قال برايس، محاولاً التأكد من إدراك الموقف: "إذن تعرف عشائر صناعة الجعة كيف تصنع الكحول، لكي لا تهاجمها التنانير الأخرى؟"
أجاب فاثوم: "نعم ولا، يمكنها الهجوم، ولكن إن هاجمت، فلن تحصل على كحول التجارة."
قال برايس بشرود: "نعم، أنا أفهَم،"
وقد أربكته فكرة احتكار التنانير للسلع. كيف يمكنهم إبقاء أمر كحولٍ ما سراً؟ لم يكن الأمر صعباً لتتم معرفته بالصدفة.
وسأل، عاجزاً عن التوصل إلى إجابة معقولة: "لماذا لا تتعلم التنانير الأخرى صنع الكحول؟ كل ما تحتاج إليه هو الفاكهة والانتظار."
حرّك فاثوم جناحيه ليُبدي عدم الاهتمام وأوضح: "الفاكهة صغيرة، وطعمها ليس جيداً مثل التفاح. معظم التنانير لا تأكل الفاكهة. ربما كان التنين الأول الذي صنع الكحول غريباً ويحب الفاكهة."
قال برايس: "...أنا أفهَم،"
وشعر بشيء من السذاجة لعدم تفكيره في هذا الاحتمال. سيكون من الصعب صنع الكحول بالصدفة إن لم يكن للمرء سبب لتخزين الفاكهة في المقام الأول.
كان هناك أمر أخير أراد سؤاله عنه: "لماذا تحصل عشيرة صناعة الجعة على الجزء الجنوبي من الجزيرة؟ هل هو... جيد؟"
أوضح فاثوم وهو ينظر إلى أسفل عند ذكر إقليمه الضائع: "نعم، الرياح ضعيفة، ولا توجد عواصف، وهناك طعام كثير. إقليمي القديم... أبعد جنوباً من هنا."
عبس لثوانٍ معدودة قبل أن يعاود النظر إلى برايس، الذي كان واقفاً بجمود تام وعيناه واسعتان.
هتف برايس، وهو يلكم الهواء بكلتا يديه: "...هاها...هاهاهاها! كان محقاً!"
سأل فاثوم، مرتبكاً وحذراً بعض الشيء من هذا الانفجار المفاجئ من الإنسان الهادئ بطبعه: "من كان محقاً؟"
تلعثم برايس بينما كان يهدئ من روعه: "رايت – أعني،"
ثم تساءل كيف يشرح أن صديقه رايت قد تنبأ بانعدام العواصف أو قلّتها شبه التامة عند خط الاستواء بسبب أمر أسماه تأثير كوريوليس...ولكن لشرح ذلك، كان عليه أن يشرح أشياء كثيرة أخرى.
قال برايس، مشيراً إلى الخريطة بأكملها: "الأرض هي كل هذا. دوران الأرض –"
وقاطع برايس نفسه عندما رأى تعبير الحيرة على وجه فاثوم.
وسأل بحذر: "سؤال: أنت تعرف أن الأرض تدور، أليس كذلك؟"
سأل فاثوم وهو يميل برأسه: "تدور كيف؟"
يا للهول. أخرج برايس الكرة الأرضية وأضاء المصباح، ثم وضع الكرة أمام فاثوم والمصباح على بُعد أمتار قليلة.
وأشار إلى المصباح والكرة الأرضية تباعاً قائلاً: "هذا هو الشمس، هذه هي الأرض. حرّك رأسك إلى هنا،"
وأشار بيديه، فاستجاب فاثوم ببطء. قاد برايس رأس فاثوم حتى اقتربت عيناه قدر الإمكان من الجزيرة.
وأوضح وهو يدير الكرة الأرضية ويقود رأسه حتى ظهر المصباح في مجال الرؤية: "نحن هنا، شروق الشمس هو هذا. دوران الأرض، أفهِمتَ؟"
حدق فاثوم بحيرة، وتضاءلت آمال برايس في أن يستوعب الحقيقة غير البديهية بمعجزة مع كل ثانية تمر.
سأل، حائراً لا معترضاً: "لا شعور بالدوران، لماذا تقول إن الأرض تدور؟"
قال برايس، عاجزاً عن إيجاد طريقة للشرح: "لأن الأرض... تدور!"
ما الذي يمكنه فعله لإثبات أن الأرض تدور حول محورها؟ استغرق الأمر عقوداً وعقوداً من الرصد الفلكي بمعدات متطورة لكي تثبت البشرية أنها ليست في مركز الكون، وأن السموات لا تدور حولها. لم يكن ذلك خياراً مطروحاً بالطبع، لذا كان الشيء الوحيد الذي يمكنه فعله هو شرح أمور عجز النموذج القائل بمركزية الأرض عن تفسيرها.
سأل برايس بحماسة: "تراقب التنانير النجوم، وتسمّي النجوم، أليس كذلك؟"
قال فاثوم، غير متأكد ممّا يرمي إليه برايس: "...نعم؟ أنت تعرف هذا."
"سؤال: تري نجوم تتحرك؟ تتحرك بشكل مختلف عن النجوم الأخرى؟"
"نعم، تسمى... أشياء لا تبقَى في مكان واحد، مثل التنين الذي ليس لديه بيت."
هتف برايس، عاجزاً عن كبح حماسته عندما أدرك أن التنانير تطلق على الكواكب الاسم ذاته الذي يطلقه البشر، حيث تعد كلمة كوكب كلمة قديمة تعني «التائه».
شعر بنوع لا يُعزى من القرابة عند تلك اللحظة، لكنه بذل وسعه لتجاهل الأمر مؤقتاً.
وأوضح قائلاً: "النجوم التي تتجول تُسمى «كواكب»، و«كوكب» كلمة قديمة تعني «التائه»."
سأل فاثوم واتسعت عيناه قليلاً: "اسم الإنسان للتائه هو ذاته المعنى بكلمة التنين؟"
"نعم!"
قال فاثوم وهو ينظر إلى برايس بينما تتحرك جناحاه بما أمل برايس أن يكون حماسة أو سعادة: "غريب، ولكن... جيد. البشر ليسوا مختلفين كثيراً عن التنانير."
أكّد برايس: "نعم، جيد جداً جداً! أتعرف لماذا تتجول الكواكب؟"
هزّ فاثوم كتفيه: "الكواكب تتجول... لأنها تتجول."
قال برايس، وهو يرسم مخطّطاً للنظام الشمسي الداخلي: "لا، هي تتجول لأنها تدور حول الشمس، مثل الأرض. هذه هي الأرض، هذه هي الزهرة، الزهرة هي الكوكب الأسطع، والمشتري هو ثاني أسطع الكواكب، وعطارد هو الثالث، وزحل هو الرابع، والمريخ هو الخامس، وأورانوس هو السادس، ونبتون هو السابع."
قال فاثوم شاكّاً وهو يتفحص المخطّط: "ثمانية كواكب؟ أنا أرى ستة كواكب فقط."
أوضح برايس: "أورانوس ونبتون باهتان للغاية، ويصعب رؤيتهما بالعين."
سأل فاثوم، وخلا صوته من أي سخرية: "كيف يرى البشر؟ عيونكم ليست جيدة مثل عيون التنانير."
أوضح برايس، وكان قد بدأ المشي بالفعل نحو السفينة لإحضار المنظار المقرّب: "استخدم البشر المقاريب، المقراب يشبه المجهر، لكنه يتيح للإنسان رؤية الأشياء البعيدة لا الصغيرة."
كانت الجزيرة تقع عند خطوط عرض منخفضة تتيح رؤية نجوم لم تُشاهد من قبل، لذا حملت السفينة مرقارين لتمكين فلكيي الطاقم من إجراء عمليات الرصد. يمكن للمرء استخدام النجوم للملاحة، لكنها طريقة أقدم وأكثر تعقيداً وأقل دقة من الطرق التي تعلمها برايس، لذا لم يكن هناك سبب حقيقي لاستخدامها إلا إذا تعطلت بطريقة ما كل من الساعات الدقيقة وجهازي الراديو أثناء الاستكشاف. ووجد أيضاً كتاباً دراسياً في علم الفلك يتضمن رسماً توضيحياً للنظام الشمسي، فأحضره معه هو الآخر.
كان متحمس لدرجة إطلاع فاثوم على النجوم لدرجة أنه لم يدرك أن الوقت لم يبلغ الظهيرة بعد إلا بعد أن غرز المقراب في الرمال.
قال برايس: "...يمكنك استخدام المقراب ليلاً لرؤية النجوم والكواكب، ويمكنك استخدام المقراب لرؤية الأشياء البعيدة في النهار."
سأل فاثوم، مخترقاً محاولة الارتجال المحرجة هذه: "نسيت أنه لا يمكنك استخدام المقراب إلا ليلا؟"
"ل-لا..."
أصدر التنين ههيمنة مشككة، لكنه لم يقل شيئاً آخر. تنحنح برايس وفتح الكتاب المدرسي على الصفحة التي تعرض رسم النظام الشمسي.
قال برايس، مشيراً إلى الصفحة بأكملها: "هنا «النظام الشمسي»، والنظام الشمسي يعني الشمس والكواكب."
وقال وهو ينقر على كل كوكب: "الكواكب هي عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون. تبدو الكواكب قريبة على الورق، لكنها بعيدة جداً جداً عن بعضها البعض، مثل الجزر على الخريطة."
قال فاثوم متشككاً وهو يفحص المخطّط: "المشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون، كلها أكبر من الأرض؟ هذه لا تبدو ككواكب."
قال برايس وهو يضبط المقراب ليتمكن من رؤية الشواطئ البعيدة الممتدة نحو الشرق على بُعد كيلومتر أو كيلومترين جنوب موقعه: "نعم، أكبر بكثير، وهي كذلك، سأريك ليلاً. ضع عينك هنا، مثل المجهر."
فعل فاثوم ذلك، ثم رفع رأسه بعد ثوانٍ معدودة لينظر بعينيه إلى الأشجار التي أشار إليها برايس بالمقراب، ولاحظ برايس حركة حدقتيه السريعة. حان وقت اختبار أمر كان يرتاب بشأنه منذ فترة.
قال برايس: "انظر عبر المقراب مجدداً،"
وعندما فعل فاثوم ذلك أدار القرص لضبط التكبير.
"عيناك، أيمكنهما فعل هذا؟"
قال فاثوم وقد اتشح صوته بالدهشة: "نعم، ولكن ليس هكذا تماماً."
كان برايس قد ضبط التكبير على مئتي ضعف، وبهذا ينبغي أن يكون قادراً على رؤية لحاء تلك الأشجار البعيدة بتفاصيل دقيقة. أدار برايس بعض المقابض وضبط المقراب إلى ضعفي التكبير.
"أترى أفضل أم أسوأ من هذا؟"
قال فاثوم: "أرى أفضل بكثير من هذا."
ضبطه برايس على أربعة أضعاف التكبير.
"وماذا عن هذا؟"
"...أرى أفضل بكثير."
ثمانية أضعاف التكبير.
"وماذا عن هذا؟"
نظر فاثوم صعوداً وهبوطاً لعدة مرات للمقارنة بين بصره وبصر المقراب.
"قريب جداً. كيف يفعل المقراب هذا؟"
دُهش برايس من بصر التنين المذهل، فدون في دفتره «~رؤية مقرّبة ثمانية أضعاف تقريباً»
قبل أن يجيب: "يستخدم المقراب الزجاج، والزجاج يحني الضوء، ليجعل الشيء الصغير أكبر، مثل العدسة المكبرة والمجهر."
مما جعل فاثوم يهز رأسه فاتراً. ثم تذكر أن لديه تجربة علمية كلاسيكية ليريها لفاثوم، فأخرج العدسة المكبرة من جيبه التي كانت بحوزته في اليوم السابق.
وقال معرباً عن أمله في جذب انتباه التنين: "يمكن للعدسة المكبرة أن تصنع ناراً."
انتفض فاثوم فور سماعه لتلك الكلمات.
وسأل شاكّاً: "كيف يصنع الزجاج ناراً؟"
ابتسم برايس باتساع، وهو يفرك كفيه بحماسة مدمرة.
"إنها ساخنة"، قال فاثوم.
"تستطيع أن تشعر بذلك؟"
سأل برايس متفاجئا.
"أشعر بها هنا"، قال فاثوم، وربت على مقدمة خطمه.
ضيق برايس عينيه وانحنى أقرب، فتذكر الحفر الصغيرة الشبيهة بالثعابين التي رآها منذ زمن بعيد. وكان هذا يؤكد بالتأكيد أنها تؤدي الغرض نفسه الذي تؤديه الأعضاء التي تشبهها، أي إن التنانين تستطيع استشعار الحرارة، وبالتحديد نطاقا معينا من ضوء الأشعة تحت الحمراء المنبعث من الأجسام الدافئة.
"الإنسان يشعر بالحرارة عبر الجلد"، قال برايس شارد الذهن، وركز على تثبيت العدسة المكبرة فوق عقدة داكنة في الخشب.
ثم أضاف: "لكنها ليست بجودة استشعار التنين للحرارة، على الأرجح".
لم يكن كثيرون يعرفون ذلك، لكن جلد الإنسان يمتلك القدرة على استشعار ضوء الأشعة تحت الحمراء، وهذا يفسر كيف يستطيع المرء أن يشعر بحرارة اللهب قبل أن يسخن الهواء، وهو أمر واضح جدا إذا وقفت على مسافة من عمود من النار. وكانت للتنانين أعضاء حفرية متجهة إلى الأمام، ما يعني على الأرجح أنها تستخدمها لاصطياد الفرائس، أو ربما كانت تستخدمها لغرض آخر لم يعرفه برايس بعد.
"في ماذا تستخدم استشعار الحرارة؟"
سأل برايس، فيما بدأ الخشب يتصاعد منه الدخان.
"أجد... الأشياء الدافئة"، قال فاثوم، وبدا مراوغا.
"أي أشياء دافئة؟"
سأل برايس، وقد ضيق عينيه بريبة.
"أجد... الطعام... الجارحات... أرى حرارة البيض"، عدد فاثوم، من دون أن ينظر إليه تماما وهو يفعل ذلك.
انتظر برايس بضع ثوان أخرى، لكن فاثوم رفض أن يفصح عن أي معلومات إضافية. كان سيسأله أن يوضح، لكنه قرر أن يستجوبه لاحقا، إذ كان الخشب قد بدأ يشتعل.
"أرأيت؟ العدسة المكبرة تشعل النار".
"...نعم... لكنني لا أفهم".
بدا فاثوم حائرا جدا، وأخذت أشواكه ترتعش في قلق.
"ماذا لا تفهم؟"
"كيف يجعل الزجاج النار؟ الحياة تصنع النار، والزجاج لا يعيش".
"الزجاج يأخذ ضوء الشمس، ويحنيه، فيجمع ضوءا كثيرا في مساحة صغيرة. تسخن أشعة الشمس الخشب، فيحترق الخشب"، شرح برايس، ثم رمش.
"انتظر، ماذا تعني بأن الحياة تصنع النار؟"
"الحياة تصنع النار"، قال فاثوم وهو يهز جناحيه، كأن الأمر بديهي.
"...مثال؟"
سأل برايس، وقد ازداد ارتباكه كثيرا.
"لدى التنانين نار، ولدى التنانين حياة. الشمس نار كبيرة، ولدى الشمس حياة"، أوضح فاثوم بحذر.
لقد لاحظ بلا شك النمط الذي كان برايس يفند به معتقدات أبناء التنانين الراسخة منذ أمد طويل.
"تصحيح: التنانين حية، والجارحات حية، لكن الجارحات لا تملك نارا، والبشر لا يملكون نارا. معظم الحيوانات لا تملك نارا"، اعترض برايس.
"التنين أكثر حياة، لديه نار. الأشياء الميتة لا تملك نارا".
أصدر برايس همهمة وهو يفكر في طرق يدحض بها هذه النظرية. ولعل البشر القدماء امتلكوا شيئا مشابها، وكل ما عليه هو أن يعلم فاثوم ما كانوا قد تعلموه. استأذن التنين وذهب ليحضر ألبوم صور. كان أحد أفراد الطاقم، ويدعى تشارلز هوكينز، عالما بالأحياء ومصورا هاويا، يملك ألبوما يضم صوره المفضلة. تذكر برايس أن تشارلز ذكر البرق بوصفه واحدا من موضوعاته الكثيرة، وبالفعل وجد عدة صور لهذه الظاهرة.
كان يستطيع على الأرجح أن يشرح البرق لفاثوم، لكن امتلاك صورة كان أسهل بكثير، ناهيك عن أنه أقل التباسا. بعد ذلك، فتش برايس السفينة بحثا عن بعض بلورات الكوارتز، لكنه لم يعثر على أي منها حتى تذكر أن لديه بضع ولاعات للشواء. كما أخذ كوبا زجاجيا شفافا وبعض الشموع من أجل التجربة العلمية. أسرع عائدا إلى التنين الذي نفد صبره، والمواد محتضنة بين ذراعيه.
"آسف، استغرق الأمر دقائق أكثر مما توقعت"، اعتذر وهو يضع الكومة أرضا.
"هذا برق. أنت تعرف البرق، أليس كذلك؟"
سأل وهو يرفع صورة صاعقة.
"نعم، أعرف البرق"، قال فاثوم.
"البرق يصنع ضجيجا كبيرا".
"نعم، ضجيجا كبيرا جدا. والبرق يصنع النار أيضا"، قال برايس، فأومأ فاثوم.
"السحاب يصنع البرق، والبرق يصنع النار. كيف يصنع البرق النار إذا كان السحاب لا يعيش؟"
"السحاب... يصنع البرق"، قال فاثوم، كأنه سئل عن سبب زرقة السماء.
"وهذه ولاعة، والولاعة تصنع لهبا"، قال وهو يشعل اللهب بنقرة.
"الولاعة لا تعيش، لكنها تصنع لهبا".
ولما رأى أن فاثوم ما زال يبدو متشككا، سأله برايس: "الشرارة برق صغير. هل ترى الشرارة حين أشعل اللهب؟"
ثم أخذ يشعل اللهب ويطفئه.
"...نعم، شرارة صغيرة جدا".
"جيد. الشرارة مصنوعة من صخر، واسم نوع الصخر هو الكوارتز"، شرح برايس.
"حين تضرب الصخر، يصنع شررا. هل تعرف الكوارتز؟"
"...أتعرف صخورا تصنع الشرر؟"
سأل فاثوم، وقد اتسعت عيناه دهشة.
"الكوارتز حي".
"لا، الكوارتز صخر، والصخر ليس حيا".
"الكوارتز ليس حيا. الكوارتز لديه حياة... حرارة"، قال فاثوم، متململا في ما بدا أنه اضطراب.
حرارة الحياة؟ كانت الحرارة طاقة. فهل كان فاثوم يقصد نوعا من طاقة الحياة؟
"حسنا، اسم حرارة الحياة هو طاقة الحياة. هل تعتقد التنانين أن النار حية، أم أن الكائنات الحية تملك النار؟"
"...ما الفرق؟"
ولما رأى برايس أنه لا يحرز تقدما يذكر، خط ما تعلمه عن معتقدات التنانين المتعلقة بالحياة، كي يرتب أفكاره: تؤمن التنانين بما يلي:
النار تمثل قوة الحياة أو طاقتها، أو لعلها هي قوة الحياة نفسها. التنانين وحدها تملك قوة حياة قوية بما يكفي لصنع اللهب. تفسر أشكال النار غير الناجمة عن الكائنات الحية عبر الأساطير:
الشمس: يعتقد أنها مصدر عظيم للنار. البرق: مجهول. قد لا يملك فاثوم المفردات اللازمة لشرح البرق بعد. الكوارتز أو البلورات الكهروضغطية: يعتقد أنها تحتوي على قوة الحياة، ولذلك تستطيع صنع الشرر.
قال برايس: "الجبل الذي يخرج النار يسمى بركانا. هل توجد براكين هنا في هذه الجزيرة؟"
وقد راوده الفضول ليرى كيف تفسر التنانين هذه الظاهرة الطبيعية.
قال فاثوم: "نعم، بركان خطير جدا. بركان أيضا جزء من الأرض. الأرض حية"، مجيبا عن السؤال الذي كان برايس على وشك طرحه.
لم ير برايس في ذلك استنتاجا غير معقول، إذا نظرنا إليه في حدود النظريات البدائية عن طبيعة الواقع. كان يستطيع، على الأقل، أن يفهم كيف خلصت التنانين إلى تلك النتيجة.
قال برايس لفاثوم: "يعتقد البشر أن كل حياة خلايا، أو أنها تتكون من خلايا كثيرة. إذا لم يكن للشيء خلايا فهو ليس حيا."
وكانت للناس آراء أخرى كثيرة في السمات التي ينبغي أن تتوافر في الكائنات الحية، لكن هذه كانت أهمها.
ثم قال: "النار لا خلايا لها، والصخر لا خلايا له."
ظل فاثوم يفكر في الأمر لحظات، ثم سأل: "...ما الذي يظنه البشر نارا؟"
فرك برايس عنقه وقال: "هذا معقد، لكنني سأحاول أن أعلمك. النار تحتاج إلى ثلاثة أشياء. أولا: الوقود. ثانيا: الأكسجين. ثالثا: الحرارة."
بدأ بذكر الأسماء ببساطة، ثم حاول أن يشرح وظيفة كل منها: "الوقود الذي يغذي نار التنين هو الغاز الذي تخرجه مع زفيرك، والوقود أشبه بالطعام. الأكسجين موجود في الهواء، لا يمكنك رؤيته، والنار تحتاج إلى الحرارة لكي توجد."
ردد فاثوم: "الأكسجين في الهواء؟"
قال برايس: "نعم. الهواء يتكون في معظمه من نوعين من الغازات. فيه 86% من النيتروجين و13% من الأكسجين[2]."
قطب فاثوم حاجبيه، وانبسطت أشواكه.
ثم زمجر: "ما الغاز الذي يشكل نسبة 1%؟ وكيف تعرف هذا؟"
قال برايس: "النسبة المتبقية، وقدرها 1%، تتكون من أشياء أخرى. ويبذل كثير من البشر جهدا كبيرا لمعرفة هذه النسب. وأستطيع أن أثبت لك وجود الأكسجين في الهواء. هذه شمعة."
أشعل برايس الشمعة وغطاها بالكأس الزجاجية.
ثم قال: "النار تحتاج إلى الوقود والأكسجين والحرارة. الشمعة وقود. وأنا أمنح الشمعة الحرارة. أما الأكسجين ففي الهواء."
تراجع برايس خطوة، وقال: "النار تحتاج إلى الأكسجين كما تحتاج إلى الوقود. لا وقود، لا نار. لا أكسجين، لا نار. إذن ماذا يحدث إذا التهمت النار كل الأكسجين الموجود في الهواء؟"
ابتسم ابتسامة عريضة، وفي تلك اللحظة بالذات أخذ لهب الشمعة يضطرب ثم انطفأ. ابتسم لفاثوم، الذي ظل يحدق في الشمعة المنطفئة بحيرة.
قال فاثوم بعناد: "...أعد إشعال الشمعة."
قال برايس: "التصحيح: أشعل الشمعة من جديد."
ثم كرر التجربة. وكانت النتيجة نفسها.
تمتم فاثوم، وقد بدا عليه الإحباط: "هذا... لا أعرف. لكنك تشعل الشمعة بالنار، وهذا يختلف عن الحرارة."
قال برايس: "أشعل الشمعة بقداحة. والقداحة تستخدم شرارة. الشرارة ليست نارا."
أصر فاثوم: "الشرارة نوع مختلف من النار."
تنهد برايس وقال: "أستطيع أن أثبت أن الحرارة تصنع النار."
ولم يكن متحمسا لفرك عودين معا حتى يشتعلا.
ظن برايس في البداية أنه سيضطر إلى صنع مثقاب وتدي من الصفر، لكنه أدرك أنه يحتاج فقط إلى إثبات أن الحرارة البحتة قادرة على إشعال النار من لا شيء، فأخذ ينحت عصا حتى تناسب تجويف مفتاح ربط سريع. الشيء الوحيد الآخر الذي احتاج إليه هو قطعة من الخشب الجاف ثُقب فيها تجويف، وأن يحفر ثلمة في ذلك التجويف لتتجمع فيها نشارة الخشب الساخنة. استغرق بعض الوقت في نحت الخشب، لكن العمل لم يكن صعبة مع الأدوات عالية الجودة على متن السفينة.
كل ما كان عليه فعله هو إدارة العصا داخل التجويف بسرعة كبيرة، وستصبح النشارة المتراكمة في الثلمة ساخنة بدرجة كافية لإشعال النار عاجلاً أم آجلاً. نظر إليه فاثوم كأنه مجنون بينما كان يدير المفتاح بأقصى سرعة ممكنة، لكن بعد دقيقة بدأ يتصاعد منها دخان، وبعد بضع دقائق أخرى استطاع برايس جعل النشارة تضيء قطعة ورق خردة.
قال برايس وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة: "أرأيت؟ الحرارة... تصنع... لهاباً..."
قال فاثوم: "نعم..."
وهو ينظر إلى برايس نظرةً امتزجت فيها الحيرة والإعجاب بدرجة متساوية.
نهض برايس، مشيراً بيديه إلى البرطمان فوق الشمعة ليتكلم وسط لهاثه: "أغلب... النيران... تأكل..."
قال فاثوم، ضاغطاً بمفصل إصبعه على صدره ليدفعه إلى الجلوس مجدداً على الرمل: "أبطئْ، توقف."
قال برايس وهو يبعد مخالب فاثوم الأمامية: "نعم، أنا... أستريح..."
شرب جرعة من زجاجة مياه ونهض بعد دقيقة.
قال وبدو عليه شيء من الخرج: "أفضل الآن."
رغم أنه كان يشعر بتحسن كبير مقارنة باليوم العشرين، بدا وكأنه لم يتعافَ تماماً من رحلة البحر إن كان يتعب بهذه السهولة.
قال برايس حين استرد أنفاسه: "تستهلك معظم النيران الأكسجين وتنتج ثاني أكسيد الكربون. هذا الزجاج ممتلئ بثاني أكسيد الكربون الآن، ولا يمكنك رؤية ثاني أكسيد الكربون،"
وأضاف لأن فاثوم كان يحدق في الزجاج باهتمام شديد: "ثاني أكسيد الكربون أثقل من الهواء، لذا يمكنني أن أفعل... هذا،"
ثم قلب الكوب رأساً على عقب واستعاد الشمعة لئلا يزعج الغاز غير المرئي في الداخل. أخذ برايس زجاجة الماء وسكب ما فيها في كأس أخرى.
"يُسمى تحريك الماء هكذا ’سكباً‘، فماذا يحدث لو سكبت هذا الكأس من ثاني أكسيد الكربون على الشمعة؟"
حدق فاثوم في الكأس، ثم فيه.
وسأل في عدم تصديق مشيراً إلى الوعاء الذي بدا فارغاً: "هذا الكأس؟"
"نعم."
قال فاثوم: "...ليس في الكأس شيء."
قال برايس وهو يشعل الشمعة ثم يرفع الكوب ببطء فوق اللهب: "لا، يوجد ثاني أكسيد الكربون في الكأس."
التفتت عيناه إلى فاثوم الذي كان يراقب اللهب بحذر، وسكب. بعد ثانية واحدة، انطفأت الشمعة.
قال برايس واثقاً من أن هذا سيقنع التنين: "أرأيت؟ لأنه لا يوجد أكسجين هنا، بل ثاني أكسيد الكربون وحده، فلا يحصل الحريق على الأكسجين. فيموت الحريق."
تذمر فاثوم مرة أخرى، لكنه اعترف على مضض: "...لست مخطئاً... ربما."
قبض برايس يده احتفالاً.
قال فاثوم: "لكن هذا لا... يثبت أن النار ليست حية،"
فتردد برايس مدركاً أنه على حق من الناحية التقنية.
احتج برايس متغاضياً عن نظرية نشوء الحبيبات في الوقت الحالي: "لكن الولاعة ليست حية، الولاعة ميتة، والشيء الميت لا يصنع شيئاً حياً."
"الولاعة تمتلك طاقة حياة."
أصدر برايس صوتاً يعبر عن الإحباط واستدار ليتمشى جيئة وذهاباً على طول الشاطئ.
"...إلى أين أنت ذاهب؟"
"أنا أفكّر."
"لماذا تتحرك عندما تفكر؟"
قال برايس بشيء من الانزعاج: "يعجبني ذلك."
"أنت غريب."
تذمر برايس، وواصل التفكير.
أي حجة سيوظفها ستقابل برد: "إنها تمتلك طاقة حياة"، لذا...
كان عليه أن يطلب من فاثوم تبرير معتقداته.
سأل برايس: "ما هي طاقة الحياة؟"
أجاب فاثوم ببساطة واضحة: "الطاقة التي تمتلكها الحياة."
"لكنك تقول إن بعض الأشياء الميتة تمتلك طاقة حياة،"
قال فاثوم: "نعم."
"لماذا؟"
رمش فاثوم مندهشاً.
"لماذا لماذا؟"
"لماذا تمتلك الأشياء الميتة طاقة حياة؟"
أجاب فاثوم بطريقة تجيب عن السؤال: "...تمتلك الأشياء الميتة طاقة حياة. لماذا تهب الرياح؟ لماذا تسقط الأشياء نحو الأسفل؟"
فكر برايس في الحمل الحراري والجاذبيّة، لكنه عزم على عدم قول ذلك بصوت عالٍ؛ فهذا سيقودهم فقط إلى مسار مختلف. ربما كان يتعامل مع الأمر بطريقة خاطئة.
لو اعتبر "حرارة الحياة"
نوعاً من "الطاقة الكامنة"، أو "الطاقة"
بشكل عام، لأصبحت الأمور منطقية أكثر بقليل.
"يمكنني شرح تلك الأمور، لكنها معقدة. طاقة الحياة لا تفسر لماذا تموت النار حين ينعدم الأكسجين، ولا تفسر لماذا تموت النار حين أسكب عليها ثاني أكسيد الكربون."
قال فاثوم على مضض: "...نعم."
حاول برايس قائلاً، لعل التوصل إلى تسوية يساعد فاثوم على تقبل الأمر إن كانت المسألة تتعلق بالكبرياء: "أعتقد أننا بحاجة إلى كلمة أفضل من ’طاقة الحياة‘، اشرح لي ’طاقة الحياة‘ أكثر، وسأمنحها اسماً جديداً."
قال فاثوم ببطء: "طاقة الحياة تشبه... شيئاً يمكنه جعل الأمور تحدث."
قال برايس: "فلنسمها طاقة وحسب."
سيكون هناك متسع من الوقت لتسوية التفاصيل لاحقاً.
ردد فاثوم مؤمئاً: "طاقة."
قال برايس: "هناك أنواع عديدة من الطاقة. الطاقة الحركية هي طاقة الأشياء المتحركة، والطاقة الحرارية هي طاقة الحرارة، والطاقة الكيميائية هي الطاقة الكامنة في الأشياء، مثل النار. وهناك أنواع أخرى، لكنها أكثر تعقيداً."
سأل فاثوم: "الطاقة الحرارية هي الحرارة، أليست النار طاقة حرارية؟"
شرح برايس: "سؤال جيد، الطاقة الحرارية هي الحرارة، لكن الخشب يحتوي على طاقة كيميائية تحترق لتتحول إلى حرارة عندما يشتعل. الخشب يمتلك طاقة كيميائية عالية، والرماد يمتلك طاقة كيميائية منخفضة."
قال فاثوم: "...أفهم، هذا يشبه إلى حد ما حرارة الحياة."
أومأ برايس قائلاً: "جيد."
ثم سأل: "أنت تعلم أن الهواء الدافئ يصعد إلى أعلى، أليس كذلك؟"
سأل فاثوم مندهشاً: "نعم، كيف عرفت ذلك؟ أنت لا تطير."
شرح برايس لفاثوم مفهوم الكثافة، مستخدماً الصخور والماء كمثال. كان فاثوم يعرف الكتلة ومساحة السطح بالفعل، لذا علمه برايس الحجم ببساطة، ومن هناك استطاع فهم الكثافة. ثم أخبر فاثوم أن الهواء الساخن أقل كثافة من الهواء البارد، مما جعل فاثوم يميل برأسه.
قال مشككاً في هذا الادعاء: "الهواء الساخن يصعد، لكنه ليس أقل كثافة."
قال برايس وهو يجهز تجربة علمية أخرى: "يمكنني إثبات ذلك."
جعلته كل هذه التجريبية يشعر بالحنين، متذظراً الأوقات التي كان يشاهد فيها هذه التجريبية بنفسه بعيون واسعة... فضلاً عن الأوقات التي علمها فيها للصغير جون أيضاً. أعد برايس تجربة أخرى، وهذه المرة مع طبق يحتوي على طبقة رقيقة من الماء بينما تستقر بضع شمعات مضاءة في منتصف الطبق. ثم أسقط عملة معدنية في الطبق حيث غاصت فوراً إلى القاع.
وضع برايس كُوباً زجاجياً فارغاً بجوار الطبق، وقال: "إذا استطعت أخذ العملة دون أن تلمس الماء، فالعملة لك."
"بدون؟"
قال برايس معتذراً قليلاً: "بدون تعني ’لا‘."
لم يصدر عن فاثوم شخيره المعتاد تعليقاً على تكرار اللغة البشرية، بل أخذ يركز على الطبق الذي فيه العملة. بعد ثانية واحدة، قلب الطبق رأساً على عقب، فانسكب الماء على الصندوق والتقط العملة التي سقطت على الرمال. أمال برايس رأسه مسلماً بالأمر.
وأعاد ضبط اللغز قائلاً: "ذكي، لكن افعلها هذه المرة دون أن تلمس الطبق أو الماء."
دفع فاثوم الصندوق على جانبه حينها، التقط العملة الثانية ونظر إلى برايس بانتظار رد فعل. أخذ برايس نفساً عميقاً.
واعتذر معيداً ضبط اللغز للمرة الثالثة: "ذكي جداً، خطئي."
ثم أردف: "التقط العملة هذه المرة دون تحريك الصندوق، أو الطبق، أو لمس الماء."
نظر فاثوم حوله لبضع ثوانٍ، ثم التقط غصناً — رغم أنه بالنسبة لإنسان لعدّ فرعاً — ودفع العملة خارج الماء لكسب عملته الرابعة. نقر برايس بلسانه، وقد بدا معجباً لكنه منزعج قليلاً الآن. ومتغاضياً عن نظرة فاثوم المسرورة المغترة، أعاد برايس ضبط اللغز للمرة الخامسة التي نوى أن تكون الأخيرة. كان بإمظانه تقديم العرض بنفسه، لكن الأمر أصبح مسألة كبرياء الآن.
كان على وشك أن يقول: "التقط العملة هذه المرة دون تحريك الصندوق، أو الطبق، أو لمس الماء، مستخدماً الأشياء التي على الصندوق فقط،"
لكنه أدرك أن التنين سيقوم على الأرجح بدفع العملة خارج الماء باستخدام الكوب.
"أبعد الماء عن العملة دون تحريك الصندوق، أو الطبق، أو الشموع، أو العملة."
فكر فاثوم لبضع ثوانٍ قبل أن يسأل: "هل أستخدم النار؟"
أجاب برايس مسروراً لأن فاثوم عزم على السؤال: "...لا، يُحظر عليك استخدام النار."
وأضاف حين رأى فاثوم يفتح فمه مجدداً: "ولا النفخ أيضاً."
"أنتظر، يذهب الماء."
"أمامك ستون ثانية."
تذمر فاثوم: "لم تقل هذا من قبل"، وحدق عابساً في العملة حتى انقضت دقيقة كاملة.
أعلن فاثوم حين أخبره برايس بانقضاء دقيقة: "لا يمكنك فعل هذا."
التقط برايس الكوب قائلاً: "الأمر الذي لا يستطيع أي شخص فعله يُسمى ’مستحيلاً‘."
ثم وضع الكوب فوق الشموع، وبدأ الهواء يتصاعد في فقاعات عبر الماء في قاع الكوب، حتى انطفأت الشمعة لنقص الأكسجين.
وأتم كلامه بينما كان الماء يُشفط بسرعة إلى داخل الكوب، مما دفع فاثوم إلى إرجاع رأسه إلى الوراء مندهشاً: "...ليس مستحيلاً."
هس فاثوم وعيناه تتنقلان جيئة وذهاباً من اللغز إلى برايس بينما كان الإنسان يلتقط العملة: "ماذا؟ ما هذا؟ كيف تفعل هذا؟!"
"حين يسخن الهواء، يتضخم حجمه. أترى حين يهرب الهواء من داخل الكوب إلى خارجه؟ يهرب الهواء لأنه صار أكبر حجماً."
أصدر فاثوم صوتاً في جوفه بينما كان يمضغ هذه المعلومة، ثم سأل: "لكن كيف يدخل الماء إلى الكوب؟"
فكر برايس في جعله يفكر في الأمر أكثر، لكنه قرر إخباره ببساطة.
وشرح له قائلاً: "يرتفع الماء لأنه حين تنطفئ النار، لا يزداد الهواء سخونة، بل يبرد. وعندما يبرد الهواء يتقلص، فيسحب الماء إلى أعلى. وحين يكون الهواء ساخناً، يدفع الهواء إلى خارج الكوب، وعندما يبرد، يسحبه إلى الداخل."
حدق فاثوم في الكوب المقلوب الذي ما زال الماء بداخله، مفكراً فيما قاله برايس.
"كل ما هو ساخن، يتمدد؟"
"نعم، لكن بعض الأشياء تتمدد بمقدار ضئيل للغاية. الماء الساخن لا يتمدد كثيراً، على سبيل المثال."
"أفهم..."
وأضاف برايس، مما جعل فاثوم يوجه انتباهه نحوه فجأة: "هذا ما يتسبب في هبوب الرياح."
سأل بصوت خفيض، كأنه يخاطب...
مقدساً تقريباً: "أنت... تعلم ما يصنع الرياح؟"
أجاب برايس متفاجئاً بهذا التغيير المفاجئ في النبرة: "أم... نعم."
"الهواء الساخن يصعد، والهواء البارد يهبط. الهواء الساخن يصعد، عالياً جداً في السماء حيث يكون الهواء بارداً، فيصبح الهواء الساخن بارداً، وبات الهواء الساخن هواءً بارداً الآن فيهبط."
قبض برايس حفنة من الرمل ونثرها على سطح الصندوق، ثم نفخ عليها من الأعلى، فنثر الرمال في كل مكان.
ولخّص قائلًا: "الهواء ينزل، فيصبح رياحاً. الرياح معقدة للغاية جداً، لكن هذا ما يصنع الرياح. صعود الهواء وهبوطه بسبب درجات الحرارة يُسمى ’الحمل الحراري‘."
ثم سأل: "سؤال: لماذا أنت... متفاجئ هكذا؟"
لم يكن قد علّم فاثوم كلمة "متفاجئ"
بعد، لكن كان من الواضح أن هذا ما كان التنين يشعر به.
بدأ فاثوم يختار كلماته بعناية: "...لا تعرف التنين... من أين تأتي الرياح. الرياح قوية، ولا يطير التنين إذا كانت الرياح في... الاتجاه الخاطئ. لا يستطيع التنين سوى إيجاد الرياح الجيدة، والطيران مع اتجاه الريح. إذا كانت الرياح قوية جداً يسقط التنين،"
وقال واقشعرار يسري على طول عموده الفقري العظيم. أومأ برايس متفهمة. بالنسبة للتنين، كانت الرياح قوة خفية غامضة لا يمكن محاربتها. لم يكونوا يعرفون من أين تأتي ولا إلى أين تذهب، لكنهم عرفوا أنها قوية.
"أفهم. الشمال من الجزيرة يشهد عواصف أكثر من الجنوب، أليس كذلك؟"
"نعم... يبدو أنك تعرف هذا، كيف عرفت؟"
ابتسم برايس، وقد عاد أخيراً ليكمل الدائرة التي بدأت منها محادثة اليوم برمتها.
"صديقي، رايت، قال إنه لا توجد عواصف عند خط الاستواء، وقليل جداً من الناس صدقوه، وقليلون جداً من ظنوا أنه كان على حق."
سأل فاثوم ومسطّحاً حراشفه: "اسم صديقك رايت... مثل كلمة صواب وخطأ؟"
قال برايس مستحيياً: "تُكتب بطريقة مختلفة، لكن... نعم، تُنطق بالطريقة نفسها. يمتلك البشر اسماً أول واسماً ثانياً، الاسم الأول هو اسم الشخص، والاسم الثاني هو اسم العائلة. وكل الأشخاص في العائلة يمتلكون اسم العائلة نفسه."
أشار فاثوم: "غريب."
"اسم التنين بلا معنى، لكن إذا كان التنين... جيداً جداً جداً، يمكن لاسم التنين أن يصبح له معنى."
قال برايس وهو يدون ذلك: "مثير للاهتمام."
وأردف: "على أي حال، ما كنت أقوله هو أن اسم رايت الأول كان ماكسيميليان، لكن الاسم طويل، لذا دعاه كثير من الناس ماكس."
"انتظر، اسمك، ’برايس‘، هل هو اسم أول أم اسم عائلة؟"
"برايس هو اسم العائلة."
سأل وبدا صوته متألماً بعض الشيء: "ما هو اسمك الأول؟ لماذا لم تعطني اسمك الأول؟"
هز برايس كتفيه معتذراً: "اسمي الأول هو ألكسندر، أو أليكس. أعمل معالجاً، ومعظم الناس يدعون المعالجين باسم العائلة، لذا يدعوني معظم الناس برايس. كنت أود القول إنني سأستخدم اسم رايت الأول، ’ماكس‘، حتى لا نخلط بين رايت وصواب."
"ما هو الخلط؟"
قال برايس بجفاف، عاجزاً عن مقاومة السهل الممتنع: "هذا."
"ماذا؟"
"عدم المعرفة هو الخلط،"
موضحاً كلامه.
"...أفهم. لغة البشر تحيرني."
"بالضبط. والآن، كما كنت أقول،"
قال برايس منزعجاً من كثرة انحرافه عن المسار، "كان ماكس على حق —"
قال فاثوم وتلمع في عينيه مسحة من التسلية: "كان رايت... على حق؟"
قال برايس من بين أسنان مصطوكة، آملاً ألا يبدأ التنين في إلقاء التلاعب باللفظ طوال اليوم: "...نعم، كان ماكس على حق. وكما كنت أقول، خمن ماكس الحق — بأنه لن تكون هناك عواصف عند خط الاستواء."
سأل فاثوم ونبرته مطرزة بالتشكيك: "كيف عرف هذا إن لم يكن هنا؟"
قال برايس: "لأن البشر يعلمون أن الأرض تدور. قلت سابقاً إن الحمل الحراري يصنع الرياح، لكن أشياء أخرى تجعل الرياح تتحرك أسرع أو أبطأ. يمكن للأرض أن تجعل الرياح تتحرك أسرع أو أبطأ."
قال فاثوم وبدا مستاءً من هذه الفكرة أكثر: "الأرض لا تجعل الرياح تتحرك أسرع."
"المحيط هو طول المسافة حول خط الاستواء. محيط الأرض هو 40,080 كيلومتراً عند خط الاستواء، وتدور الأرض مرة واحدة في اليوم، لذا تدور الأرض بسرعة كبيرة جداً عند خط الاستواء، والأرض تتحرك بسرعة كبيرة. تتحرك الأرض بمقدار 464 متراً في ثانية واحدة."
نظر فاثوم إلى الأرض، ثم إلى برايس كأنه مجنون.
سأل مستنكراً: "كيف عرفت محيط الأرض؟"
"سأشرح لاحقاً. الأرض تتحرك. لا يمكنك رؤيتها تتحرك لأنك تتحرك بسرعة كبيرة أيضاً،"
محاولاً التوصل إلى شرح أكثر بديهية.
سأل برايس وهو يرمي صخراً صغيراً في الهواء ويلتقطه: "أترى هذه الصخرة؟ إذا أمسكت الصخرة، ستشعر بوزنها، أليس كذلك؟"
وحين رأى فاثوم يومئ متردداً، تابع: "الآن إذا طرت ورمى أحدهم صخرة عليك، يؤلمك ذلك لأن الصخرة تتحرك في اتجاه مختلف عنك، ولكن إذا طرت وأنت تمسك صخرة، فلا تألمك الصخرة، لماذا؟"
حدق في فاثوم بانتظار إجابته.
قال التنين مدركاً: "الصخرة لا تؤلم... لأن الصخرة تمتلك سرعة مثلي."
هتف برايس: "نعم! حين لا تكون الأشياء مختلفة، فهي متطابقة، فالصخرة تمتلك السرعة نفسها التي تمتلكها أنت! الصخرة لا تشعر بأنها تحركت بسرعة، حتى لو طرت بسرعة كبيرة جداً، لأنها تمتلك السرعة نفسها التي تمتلكها أنت."
ونقر على شاطئ الرمل تحته.
"لا تشعر بتحرك الأرض، لأنك تتحرك. الأرض تشبه التنين، وأنت تشبه الصخرة."
أغلق فاثوم عينيه لحظة ثم فتحهما مجدداً.
"معقد."
قال برايس: "نعم، لكن هذا صحيح."
وأضاف وهو ينقر على الموضع المذكور على المجسم الكروي: "لأن الهواء يلمس الأرض، فإن الهواء عند خط الاستواء يتحرك بسرعة كبيرة، والمسافة المقطوعة في ثانية واحدة تسمى ’متراً في الثانية‘، والهواء عند خط الاستواء للأرض يتحرك أسرع بـ 464 متراً في الثانية من الهواء عند القطبين، واللذان يقعان هنا."
سأل فاثوم: "الهواء يتحرك بسرعة، فيصنع عاصفة...؟"
قال برايس: "تخمين جيد، صحيح تقريباً. الأرض تتحرك بسرعة، لذا تجعل الأرض الهواء يتحرك بسرعة. تحدث العاصفة عندما يتحرك الهواء من خط الاستواء شمالاً أو جنوباً."
توقف برايس هنا، مدركاً أنه بحاجة إلى شرح شيء آخر.
سأل برايس: "إذا رميت صخرة مباشرة إلى أعلى، ماذا يحدث؟"
سأل فاثوم متردداً، وكأن برايس على وشك أن يثبت أن الصخرة ستطير مبتعدة نحو النجوم: "...الصخرة تصعد، ثم تنزل؟"
قال برايس، مما أراح التنين ظاهرياً: "نعم."
"والآن ماذا يحدث لو كنت تطير ورميت صخرة إلى أعلى؟"
قال فاثوم بثقة أكبر هذه المرة: "الصخرة تصعد، ثم تنزل."
"لكن إلى أين تنزل؟ إذا طرت بالسرعة نفسها، أيمكنك الإمساك بالصخرة؟"
"نعم، ستسقط الصخرة نحوي."
هتف برايس وهو يرسم رسماً توضيحياً في الرمل: "بالضبط! إذا رميت الصخرة وأنت لا تطير، تصعد الصخرة وتنزل،"
وهو يرسم خطاً يعود وينعطف على نفسه.
"لكن إذا رميت الصخرة إلى أعلى وأنت تطير، تصعد الصخرة ثم تنزل هكذا،"
فرسم قوساً مكافئاً ليظهر كيف سيتعين على الصخرة أن تتحرك أفقياً لتسقط حيث سيكون التنين بحلول وقت هبوطها.
قال فاثوم: "أنا أفهم هذا. لكن كيف يصنع هذا عاصفة؟"
وأشار إلى الرسم البياني: "لأن الرياح تشبه الصخرة في هذا المثال. الرياح عند خط الاستواء تتحرك بسرعة، وحين تتجه الرياح شمالاً، فإنها تظل متحركة بسرعة شرقيّاً، لذا تتحرك هكذا،"
فرسم قوساً على المجسم الكروي تماماً كما فعل الحجر، من دون النصف الثاني.
سأل فاثوم مرة أخرى بشيء من الاستعجال: "كيف يصنع هذا عاصفة؟"
"سأصل إلى ذلك، أتذكر حين أخبرتك أن الهواء الساخن يرتفع؟ حين يرتفع الهواء الساخن، يجعل الهواء المحيط بالمنطقة يندفع تحته،"
وبذل قصارى جهده لرسم هذا التأثير في الرمل، فرسم شكلاً يشبه الفطر.
لاحظ فاثوم: "...مثل الشمعة في الكوب، تجعل الماء يصعد."
قال برايس مشيراً بإصبعه إلى التنين دون أن ينظر إليه: "نعم، جيد جداً! هذا يسمى نظام ضغط منخفض، لأنه يجعل الهواء المحيط به يدخل إليه. والآن، لأن الأرض تدور، فإن الهواء القادم من القطب الشمالي يذهب في الاتجاه الآخر أيضاً، لأنه أبطأ،"
شارحاً وهو يرسم قوساً يعاكس الرياح القادمة من خط الاستواء.
وأتم قائلاً: "حين تلتقي هذه الرياح وتلك الرياح عند نظام ضغط منخفض، فإنها تصنع إعصاراً، عاصفة كبيرة."
سأل فاثوم بشك: "...تلك هي العاصفة؟"
"نعم، الإعصار عاصفة كبيرة، والأعاصير كبيرة جداً جداً، مئات الكيلومترات العديدة، لدي صورة،"
مبيناً ذلك، فسرع بالدخول إلى السفينة وعاد في غضون دقيقة. أظهر لفاثوم صورة منخفضة الدقة لإعصار، رغم أن العين كانت ما تزال واضحة.
[4]
سأل فاثوم وهو يحفر حفرة في الرمل: "الإعصار يمتلك... شيئاً بداخله؟"
"الشيء هو ثقبة، ونعم. هذا يسمى ’عين الإعصار‘، وهي في مركز الإعصار،"
شارحاً، ثم سأل: "أسمعت عن تناوين ترون عاصفة، ثم تتوقف العاصفة، ثم تبدأ العاصفة مجدداً؟"
قال فاثوم ببطء: "...نعم، إنه أمر خطير. بعض التنانين تطير بعد الإعصار... ثم يبدأ الإعصار مرة أخرى، هل هذا بسبب... عين الإعصار؟"
قال برايس بجدية: "نعم، بالضبط. أترى هذا؟ هذا يدور باتجاه عقارب الساعة، وهذا يدور عكس اتجاه عقارب الساعة،"
وهو يرسم دوائر في الرمل.
ثم تابع الشرح: "الأعاصير شمال خط الاستواء تدور دائماً عكس اتجاه عقارب الساعة. يخمن البشر أن الأعاصير جنوب خط الاستواء تدور دائماً مع اتجاه عقارب الساعة، لكننا لم نجد هذا بعد."
تأمل فاثوم هذه المعرفة الجديدة، ثم سأل: "الإعصار يأتي دائماً من الشرق، ويذهب إلى الغرب... لماذا؟"
اعترف برايس مفاجئاً فاثوم: "لا أعرف."
"أعرف أن الدوران عكس اتجاه عقارب الساعة يجعل الإعصار يذهب شمالاً، ولكن ليس سبب ذهابه من الشرق إلى الغرب. الشخص الذي يعرف الكثير عن شيء ما هو خبير، وأنا لست خبيراً في الأعاصير، أنا خبير في الخلايا والشفاء. لست متأكداً إن كان البشر الآخرون يعرفون، لكن هذا بعض سبب مجيئنا إلى هنا، لنعرف أشياء عديدة، أشياء كهذه."
لم يكن سؤالاً حين قال فاثوم: "البشر... يفهمون هذا... دون أن يكونوا هنا... ما هي الكلمة التي تعني جيداً، جيداً، جداً؟"
سأل برايس ناظراً إلى فاثوم بفضول: "الكلمة هي ’مذهل‘، لماذا؟"
"البشر صغار جداً، ليسوا أقوياء، لكنهم... مذهلون."
أدار برايس وجهه وشرع يحك رقبته.
"شكراً."
«هل ترى النجوم الآن؟»
سأل التنين للمرة الخامسة.
أجابه برايس بالرد نفسه الذي أعطاه في المرات الأربع السابقة: «قريبا».
تمتم فاثوم بضجر، ثم عاد فجلس، مرددا شيئا خافضا أكثر من أن يسمع، أو ربما لم يكن بالإنجليزية. أراد برايس أن تكون نظرته الأولى إلى كوكب مثالية قدر الإمكان، بالنظر إلى مواقع الكواكب الحالية. كان المريخ بعيدا جدا، لكن الزهرة والمشتري وزحل كانت قريبة إلى حد معقول. رفع عينيه إلى السماء من جديد. كان الشفق قد حل، وسرعان ما سيتلاشى وهج الشمس فوق الأفق. كانت نجوم كثيرة قد ظهرت بالفعل، حتى إن شريطا أبيض من درب التبانة كان باديا، لكن المنظر لن يكون بجماله لو كانت السماء مظلمة تماما.
بدأ بتوجيه التلسكوب إلى القمر، مستخدما تكبيرا قدره أربعون ضعفا ليسهل عليه العثور على التابع الطبيعي. وما إن حدده حتى ركز عليه، وزاد التكبير إلى أن ملأ التابع الطبيعي مجال رؤية العدسة كله.
نادى برايس فاثوم: «انظر».
فأقبل فاثوم نحوه متلهفا.
حذره برايس: «ببطء. لا تحرك التلسكوب».
ثم تنهد حين أزاحت مخالب التنين الأمامية الرمل تحت التلسكوب عرضا، فأخلت محاذاته تماما.
قال وهو ينظر عبر العدسة ويعيد ضبط الجهاز: «انتظر».
وكان فاثوم، الذي نفد صبره، يتمتم بضجر من فوق كتفه.
وبخه برايس وهو يبتعد بعدما عادت صورة القمر إلى مجال الرؤية: «...لو أبطأت، لما اضطررت إلى فعل هذا».
وفي اللحظة نفسها، قرّب فاثوم رأسه من العدسة، مقلدا برايس. ثم سكن تماما وهو يحدق في العدسة باهتمام مشدود.
[5]
قال برايس: "المقحاص يجعلك ترى أشياء دقيقة تُدعى تفاصيل. القمر يكون أبلغ تفصيلاً حين تستخدم المقحاص لا عينيك، أليس كذلك؟"
أجمجم فاثوم بشرود: "...نعم. كيف أرى القمر هكذا، ألا يشير المقحاص إلى أعلى؟"
أوضح برايس مدركاً غرابة النظر صعداً إلى العدسة لرؤية شيء في كبد السماء: "توجد مرآة داخل المقحاص."
فجّ فاثوم بفحيح: "...أفهم – !"
اصطدمت عينه بالعدسة حين حاول التفنّي في رمق القمر عبر المقحاص. أطمش مراراً وهو يهزّ رأسه ثم عاود الكرة لتبين القمر.
سأل: "أين القمر؟"
أجاب برايس: "حرّكت المقحاص ولم يعد يشير إليه. دعني أصلحه."
سأل فاثوم: "أيقدر المقحاص على الاقتراب أكثر؟"
أكّد برايس وهو يعيد تسديد المقحاص ويفتل المقبض حتى بلغ أقصى تكبير بمائتي ضعف: "يستطيع."
[5]
قال برايس للتنين وهو يجثو ليتسنى له تعديل المقحاص وتمكين فاثوم من رؤية القمر: "أخبرني إن أردت إزاحته يساراً أو يميناً أو صعوداً أو هبوطاً."
ما إن استأنف فاثوم جلسته حتى قال: "... يمين... هبوط... هبوط. لماذا لا ينير بعض القمر؟"
أجاب برايس: "ما لا ينير مظلم. ولا ندري لِلمَ يظلم جانب منه. ظنّ البشر قديماً أن البقع المعتمة محيطات، غير أنها ليست كذلك."
سأل فاثوم دون أن يرتدّ بصره عن العدسة: "ليست محيطات؟ كيف عرفتم؟"
"للبشر مقحاصة أمتن، أشدّ متانة من هذا بكثير، فنرى أن المحيطات مجرد صخور داكنة."
قال فاثوم: "...أفهم."
أوضح برايس: "القمر بعيد جداً، وعالٍ لدرجة تنعدم معها الهواء."
قال فاثوم بعد هنيهة: "...أفهم، يطير التنين عالياً ولا يطيق نفخ الهواء."
"نفخ الهواء هو التنفّس، ونعم، هذا منطقي."
"ما معنى منطقي؟ وكيف يغدو الأمر منطقياً؟"
"مم، منطقي كأن تقول إنك تدرك شيئاً، أو أن الأمر مفهوم."
"...منطقي؟"
"نعم، تماماً."
سأل فاثوم محولاً بصره عن المقحاص للمرة الأولى: "...انتظر، كيف عرف البشر خلوّ العلاء من الهواء؟ أنتم لا تطيرون."
أجاب برايس ببساطة: "تضمّ اليابسة جبالاً. يصعد البشر الجبال، صعود الجبل يُدعى تسلّقاً."
قال فاثوم: "منطقي."
"وأيضاً، يستطيع البشر الطيران."
انتفض فاثوم مفزوعاً حتى كاد يقلب المقحاص: "ماذا؟ كيف؟!"
أنّبه برايس: "مهلاً، المقحاص هشّ!"
وسعه أن يحني رأسه قليلاً خجلاً، لكن ذلك لم يثنه عن السؤال: "كيف يطير البشر؟!"
أوضح: "يصنع البشر آلة، مثل المؤقت والسفينة، وتطير السفينة وبها بشر."
أمعن فاثوم الفكر هنيهة ثم سأل: "...أتشبه الآلة التي تستخدمها لالتقاط صورة للجزيرة؟"
أجاب برايس: "نعم، هكذا."
مع أن الغالبية العظمى من الطائرات اعتمدت على المراوح للدفع. استُخدمت النفاثات لدفع الطائرات، لكنها بدت بالغة العقم مقارنة بالمروحية. ولهذا اقتصر استخدام الطائرات النفاثات التجارية على الشحنات المرتبطة بالمواعيد الضيقة أو الأثرياء وحدهم. وملكت الشركات الكبرى أو أثرى أثرياء الجزيرة الحفنة الباقية من الطائرات النفاثات غير الحربية.
سأل: "أتملك آلة طيران هنا؟"
هزّ برايس رأسه: "لا، لا أملك واحدة هنا."
ألحّ فاثوم: "أتمتلك صورة لآلة طيران؟"
"...أظن هذا، سأجدها غدّاً، لا أبصر جيداً في الظلمة."
أبى فاثوم الاستسلام تماماً: "أنا أستطيع."
وعده برايس: "سأريك الصور غداً."
ثم وجّه المقحاص وجهة أخرى.
"سنرى الكواكب الليلة."
أجمجم فاثوم غير قانع تماماً: "الكوكب ضوء، كالنجوم، وليس أمراً مستحدثاً كآلة الطيران."
ابتسم برايس وتابع ضبط المقحاص بضعة دقائق قبل أن يفسح له المجال: "أتذكر كيف رأيت تفاصيل القمر؟"
اندفعت رأس فاثوم إلى الأمام لتستقرّ عدسة العين وجمت.
"ما... ما هذا؟"
سأل برايس: "هذه الزهرة، لا تقوى على رؤية البرتقاليّ بعينيك، أليس كذلك؟"
أمسك فاثوم عن الجواب، وظلّ مطرقاً في تلك النقطة البرتقالية عبر المقحاص، ثم يحول بصره بين حين وآخر ليرمقها بعينيه المجردتين.
قال برايس: "هات، لأريك المشتري."
لكن فاثوم أبى الحراك صامتاً. تنهّف ووقف ينتظر حتى أزاح فاثوم رأسه بعد دقائق. امتنع التنين عن الكلام ريثما انكبّ على عمله، وسرعان ما عثر على المشتري. شكّل الفلك هوايته منذ أعوام مديدة، وتناهى إليه شعور بالحنين حين استعاد ما طواه النسيان طوال سنين. قضى العقد المنصرم ناظراً إلى أسفل حيث عمله حتى غفل عن رفع بصره دهراً طويلاً؛ وقد أثمر انعدام الضوء أو التلوث الكيميائي سماء ليل أبهى من كل ما رأى قط.
قال برايس: "انتهيت."
عجّل فاثوم العودة إلى العدسة بالحماس ذاته تقريباً، وإن حرص هذه المرة على ألا يزعج المقحاص.
[6]
سأل فاثوم مرتبكاً جراء هذا الشذوذ: "الأضواء الصغيرة... نجوم؟"
أجاب برايس: "تلك أقمار. أتذكر حين عرضت عليك مخطط المجموعة الشمسية أنفاً. تمتلك كواكب أخرى أقماراً أيضاً."
وأعاد توجيه المقحاص نحو هدفه التالي: "لا تمتلك عطارد والزهرة أقماراً، وللأرض قمر كبير، ولمريخ قمران صغيران، وللمشتري عشرة أقمار على الأقل، وما زال البشر يكتشفون المزيد. وبعضها أصغر بكثير من الأربعة التي تراها هنا."
سأل فاثوم بصوت واهٍ: "تلك الكواكب تمتلك... أقماراً؟"
"نعم، لكن انظر هنا، تركت الأفضل للنهاية."
"ماذا يعني هذا؟"
هزّ برايس رأسه: "انظر."
باختصار. تفرّس فاثوم عبر العدسة، وأدرك برايس أنه أبصر الحلقات حين اتسعت عيناه كالفنجان.
[6]
سأل فاثوم: "لِلمَ يبدو... هكذا؟"
قال برايس: "لزحل حلقات. الحلقات تشبه..."
وتلعثم متلفتاً متمنياً لو ارتدى خاتماً برهة.
"الحلقات هي إطار الدائرة. سأريك صوراً أبلغ بمقحاصة أفضل غداً."
تثاءب مستشعراً خبو الحماس وحلول الإرهاق محله. رماه فاثوم بنظرة ثم رمق السماء.
"...أتصوب المقحاص نحو... لمعان السماء؟"
سأل برايس بحيرة: "لمعان السماء؟ أتعني النجوم؟"
لقد عرف أسماء النجوم مسبقاً، فلمَ يدعوها بمثل هذا الوصف الملتوي؟
حاول فاثوم باحثاً عن كلماته: "نعم النجوم، لكن... مثل النهر."
عصا من النجوم؟ كعصابة؟
"أه، تقصد مجرة درب التبانة! بالطبع، نعم."
قال برايس مستشعرًا سخف نسيانه أمراً بمثل هذه الأهمية.
"لِلمَ دعوتها لمعان السماء؟"
أوضح فاثوم: "لفظها التنيني، لمعان تحوزه السماء."
سأل برايس: "...أترغب كل التنانين في اللمعان بشدة؟"
أجاب فاثوم مستروحاً قليلاً: "بشدة نعم."
"حسناً، اللفظ البشري لما ترغبونه بشدة هو كنز."
أمال فاثوم رأسه متفكراً: "كنز السماء؟"
صحّح برايس: "إن حوت السماء كنزاً، فسيُدعى كنز السماء."
قال فاثوم: "لفظ جيّد لهذا."
وأضاف: "تدعوه بعض التنانين نهر النجوم."
تذمّر برايس: "سيكون نهر النجوم، وكان سيسهل فهمه لو نطقت بهذه الكلمات أولاً."
أجاب فاثوم غير معتذر: "نسيت، تستخدم التنانين نهر النجوم أقل من كنز السماء."
سأل برايس رامقاً فاثوم بنظرة جانبية اختار وقتها أن يصمّ أذنيه: "...مهلاً، ألم تقل إن الإنجليزية رديئة لتعدد ألفاظها للشيء الواحد؟"
قال برايس مفسحاً المجال قبل أن يدفعه فاثوم للوصول إلى المقحاص: "حسناً، ها هو ذا... كنز السماء."
[7]
أجمجم فاثوم والعدسة لا تفارق عينيه: "مذهل."
أبعد رأسه بعد دقيقة ثم تمتم: "أريتني هذه الجزيرة صغيرة، صغيرة جداً، ثم أريتني القمر، وأريتني كواكب أضخم من الأرض. أنا لست صغيراً، لكن هذا –"
وألّم بجناحه إشارة مبهمة إلى السماء "– يجعلني أشعر... بالصغر."
عجز برايس عما يقال، فوضع يده مواسياً على ساعد التنين؛ الموضع الوحيد الذي أدركه بلا وثوب. هبط فاثوم برأسه أكثر، واتخذها برايس إذنًا فربت على خطمه. تمطّط فاثوم مجيباً واستند إلى اللمسة؛ كانت الحشيف دافئة للغاية، وإن لم تكن ناعمة فلم تكن كريهة الملمس.
سأل مداعباً: "البشر أصغر بكثير من التنانين، فكيف تحسبنا نشعر؟"
عطس فاثوم معثراً شعر برايس: "أنت صغير جداً."
موافقاً.
"يشعر البشر بالصغر أيضاً، لكن هذا يعني فحسب وجود متسع أرحل للاكتشاف. الاستكشاف هو التعلم عن بقاع جديدة."
سأل فاثوم بفضول: "أكتشف هنا كأنك... تفعل؟"
أدار برايس بصره: "...نعم، هكذا."
ثم سحب يده ورمق فاثوم في عينيه.
"العالم رحب، وثمة ما يُرى ويسْتطاع تعلمه، وأعلم أن ثمة عوالم سوى هذا، وسنراها جميعاً ذات يوم."
"كيف ترى الكواكب؟ المقحاص لا يرى بذاك الجمال."
تألق بصره تحت ضوء القمر: "سنبني مقحاصة أمتن، ونصنع آلات لنذهب لرؤية الكواكب. سنبعث ببشر إلى القمر يوماً في المستقبل!"
سحب فاثوم رأسه مطلقاً صوتاً أشبه بالقرقعة. تراجع برايس مدهوشاً حتى تبيّن أن التنين يضحك.
قهقه فاثوم مطولاً: "لا يمكنك الذهاب إلى القمر."
سكت حين خلت ردّة فعل برايس من التجاوب، مدركاً جديّته.
سأل بفحيح مستنكراً: "كيف تمضي إلى القمر؟"
هزّ برايس كتفيه ناظراً نحو سماء الليل: "معقد، سأشرح... غداً. أما ترغب في بلوغ القمر؟"
تلعثم فاثوم مأخوذاً بسخافة السؤال: "أنا..."
وعلى ما يبدو من ردّ فعله، كأنما سأله عما إذا كان يودّ السباحة في نهر النجوم.
وتساءل ببؤبؤين لامعين يعمرهما الشك والريب: "أيقدر البشر على فعل ذلك؟"
"ذات يوم. ربما بعد عشر سنوات، أو مئة، لكننا سنبلغ القمر يوماً."
"كيف تدرك ذلك؟"
أمال برايس رأسه متدبراً سبيل الردّ بمفرداتهم الضئيلة.
"عجز بشر الماضي عن استكشاف بقاع شتى، لكنني أتيت إلى هنا رغم ذلك."
أجمجم فاثوم معتقراً كلماته.
وأردف ببطء بعد دقيقة ونصف: "هذه الجزيرة... رحبة، لكن كل شبر مرتع لتنين. لا موضع يُعدُّ... جديداً. ما إن لقيتك حتى غفوت عن... الاستكشاف."
اقترح برايس مبتسماً: "ربما بوسعنا استكشاف أشياء جديدة معاً. أما الآن، فغاية ما نملك هي رمق النجوم."
رمق السماء: "...نعم، النجوم بالغة البهاء."
ملحوظة منه.
أقرّ برايس متثائباً: "حقاً، هي كذلك."
أزف أوانه للنوم، لكنه مكث قليلاً ليقاسم التنين تأمل سماء النجوم بجواره.
[مذكرة يومية]
اليوم 35، اصطدمت اليوم بأول عقبة حقيقية. كان لا بد أن يحدث ذلك عاجلا أو آجلا، لكن معتقدات فاثوم المسبقة عن العالم تعرقل ما أحاول تعليمه إياه. ليست المشكلة في ذلك، كل ما أحتاج إليه هو أن أريه من الأدلة ما يكفي ليثبت أن نظرياتنا تفسر الأشياء على نحو أفضل من منظومة المعتقدات التنينية.
من المفيد أن أتذكر أن كثيرا من النظريات التي نستخدمها اليوم «خاطئة».
فالفيزياء الكلاسيكية شديدة الدقة والصواب، لكنها مع ذلك «خاطئة»
لأنها تفشل في التنبؤ بحركات النجوم، من بين أمور أخرى. ومع ذلك، لا يستخدم أحد النسبية العامة إلا إذا كان فيزيائيا نظريا أو عالما يعمل حرفيا في علم الصواريخ. لماذا؟ لأن الفيزياء الكلاسيكية ببساطة جيدة بما يكفي. ومن هذه الناحية، لا تختلف عن نظرية قوة الحياة التنينية. إنها نظرية تصف على نحو كاف ما احتاجت التنانين إلى تفسيره. وحتى من دون هذا الاعتبار، فإن التوصل إلى فهم ثقافتهم وقيمهم أمر بالغ الأهمية لأي مفاوضات أو نقاشات مستقبلية.
بعبارة أخرى، اعرف كيف لا تثير حفيظة التنانين النافثة للنار. أما دروسي... فمن المنطقي أن أسأل فاثوم عن أمور تخص هذه الجزيرة، مثل الأخطار والموارد المحتملة. لا أحتاج إلى إقناعه بأن الأرض تدور، أو بأن الكواكب ليست نجوما، أو بأن لها أقمارا، لكن... يعجبني ذلك. ليس تعليم فاثوم ممتعا فحسب، بل إن فعل ذلك يذكرني بالمسافة الشاسعة التي قطعناها نحن البشر بوصفنا نوعا. رغم اختلافاتنا وصراعاتنا وحتى الحروب التي نخوضها، تمكنا مع ذلك من دفع فهمنا للعالم إلى هذا الحد.
أتساءل كيف سيبدو مستقبل يجتمع فيه التنانين والبشر. لا أستطيع حتى أن أبدأ في تخيله، لكن تباً، كم أريد أن أراه. من يدري، لعلهم يساعدوننا حتى على الهبوط على القمر؟ لقد ذكرتني الأيام القليلة الماضية بسبب اختياري أن أفعل ما فعلته، وكان ذلك... مهدئا لإحساسي بذاتي، لغياب تعبير أدق. مع أن ذلك ربما جاء على حساب تحطيم تصور فاثوم للعالم مرات عدة. تحديث تطور الجرح: انكمش الجرح سنتيمترا آخر.