم برايس مستاء: "أبهذا السوء؟"
قال الأب وابنته في آن واحد: "نعم."
سأل فاثوم بدهشة: "كيف عرفت ما قاله؟"
ثم رمش حين أدرك أنها تكلمت بالإنجليزية.
أجابت سيليست وهي تهز كتفيها: "خمنت ذلك في الغالب من نبرته. وقد أجاب عن بضعة أسئلة بكلمة نعم عدة مرات اليوم. ليس من الصعب أن تعرف معنى ذلك حين تكرر كلماته بلغتنا بعد ذلك مباشرة."
أمال فاثوم رأسه موافقا.
"حسنا، سأسعد إن تعلمت كلامهم سريعا. لقد جف حلقي من كثرة الكلام. برايس، هل تريد بعض الماء؟"
سأله بعدما رأى الإنسان يشرب عدة زجاجات من الماء طوال اليوم.
قالت سيليست: "سأنتظر هنا. لست عطشى."
وراحت تراقب بشيء من التسلية برايس وهو يتسلق عنق أبيها.
ملأ برايس قوارير الماء وعقمها، فيما كانت جرعات كبيرة من الماء تنساب في حلقوم فاثوم. سر برايس بأن أتيحت لهما لحظة يتحدثان فيها على انفراد، وأمعن في اختيار كلماته بينما فرغ فاثوم من الشرب.
"هذا أفضل بكثير. لم أتحدث بهذا القدر منذ وقت طويل. من المتعب أن تكرر كلماتك كثيرا"، قال فاثوم قبل أن يبتلع بضع جرعات أخرى من الماء.
قال برايس، مسرورا بهذا التشتيت الصغير: "تكرار الكلمات بلغة أخرى يسمى الترجمة".
قال فاثوم: "...ليس لدينا سوى لغة واحدة، لذلك من المنطقي ألا تكون لدينا هذه الكلمة. حتى كلمة لغة ليست إلا شيئا يشبه الكلام أو الحديث. من المثير للاهتمام أن تتعلم كلمات لا نملكها. لم ألاحظ ذلك من قبل، لكنني بعدما تحدثت إلى التنانين صرت أرى أنني أفكر في الأشياء بطريقة مختلفة عما كنت أفعل سابقا".
وافقه برايس قائلا: "هذا مثير للاهتمام حقا"، وحفظ تلك المعلومة في كومة الأشياء التي تزداد يوما بعد يوم، والتي عليه أن يبحث فيها.
ثم قال: "بالمناسبة، لدي بضعة أسئلة لم أرد أن أطرحها أمام جورال".
قال فاثوم بفضول، وهو يميل برأسه أمام هذا الالتفاف غير المباشر: "اسأل".
قال برايس: "معظم التنانين تريد البيوض، أليس كذلك؟ فلماذا يتخذ التنانين شركاء من الجنس نفسه؟"
أجاب فاثوم وهو يهز كتفيه: "يتوقف الأمر على التنين. بعض التنانين تكتفي ببضع بيضات. وبعضها أضعف من أن يفوز بفرصة وضع بيضة. وبعضها لا يكترث بما يكفي للحصول على البيوض".
سأل برايس، مع أنه كان يعلم أن الإجابة لا بد أن تكون نعم، إذ إن جماعة ما كانت ستنقرض لو لم يضع كل تنين في حياته إلا بيضة واحدة: "هل يضع أي تنين بيضتين في آن واحد؟"
قال فاثوم: "نعم، يستطيع التنين أن يضع بيضتين في آن واحد، لكن ذلك نادر جدا ويتطلب حظا كبيرا. ويمكن للتنين أن يحاول الفوز بفرصة أخرى لوضع بيضة بعد عشر سنوات من بلوغ طفله سن الرشد".
قال برايس: "يستطيع البشر إنجاب العدد الذي يريدونه من الأطفال، مع أن معظمهم لا ينجبون إلا طفلا أو طفلين".
نفخ فاثوم باستخفاف وقال: "لا عجب في ذلك وأنتم خمسون مليونا. ثقافتنا مختلفة جدا. على التنانين أن تكسب فرصة وضع بيضة".
قال برايس: "أجل، بشأن هذا، كيف تفعل التنانين ذلك؟ أعني، كيف تكسب فرصة وضع بيضة؟ ذكرت أن الأمر له علاقة باحتفال الانقلاب الشمسي، أليس كذلك؟"
قال فاثوم: "نعم، تجتمع التنانين في إقليم واحد وتتنافس. يتنافس الذكور مع الذكور، وتفعل الإناث الشيء نفسه. التنين الذي يفوز مرة ينافس تنينا آخر فاز مرة أيضا، ثم يقاتل الفائز تنينا فاز مرتين. ويستمر الأمر على هذا النحو حتى لا يبقى إلا الفائزون".
توقف فاثوم هنا، لكنه بدا كأنه أدرك أن برايس سيطرح مزيدا من الأسئلة، فاستطرد قائلا: "يمكن أن تكون المنافسة في أي شيء تقريبا، لكن على التنينين أن يتفقا عليها. وإذا لم يستطيعا الاتفاق، لعبا لعبة يمسك فيها أحد التنينين بعدة أحجار، ويحاول الآخر تخمين ما إذا كان عددها فرديا أم زوجيا. ويقرر الفائز نوع المنافسة".
قال برايس: "مثير للاهتمام".
كانت تلك طريقة أنيقة إلى حد ما لتنظيم ما كان في جوهره بطولة.
ثم قال: "ماذا يحدث إن لم يعجب الفائز من الذكور بالفائزة من الإناث؟"
قال فاثوم: "عندها تتعقد الأمور، لكن ذلك نادر. وعادة لا يحدث إلا إذا كان أحدهما يكره الآخر كرها شديدا".
ثم صمت لحظة قبل أن يسأل: "لماذا لم ترغب في التحدث عن هذا أمام جورال؟"
قال برايس، وهو يفرك عنقه بحرج: "لم أصل إلى ذلك الجزء بعد. أردت أن أسأل إن كانت التنانين ترى أن اتخاذ شريكين من الجنس نفسه أمر سيئ".
قال فاثوم: "لا؟"، وإن بدت الكلمة كأنها سؤال تقريبا.
ثم تابع: "ولماذا قد يرون ذلك؟"
أقر برايس قائلا: "كان البشر كذلك زمنا طويلا، مع أن عددهم صار أقل بكثير الآن".
شخر فاثوم باحتقار وقال: "البشر يهتمون بشركاء البشر الآخرين؟ لماذا؟ لا يؤثر ذلك فيهم".
ثم أضاف بنبرة متسائلة: "...أليس كذلك؟"
قال برايس: "لا، لا يؤثر فيهم، لكنهم يفعلون ذلك مع هذا. يصعب شرح السبب، لكن لا يوجد سبب وجيه حقا".
قال فاثوم بصراحة: "تحب التنانين أن يتخذ التنانين الآخرون شركاء من الجنس نفسه. فقد يعني ذلك منافسين أقل لهم".
قال برايس: "هذا منطقي. ماذا عن... أمم...".
انقطع صوته وهو يفكر في طريقة يشرح بها كلمتي "الذرية"
أو "سلالة الدم".
ثم قال: "يريد كثير من الناس أن ينجب أطفالهم أطفالا، لأنهم يرغبون في أن يكون لهم... جزء منهم يستمر في الوجود. هل هذا مفهوم؟ وهل تريد التنانين الشيء نفسه؟"
قال فاثوم، وهو يحرك رأسه من جانب إلى آخر: "نعم، أظنني أفهم. بعض التنانين تريد ذلك فعلا. لكننا نعيش سنوات طويلة، لذلك إذا أراد أحد الوالدين أن يكون له جزء منه يستمر في الوجود، فما عليه إلا أن يضع مزيدا من البيوض بنفسه"، قالها بمنتهى المعقولية.
حك برايس رأسه، وقد راقه الأمر شيئا ما، وقال: "هذا منطقي. يبدو أن التنانين عملية جدا. هذه كلمة تصف شخصا يفكر بطريقة منطقية"، أضاف حين رأى الفراغ في عيني فاثوم.
قال فاثوم برضا: "نعم، هذا صحيح"، ثم التفت ليراقب غروب الشمس.
وأضاف: "ينبغي أن نعود. لا بد أن سيليست تنتظرنا".
[مدخل من يومياتي]
خلافا للاعتقاد الشائع، كثيرا ما وثقت الطبيعة سلوكا مثليا. لم أفكر في الأمر حقا من قبل، لكن من المنطقي ألا تكون التنانين استثناء. وللتوضيح، ليس الأمر أن التنانين أكثر تقبلا أو ما شابه. إنها ببساطة لا تكترث بما لا يمسها. من المدهش أن نستطيع اقتفاء الفروق بين الثقافات إلى الفروق الكبيرة، بل الجذرية أحيانا، في بيولوجيتنا. أما الأهم، فقد زعمت جورال أن قلة من التنانين تعرف كيف تصنع الأواني الفخارية.
وتباهت أيضا بأن أوانيها هي الأفضل، لذلك أشعر أن من الآمن أن أخلص إلى أن تكنولوجيا التنانين لا تتجاوز كثيرا أساسيات علم الفلزات ومستوياته المتوسطة وصناعة الفخار. وحين أفكر في الأمر، قد تكون لجورال قرون حرفية كاملة من الخبرة بوصفها صانعة، بل حرفية من التنانين الحرفيين. يتوقف لون جلد التنين على غذائه، لذلك ليس بالضرورة مؤشرا نافعا. لكنها مع ذلك توحي بأنها مسنة على نحو لا أستطيع وصفه تماما، حتى لو كانت تتصرف بحيوية الشباب.
ينبغي أن أسألها عن عمرها. يشغلني حاليا، قبل كل شيء، كسب غوراه إلى صفي. فهي أقل التنانين اهتماما بالبشر، وبفارق واضح أقل الثلاث ودا. لست متأكدا مما أستطيع فعله حيال ذلك، لكنني سأركز في الوقت الراهن على جمع المعلومات.