استقر جهاز الفونوغراف في غرفة الاستجمام مثبتا بمسامير محكمة إلى طاولة. رُبطت الطاولة بدورها إلى أرضية السفينة، واحتاج برايس إلى بضع دقائق للعثور على الأدوات اللازمة لفك المسامير، وإلى بضع دقائق أخرى لحمل الجهاز الحساس بحذر إلى الشاطئ.
قال فاثوم وهو يحدق في الفونوغراف بينما وضعه برايس أرضا: "ما هذا؟ وكيف يعمل؟ يبدو أشبه بقوقعة بحر".
وكان قد انتهى من شرابه، حُكْمًا على نظافة الدلو التامة. تمكن برايس، بالاعتماد على ما علمه لفاثوم من طبيعة الصوت، من أن يشرح — وإن بشيء من الصعوبة — كيف يصنع البشر أشياء تدعى اسطوانات فينيل حفرت عليها أصوات، وأن هذا الفونوغراف يستطيع قراءة الأصوات المطبوعة على تلك الاسطوانات عبر تحريك إبرة فوق الحفر المحفورة.
سأل فاثوم متشككا وهو يحدق في القرص الذي بدا متجانسا: "لا يبدو… أن هذا قد ينجح؟".
بدا متشككا بعض الشيء، لكنه كان أعقل من أن يشكك في مزاعم برايس، مهما بدت سخيفة في البداية.
أوضح برايس: "الأمر أكثر تعقيددا من ذلك بعض الشيء؛ فهو يستخدم الكوارتز لتحويل الاهتزازات إلى كهرباء، ثم تحول تلك الكهرباء إلى أصوات".
وكان ذلك تبسيطا بطبيعة الحال، لكنه ظل المبدأ الأساسي الذي يعمل وفقه الجهاز.
سأل فاثوم باهتمام بالغ وهو يحدق في الجهاز: "أيمكنك تسجيل أي شيء؟ كصوتي مثلاً؟".
فرك برايس رقبته بتستر وقال: "آه، لا، فصناعة تسجيلات الفينيل بالغة الصعوبة، وتتطلب الكثير من الآلات الخاصة. لكني أملك جهازا آخر يدعى مسجل أشرطة، وبإمكانه تسجيل صوتك".
رأى رأس فاثوم يتدلى بخيبة أمل فأردف: "بلى، أرني مسجل الأشرطة".
حثه فاثوم متحركا بحماس من مخلب أمامي إلى آخر: "نعم، أرني مسجل الأشرطة".
سأل برايس مشيرا إلى الفونوغراف الذي جره معه: "ألم ترغب في سماع الموسيقى؟".
بدا فاثوم حائرا للحظة، كطفل عرض عليه أمران يشتهيهما كليهما.
قال بعد تردد قصير: "مسجل الأشرطة أولاً".
هز برايس كتفيه وقال: "حسنا".
واختفى داخل السفينة ليخرج مسجل أشرطة بحجم حقيبة اليد. لم يكن الجهاز حيويا للمهمة، لكن الفضول بطبيعة الحال يدفع الناس لسماع أصوات حيوانات من أرض أخرى، ولم يكن يشغل حيزا يذكر، فلا مبرر لعدم جلبه. تطلب الجهاز طاقة بطارية بالطبع، لكن بطاريات الزنك والكربون قادرة على الصمود ثمانية عشر شهرا، ولم يكن الراديو يحتاج للطاقة سوى لتضخيم الإشارة، وهي طاقة ضئيلة نسبيا، لذا لم يجد برايس حرجا في استهلاك طاقة زهيدة ليطلع فاثوم على أمر طريف.
قال برايس ما إن نصب الجهاز: "حسنا، حين أضغط هذا الزر، سيشرع مسجل الأشرطة في التسجيل. مستعد؟".
أومأ فاثوم برأسه، وضغط برايس الزر. مرت ثوان معدودات، وبدا التردد مفاجئا على التنين بينما أشار إليه برايس ليقول شيئا.
سأل: "أهذا… تسجيل؟ ولمَ يدور؟".
فضغط برايس زر الإيقاف المؤقت.
أعاد مسجل الأشرطة بصوت مسموع: "أهذا… تسجيل؟ ولمَ يدور؟".
فأرجع فاثوم رأسه للوراء مذهولا. أحدث المسجل قدرا طفيفا من التشويش أثناء التشغيل، لكن الأصوات ظلت واضحة وجلية.
سأل فاثوم مستاء بعض الشيء: "هذا لا يشبه صوتي… أهذا هو حقا؟".
أوضح برايس: "يبدو صوتك مختلفا في أذنيك عما يسمعه الآخرون، لكن مسجل الأشرطة ليس كاملا، لذا فهو لا ينسخ الصوت بدقة تامة. لا تقلق، فمعظم الناس لا يستحبون سماع أصواتهم المسجلة".
وضحك بخفة، رغم أن ذلك لم يخفف شيئا من سخط فاثوم. عبث الاثنان بالمزيد من التسجيلات، فخف تذمر فاثوم من كيفية نقل صوته وازداد اهتمامه بالجهاز نفسه. حاول برايس أن يشرح كيف يمغنط مسجل الأشرطة شرائط المعدن من الداخل، وإن عجز فاثوم فهما ومفهوما عن استيعاب تلك الفكرة.
قال برايس مقطبا وهو يحاول استرجاع ما إن كانت هناك مغناطيسات قوية على ظهر السفينة: "يستخدم مسجل الأشرطة شيئا يدعى المغناطيس لتسجيل الصوت، لكني سأشرح لك أمر المغناطيسات لاحقا، ولا أظنني أملك أيا منها لأريك إياه الآن. إنها معقدة بعض الشيء، لكنها باختصار معادن تجذب معادن أخرى. فالحديد مثلا يلتصق بالمغناطيس".
ردد فاثوم: "معادن تجعل معادن أخرى تطير نحوها… مهلا، هذا كنز نادر جدا لا يملكه سوى قلة من التنانين!".
أومأ برايس: "نعم، تلك مغناطيسات طبيعية، ويمكننا صنع أنواع أقوى".
تمتم فاثوم متنهدا: "…يمكنكم صنع المغناطيس بالطبع".
"دعني أخمن؛ أتعتقد التنانين أن المغناطيس يملك طاقة هائلة؟"
"نعم، هذا صحيح، رغم أني أحسب أن الأمر غير ذلك".
حرك برايس يده بحيرة: "نوعا ما. طبيعة المغناطيس معقدة بعض الشيء، وأعتقد أن شرحها لاحقا سيكون أفضل. المهم أنه يجذب المعادن".
تنهد فاثوم، لكنه قبل بتأجيل الحديث.
وسأل عوضا عن ذلك: "أتدرو لم يبدو الأمر غريباً بعض الشيء إن قربت مغناطيس من رأسك؟ هذا أمر أرادت التنانين معرفته منذ زمن طويل".
رمش برايس: "ماذا؟ ماذا تعني بـ(يبدو غريباً)؟".
قال فاثوم مميلاً رأسه بحيرة: "يبدو الأمر أشبه بألا تدرك أين أنت، لكني عاجز عن وصفه بدقة. ألا يحدث هذا للبشر؟".
قال برايس متقاطعا بغتة وقد أدرك الحقيقة فجأة: "لا، الأمر الوحيد الذي يفعله المغناطيس هو…".
ثم سأل بإلحاح: "أيمكن للتنانين استشعار اتجاه الشمال؟ حتى من دون معرفة مكانها؟".
أجاب فاثوم: "بالطبع، هذا أمر هين. ألا يفعل البشر ذلك؟".
وسأل مقطبا حاجبيه باستفهام.
قال برايس بحماس: "لا، لا نستطيع. تمتلك التنانين حس الاستقبال المغناطيسي! تستطيعون استشعار المغناطيس!".
سأل فاثوم محتاراً من حماس برايس: "أنا… لا أفهّم، ما علاقة هذا بمعرفة الاتجاهات؟".
قال برايس وهو يهرع للتحرك في منتصف الحديث: "الأرض مغناطيس ضخم، وهي أضعف من أن تجذب المعادن، لكنها مغناطيس بحق، دعني أجلب شيئا".
تسطحت أشواك فاثوم بضجر بينما عاد برايس بعد دقيقة، حاملا شيئا مستديرا يشبه كرونوميتر أصغر حجما.
قال برايس: "هذا بوصلة. بداخلها مغناطيس، وهو ليس قويا للغاية، لكن لكون الأرض مغناطيس فسوف تجذب دوما هذا المغناطيس الصغير نحو الشمال والجنوب، أترَك؟".
قَالَ برايس محركا البصلة دائريا بينما بقيت الإبرة ثابتة في اتجاهها.
سأل فاثوم: "هذا عجيب، أتقول إن أي مغناطيس يمكنه فعل هذا؟… طريف، كيف فطن البشر لهذا؟".
سأل حين أومأ برايس بالإيجاب.
هز برايس كتفيه: "سمعت أن أحدهم وضع مغناطيسأ على قطعة خشب صغيرة تطفو على الماء، لكني لست متأكدا من صحة تلك القصة".
لاحظ فاثوم بلا غضاضة: "البشر يفعلون أشياء غريبة. أيمكنك أن تريني ما يفعله الفونوغراف الآن؟ أريد الاستماع إلى الموسيقى البشرية".
أوضح برايس: "أولا، الموسيقى هي أي صوت يبدو حسنا، بينما الغناء نوع من الموسيقى يصنعها المرء بحلقه وفمه. لدي اسطوانات للأغاني والموسيقى معا، أيهما تفضل سماعه أولاً؟".
قال فاثوم دون تردد يذكر: "الأغاني. أريد سماع الموسيقى التي يصنعها البشر بحلوقكم".
قال برايس منتقيا اسطوانة تضم أغنية شهيرة لدرجة خاصة: "حسنا، لتكن أغنية إذن. عليك أن تعلم أن الأغاني البشرية يصاحبها عزف موسيقي في الغالب".
وأوضح وهو يدير يد الجهاز. بدا فاثوم وكأنه يريد طرح المزيد من الأسئلة، لكنه حبس لسانه ريثما كان برايس يعمل. بعد دقيقة، وضع برايس الإبرة على القرص وضغط زر التشغيل. بدأت الأغنية بصوت أنثوي بلا كلمات، منفرد ومحزون. مال فاثوم للأمام ليصغي إلى اللحن بانتباه تام، وقد شد أشواك أذنيه جيدا ليحسن التقاط الأصوات الغريبة. ظل الصوت منفردا حتى رافقته قيثارة وكمان، رغم أن الآلتين لم تطغيا قط على الغناء.
وتراوحت المغنية والآلتان بين أخذ ورد، حتى انتهت الأغنية بالست نكات ذاتها التي بدأت بها. صمت الفونوغراف حين نفد ما على الشريط، وأخذت الإبرة تحتك بالاسطوانة الفارغة.
قال فاثوم ببطء، ممعنا النظر في كل كلمة ليصوغ رأيه في المقطوعة: "كانت تلك… جميلة للغاية، لكني… لست متأكدا إن كانت سعيدة أم حزينة. لم أسمع شيئا مثله قط".
قال برايس، حائرا لكنه مهتم بسمع تفسير التنين: "سعيدة؟ سيقول معظم الناس إنها حزينة فحسب".
أوضح: "تبدو وحيدة، كتنين صغير ينال حريته، لكنها تبدو حزينة أيضا، كأنهم يحزنون لفراق بيتهم القديم".
ومال برأسه متسائلا: "أيفترض بهذه الأغنية أن تكون حزينة وليست سعيدة؟".
رد برايس مسروراً بسماع موسيقى مألوفة من أوقات أقل توترا في حياته: "نعم، إنها أغنية حزينة، لكنها إحدى المفضلات عندي. إنها قديمة نوعا ما، قد تعود لمئة عام أو نحو ذلك، لكنها سُجلت قبل بضع سنوات فحسب".
سأل فاثوم: "أثمة كلمات في تلك الأغنية؟ لم أتعرف على أي منها".
قال برايس: "لا، تلك مجرد أصوات عذبة تصدرها أنثى بشرية".
"لقد كانت أرفع بكثير من صوتك، أأصوات الإناث البشرية أرفع من أصوات الذكور؟"
"تقريبا دائما، نعم".
لاحظ فاثوم: "غريب. أصوات إناث التنانين أعمق قليلا من أصوات الذكور".
أومأ برايس: "هذا منطقي، فهن أضخم، والأشياء الأضخم تصدر عادة أصواتا أعمق".
سأل فاثوم: "أيمكنني الاستماع إلى موسيقى بشرية أخرى؟ ألديك شيء أكثر بهجة؟".
فأجابه برايس باختيار اسطوانة أخرى. بدأت آلة أوكارينا ناعمة ومحزنة بالعزف، مما جعل فاثوم يميل برأسه قليلا. وسرعان ما انضمت آلات وترية، ثم نحاسية، تلتها آلات أخرى عجز برايس عن جزم هويتها بدقة. قادت الآلات النحاسية تدريجيا تحول الأغنية إلى صخب مظفر قبل أن تختتم بذلك اللحن الوحيد المؤلم. هز فاثوم رأسه طربا مع لحن الموسيقى، وكان مشهداً طريفاً. أكان البشر المخلوق المعروف الوحيد الذي يهز رأسه مع الموسيقى، أم دلالة ذكاء، أم مجرد صدفة؟
أدرك أنه إن كانت التنانين تحب الموسيقى، فهز الرأس أمر محمود، مما قد يفسر لم تهز رؤوسها إظهارا للموافقة مثلما يفعل البشر. رفع برايس الإبرة عن الاسطوانة ثم استدار ليواجه فاثوم، مستطلعا ما سيفكر فيه التنين.
قال بعد هنيهة تفكير: "تعجبني هذه الأغنية، إنها جميلة للغاية، وتبدو سعيدة حقا، حتى وإن بدا أولها وآخره حزينين بعض الشيء".
قال برايس مبتسماً: "يسرني أنها نالت إعجابك".
سأل فاثوم باهتمام: "أغاني التنانين سعيدة في غالبها، أيكتب البشر الكثير من الأغاني الحزينة؟".
هز برايس كتفيه: "الأغاني قد تكون أي شيء. قد تكون سعيدة، أو حزينة، أو قوية. يسكب كاتبو الأغاني مشاعرهم فيها. ومن الطريف أن ترى التنانين — أو تسمع — الأمر بشكل مختلف".
صحح عبارته هكذا.
همهم فاثوم متفحصا ثم سأل: "الآلات هي ما يصدر هذه الأصوات؟".
"نعم، الآلات تصدر هذه الأصوات. في السفينة آلات، لكنها تتطلب تمرنا شاقا، وقد مرت سنوات عديدة منذ آخر مرة عزفت فيها".
سأل فاثوم مترجيا: "أيمثل العزف بآلة مدعاة للخجل؟".
"ليس محرجا حقا، لكن…"
كان برايس على وشك القول إن الآلات لا تخصه، لكنه عرف رفاقه جيدا، وتيقن أنهم لم ليحرجوا من استخدام آلاتهم لعزف الموسيقى لتنين.
قال برايس ومسرة فاثوم تغمره: "لا بأس، سأريك كيف تعمل. لست بارعا في العزف، لذا لن تبدو جيدة كموسيقى الفونوغراف".
حذره، ولم يبدُ أن ذلك خفض من ترقب التنين قيد أنملة. قضى بعض الوقت في التفتيش بين مقتنيات رفيقه الراحل، وعثر على فلوت، وأوكارينا، وبوق، وكمان. لم يعزف يوما سوى القليل من الفلوت أيام صباه، لكنه أخرجها جميعها على أي حال. فحتى بلا تمرن سيتمكن من عزف بضع نكات، وسيتعين على ذلك أن يكفي. بدأ برايس بالآلات الأقل مألوفة لديه، فاختار البوق عشوائيا.
أوضح برايس: "هذا بوق، لم أستخدمه قط، لكن هذه الأشياء هنا تسمى (مفاتيح)، والضغط عليها يغير الصوت".
ثم رفع بصره ليجد وجه فاثوم شديد القرب لدرجة انعكست فيها نحاسية البوق الذهبية بوضوح في عيني التنين الواسعتين.
"آه، صحيح، هذا جميل، أليس كذلك؟".
سأل فاثوم بتذمر طفيف وغلبة من الرهبة أمام الأنابيب الملساء اللامعة التي تكونت منها الآلة: "لمَ لم ترني هذا من قبل؟ يكاد يشبه هذا الذهب".
وتنفس بصعداء طامع.
سأل برايس مسمرا بصره على الآلة: "نعم، هذا ليس ذهبا… مهلا، كيف عرفت؟".
من الواضح بالطبع أنه لم يكن ذهبا، لكن لو لم يكن يعلم لاستحال عليه معرفة المعدن المصنوع منه البوق بنظرة عابرة.
قال فاثوم متفحصا: "يبدو مختلفا، وهو يعكس أشعة فوق بنفسجية أقل من الذهب. أيبدو لك هذا ذهبا؟".
أكد برايس: "نعم، يبدوان متطابقين تقريبا للبشر".
أومأ فاثوم: "طريف. إن لم يكن هذا ذهبا، فما المعدن إذن؟".
وسأل بينما واصل التطلع إلى الآلة الفاتنة.
أوضح برايس: "يدعى هذا المعدن نحاس أصفر، وهو مصنوع من معدنين آخرين هما النحاس والزنك".
سأل فاثوم ميملا رأسه بتفكر: "أمصنوع النحاس والزنك من معادن أخرى؟".
"لا، النحاس نحاس فحسب، والزنك زنك فحسب. والذهب كذلك، فالأشياء التي تتكون من ذاتها فحسب تسمى عناصر".
قال فاثوم شاردا وما زال يرمق البوق بتقدير: "لا بد من وجود عناصر كثيرة في العالم؟".
أشار برايس بيديه على نطاق واسع: "عثر البشر على تسعين عنصرا، وهناك غيرها. كل ما تراه… يتكون من عناصر".
قال فاثوم مصدوما ومبعدا نظره عن البوق: "كل شيء يتألق من تسعين عنصرا فقط؟".
استدرك برايس: "يمكنني تعليمك المزيد الآن، أو بمقدوري عزف البوق — أي جعل البوق يصدر ضجيجا".
قال فاثوم بعد هنيهة تفكير: "…اعزف بالآلات، ودع التعليم لوقت لاحق، ربما غداً".
قال برايس وهو يلتقط البوق ويطهر قطة الفم: "حسنا".
عزف بضع نكات متخبطة جعلت فاثوم يبسط أشواكه استياء.
هز برايس كتفيه: "أخبرتك أن الآلات تتطلب تمرنا. لكنك تستطيع سماع أن إحدى الآلات في الأغنية كانت بوقا، أليس كذلك؟".
قال فاثوم باديا بخيبة أمل: "نعم، في منتصف الأغنية الثانية".
مضى برايس نحو الآلات الأخرى وقال: "تسمى هذه الآلات أوكارينا، وكمان، وفلوت".
كانت الأوكارينا أسهل في إخراج نكات واضحة، رغم جهله بالثقوب الواجب تغطيتها لعزف نكات محددة. سُر فاثوم أكثر بالناتج الهوائي اللطيف للأوكارينا، وتعرف عليها بسهولة كآلة مستخدمة في مطلع الأغنية وختامها.
حذر برايس حين التقط الكمان: "تسمى هذه كمانا، ولا أدرك كيف أعزف عليها أيضا".
لم يعلم حتى كيف يضبط وتر الآلة، وإن عرف ضرورة حك شعر القوس بالراتنج. بدا فاثوم ميالا لهذه أكثر من البوق قليلا، ونجح على الأقل في تمييزها كإحدى الآلتين في الأغنية الأولى، رغم عجز برايس عن ربط أي شيء مفهوم ببعضه.
قال برايس متتبعا أصابعه فوق الآلة الخشبية بحنين: "هذا فلوت، وقد علمتني أمي عزفه قبل زمن بعيد".
لم يشابه سوى قليلا ذلك الذي استخدمه، ومضت عقود منذ أن لامس فلوتا آخر. قرب الآلة من شفتيه وجهد في عزف تهويدة قديمة مدفونة في أعماق ذاكرته. أغمض برايس عينيه، فلم يلحظ كيف جعلت النكات الحادة المبحوحة فاثوم يبسط أشواكه تبرما. ورغم هذه البداية المتعثرة، شرعت ذاكرته العضلية القديمة بالعودة ببطء، بالقدر الكافي على الأقل ليعزف لحنا متوترا لكنه لطيف.
قال فاثوم حين أنهى الأغنية القصيرة: "كان ذلك أفضل بكثير في النهاية. تختلف هذه الأغنية عن تلك التي عزفها الفونوغراف، إنها تبدو… هادئة. تعجبني".
"نعم، تعلمتها منذ أمد طويل، لذا لا أتذكر سوى النزير اليسير من العزف. يمكنني تجربة عزف الأغنية الثانية، إن شئت".
أومأ فاثوم بحماس: "نعم، اعزف".
أغمض برايس عينيه، ثم عزف النكات واحدة تلو الأخرى بسرعة أبطأ مما ينبغي، لكنه تسارع تدريجيا إلى إيقاع مقبول. افترض أن تعزف النكات بأوكارينا، لكن الفلوت شبيه بما يكفي ليكون بديلا، رغم أن ذلك لم يعصمه من الأخطاء وهو يتخبط بين نكة وأخرى. أصدر فاثوم ههممة مستحسنة، رغم هذا الأداء المعيب للغاية؛ وبدا أنه استطاب الأصوات التي تصدرها الآلة.
همهم فاثوم متفكرا: "إنها مختلفة، لكني أستطيع تمييز تشابه الموسيقى. مستقبلا، أريد رؤية وسماع بشر يتقنون العزف على الآلات".
توقف ثم سأل بتستر: "أذلك شتيمة؟".
ضحك برايس: "لا، صحيح أنني لست بارعا في الفلوت. دعوة البشر للآلات المختلفة معا بالأوركسترا، ونعم، آمل أن تتمكن من سماع واحدة يوما ما".
وابتسم لثيابه. سيتطلب الأمر جهدا مضنيا لإعادة فاثوم إلى البر الرئيسي، أو لنقل كافة الآلات عبر المحيط، لكنه ظل أمرا لطيفا للتخيل.
قال فاثوم: "نعم، هذا حسن، أريد سماع المزيد. غناء التنانين معا جميل جدا للاستماع إليه، لكنه يختلف عن هذا".
سأل برايس مندهشا: "غناء التنانين؟ أَتغني مع تنانين أخرى؟".
قال فاثوم ببريق بدا أشبه بالحنين في صوته: "نعم، في الاحتفالات، أو مع العائلة".
قال برايس برجاء: "وددت لو أستمع إلى غنائك، إن أردت".
أومأ فاثوم: "حسنا"، ثم أخذ نفسا عميقا ممهدا.
لم يشبه ما انطلق شيئا ألفه برايس قط؛ بدأ كصوت عميق مأخوذ من الحلق، ثم صعد ببطء في الطبقة والحجم. أتاحت له طاقة رئتي التنين الهائلة الاستمرار بلا تنفس لفترة أطول بكثير مما يطيقه أي بشر، ولم يتوقف طوال مدة الأغنية. كان اللحن غريبا ومتقلببا، فتارة تتغير الطبقة باطراد، وتارة أخرى يتحول إلى نحيب متموج. في منتصف الأغنية، لاحظ برايس أن طبقة اللحن قفزت من العالي إلى المنخفض، لكنها لم تعكس الاتجاه قط.
عجز عن تحديد كنه الغرابة في هذه المقطوعة الموسيقية، لكنها بدت خالية من النكات بالمعنى البشري التقليدي، إذ تيقن أن العديد من النكات كانت (خارجة عن مقامها)، فضلا عن أن النحيب المتموج استحال على أي بشر تقليده. شابهت الأغنية مفارقة، فوضوية ثم منظمة، حيوية ثم هادئة، وأحيانا الاثنتان معا — ومع ذلك لم تكن بغيضة على أذنيه. انطوت الأغنية على طاقة أولية وعاطفة خام استحال على أي كان وصفهما بالبلادة.
أنهى فاثوم الأغنية بنحيب أخير مؤلم، وخفض رأسه ليحدق في برايس بانتظار.
قال برايس، مرجيا ألا يكون الأمر مسيئا — فالفونوغراف كان طريفا بحق: "شكرا لك، أعجبتني الأغنية؛ كانت بالغة الطرافة ومختلفة جدا عن الأغاني البشرية".
وحسن الحظ، بدا فاثوم مسرورا بالرد، واستقر مجددا بهيئة راضية.
خمن برايس: "أكانت الأغنية… عن الطيران؟".
لم تحو الأغنية كلمات، أو هكذا بدا له، لكن ذلك كان الانطباع الذي خلّفته.
هتف فاثوم بسعادة ويبدو مبتهجاً للغاية: "نعم! كيف عرفت؟".
"صعدت طبقة الأغنية من المنخفض إلى العالي ببطء، كصنين يحلّق صاعدا، لكنها هبطت من العالي إلى المنخفض بسرعة، كغواصة تنقض، أأنا مصيب؟".
"نعم، هذا صحيح. تتحدث الأغنية عن المشاعر التي نغمر بها أثناء الطيران، لكني غيرتها قليلا؛ فعادة ما تكون أعلى صخباً بكثير".
أضاف بصراحة: "نعم، أشكرك لعدم الهدير في وجهي".
عقب برايس بسخرية خفيفة: "أما زلت… ترفض الغناء؟".
سأل فاثوم بترقب: "لا، ليس تماما".
تذمر برايس: "لكنك غنيت لي، لذا أعتقد أنه من العدل أن أجرب الغناء لك. ولن يبدو جميلا".
وحذره حين رأى فاثوم ينتفض تحسبا.
أجاب فاثوم بنضارة: "لا بأس، أريد سماعه".
لم يملك برايس سوى الإفصاح عن معرفته بأغنيتين فحسب؛ أغنية الحروف الهجائية، و… أغنية الأحماض الأمينية. ومهما بلغ حرجه، فلن يغني أغنية الحروف الهجائية لتنين قط… لذا فالثانية هي الاختيار. جلايسين، فالين، لوسين، آيزولوسين، ألانين، كلها أليفاتية، فلن ترى حلقة! الوحيدة بحلقة هي البرولين، ومن البروتين نتشكل! تجد السيرين والثرونين بمجموعتي هيدروكسيل، وللكبريت انظر إلى السيستين أو الميثيونين!
للقواعد، تمتلك أرجينين، وليزين، وهيستيدين، ومن البروتين نتشكل! (والآن العطرية!) تريبتوفان، وتيروزين، وفينيل ألانين! والأسبارتيك والجلوتاميك أحماض كما رأينا، وللأميدات، انظر إلى الأسباراجين والجلوتامين كذلك، ومن البروتين نتشكل!
قال فاثوم متذمرا بعض الشيء: "…لا أعرف الكثير من هذه الكلمات".
اعتذر برايس: "عذرا، هذه الأغنية الوحيدة التي أعرفها. تستخدم لمساعدة الناس في تذكر أسماء أشياء معقدة يعسر علي تعليمك إياها الآن".
سأل فاثوم باهتمام: "يستخدم البشر الأغاني للمساعدة في تذكر الكلمات؟".
"نعم، أظن أن التنانين لا تحتاج للأغاني لتذكر الأشياء".
قال فاثوم متفحّصاً: "لا، لا نملك ذلك. لم يخطر ببالي قط… أن للأغاني (فائدة)".
بادر برايس حين ظل فاثوم صامتا حيال الأغنية ذاتها: "إذن… أأعجبتك الأغنية؟".
أجاب فاثوم بحرج، وبنبرة مشابهة بصورة مريبة لأحدهم يكذب بادبا من خلال الإخفاء: "آه… كانت… طريفة، ومختلفة جدا عن أغاني التنانين".
عقب برايس مجروحا برغم أنفه: "آه… يمكنني عزف باقي الأغاني في هذه الاسطوانات، إن أردت".
هتف فاثوم هازا رأسه بشغف وهو يجلس: "نعم من فضلك".
تحرك برايس لتهيئة الفونوغراف، ثم توقف متذكرا أمرا.
قال برايس بحماس: "آه صحيح! أظنني أدرك لم يهز كل من التنانين والبشر رأسيهما حين يقصدان (نعم). يعود الأمر للموسيقى. فالبشر والتنانين يحبون الموسيقى، ويهز كلاهما رأسه أثناء الاستماع إليها، لذا تعني الهزة أمرا حسنا".
أومأ فاثوم لاإراديا: "هذا… منطقي".
ثم توقف بغتة مدركا ما يفعله.
لاحظ فاثوم: "إنه أمر طريف. لم أفكر في الأمر من قبل، لكني لم أر قط حيوانات أخرى تحب الموسيقى. أهذه صدفة؟ أم هناك سبب؟".
تأمل برايس وهو يستدير لتدوير الفونوغراف: "نعم، لدي نظرية. أعتقد أن السبب يكمن في ضرورة تمتع الكائن بالذكاء ليحب الموسيقى".
همهم فاثوم بود حين اختار برايس اسطوانة أخرى: "هذا منطقي".
وبطريقة عجيبة، بدا الاستماع برفقة فاثوم تجربة جديدة، رغم أن تلك الأغاني لم تكن جديدة عليه قط. وشعر بفيض غريب من الكبرياء كلما أبدى فاثوم إعجابه بمقطوعة بعينها، مع أنه لم يؤلف أغنية في حياته. ومع انقضاء النهار، أدرك أنه يشعر بالفخر كإنسان. لم تكن تلك مشاعر غريبة تماما — فقد أحب برايس العلم بشغف دوما، لكنه لم يشعر به بهذه الحدة قط، وظن استحالة اختبار شعور مماثل في أي ظرف آخر، بلا وجود عضو من جنس واع آخر ليكون مرآة.
فكر في تلقين فاثوم نبذة عن الكيمياء اليوم، لكن برايس ابتسم حين بدأ طرف ذيل فاثوم يضرب الأرض توافقا مع هز رأسه، وقرر أنه لا ضير في أن يقضي الاثنان بقية اليوم في الاستماع إلى الموسيقى.
[مدخل يوميات]
اليوم 75، تمكن فاثوم اليوم من الطيران بنجاح باهر، والقول إنه كان في غاية الابتهاج لا يعدو أن يكون تقليلا من شأن فرحته. نخطط للذهاب للقاء سيليست في اليوم 80، ويقول فاثوم إنها ليست بعيدة جدا — تبعد نحو ثلاث أو أربع ساعات طيرانا، مع أنه لم يزرها من قبل. لقد حزمت مؤونة تكفي عشرة أيام، وإن كان فاثوم يستطيع عمليا أن يساعدني في الصيد. من السهل... أن أختزل الأشخاص الذين ساعدتهم إلى مجرد إحصائية، لكن رؤية الفرح الذي جلبته إلى فاثوم تجعل ذلك المفهوم يبدو أقل تجريدا بقليل.
عرفته اليوم بالموسيقى، فاستمتع بكل ما سمعه كثيرا. وغنى لي أيضا أغنية عن الطيران، من دون أن تستخدم كلمات بأي لغة. كانت غريبة جدا، لكنها لم تكن مزعجة على الإطلاق. لا أظن أن أي وصف مكتوب يمكن أن ينصف التجربة، أو على الأقل لا أظن أن وصفا أكتبه أنا يستطيع ذلك. غدا سأعلم فاثوم الكيمياء، فقد أبدى اهتماما بهذا الموضوع — ولا سيما بما يتعلق بالمعادن.